رواية كاملة
المحتويات
وهو ينظر لي بعينين مليئتين بالقلق.
تقدمت منه وأنا ما زالت في حالة صدمة
في إيه يا طارق؟
مد لي الورقة وقال
دي وصلتني من صديق يعمل في مصلحة الأحوال المدنية.. طلب مني أديهالك بنفسي ويقولك إنها وثيقة رسمية وموثقة.
فتحت الورقة بيدين مرتجفتين.. وقرأت الكلمات ببطء.. ثم قرأتها مرة أخرى.. ولم أصدق ما تراه عيناي.
وثيقة ميلاد.. اسم الأم نادية عبد الرحمن.. اسم الأب كمال الدين.. اسم المولودة داليا كمال الدين.
سقطت الورقة من يدي وكأنها تحترق.. طارق أمسك بكتفي
داليا.. اسمعيني.. أنا لم أصدق في البداية.. بس بحثت وتأكدت.. هدى.. أمك التي ربيتكِ.. هي خالتك الكبرى.. ليست والدتك الحقيقية.
عالمي كله انهار في تلك اللحظة.. كل شيء.. كل تضحية.. كل شعور بالذنب والواجب.. كل كلمة يا ماما قلتها طوال 38 سنة.. كانت موجهة لامرأة لم تكن أمي أصلاً.
شريف اقترب مني وهو يبكي
أنا عرفت من زمان.. بابا قال لي قبل ما ېموت.. قال إنك بنت نادية.. وأن هدى رفضت تسلمكِ.. ورفضت تعترف بوجود أمك الحقيقية.. وسطت عليكِ باعتبارك بنتها.. عشان تورث كل حاجة بدلاً منكِ.
دموعي تجمدت في عيني
وليه.. ليه تعمل فيا كده؟!
لأن نادية كانت تمتلك نصاً من ميراث أبوكم.. وبموتها انتقل كل حقها ليكِ أنتِ.. هدى كانت خاېفة تفضح الحكاية فيسقط كل شيء من إيدها.. فقررت تحبس الحكاية كلها.. وتعاملكِ كبنتها.. وتبقيكِ تحت سيطرتها طول العمر عشان ما تعرفي الحقيقة أبداً.
تذكرت كل شيء الآن.. لماذا كانت دائماً تنظر لي بنظرة غريبة.. لماذا كل ما أبدعت أو نجحت كانت تقلل مني.. لماذا لم تكن تحب أن أكون محبوبة من الناس.. لم تكن أمّاً تغار على ابنتها.. بل كانت امرأة تمسك بكنز لا يخصها، وتخاف أن يسترد منها يوماً.
وطوال السنين دي.. وهي بتعاملني كخادمة عندها.. وتأخذ مجهودي وطاقتي.. وتنسب كل حاجة لنفسها.. وتقول للناس إنني مريضة عشان لو تكلمت حد ما يصدقني..
كلماتي انقطعت وبكيت بصوت لم أسمعه من نفسي من قبل.. بكيت طفولتي التي سُلبت.. وشبابي الذي أُهدر.. وحبي الذي أُعطي لمن لا يستحقه.
وفجأة.. سمعنا صوتاً من الباب.. صوت رقيق مهتز يقول
سامحيني يا بنتي.. سامحيني لو عرفتِ متأخرة.
التفتنا جميعاً.. ووقفت هناك امرأة في أواخر الستينات، شعرها أبيض وعيناها تفيضان بالدمع.. وبمجرد أن نظرت إليها شعرت بشيء لا أستطيع وصفه.. دفء غريب.. واشتياق لم أعرفه قط.
الجزء الخامس
اقتربت المرأة ببطء وكأنها تخشى أن أهرب منها
أنا نادية.. والدتك يا داليا.
لم أتحرك.. لم أتكلم.. فقط كنت أنظر إليها وأنا أشعر بقلبي يخفق پعنف.. هكذا تبدو أمي.. هكذا هي ملامحي التي طالما بحثت عنها في المرايا ولم أجدها في عيني هدى.
جلست على الكنبة بجانبي دون أن تلمسني وكأنها تحترم مسافات السنين التي فصلت بيننا
ما جيتش من قبل خوفاً عليكِ.. ههدي هددتني إنها ټفضحني وتدمر سمعتي لو حاولت أقرب منكِ.. وقالت إنك هتكرهيني لأنني سبتك وأنا صغيرة.. ففضلت أتابعكِ من بعيد.. أشوفك وأنتِ في المدرسة.. وأنتِ بتتجوزي.. وأنتِ بتجبني ندى.. كل خطوة في حياتك كنتِ معايا فيها.
سكتت وتمسحت دموعها بأطراف منديلها ثم أكملت
النهاردة لما شفت الرسالة على الجروب.. وعرفت إن هدى هتقعدكِ في البيت لوحدكِ.. قلت لازم أجي.. حتى لو طردتيني.. لازم أقولك الحقيقة قبل ما أموت.
قالت لي وهي تمد لي كيساً جلدياً
دي كل الأوراق.. الإثباتات كلها.. ودي رسالة من أبوكِ كتبها قبل ما ېموت بيوم.. موجهة ليكِ أنتِ تحديداً.
أخذت الرسالة بيد مرتجفة وفتحتها.. خط أبي الذي أذكره جيداً
إلى ابنتي الغالية داليا..
إذا قرأتِ هذه الكلمات فهذا يعني أن الحقيقة وصلتكِ أخيراً..
لم أكن أريد أن تكبرينِ في عالم مليء بالأكاذيب، لكنني خفت من انفجار الأمور في وقت مبكر فيتأذى قلبكِ الطيب..
أعلم أن هدى ربما أتعتكِ بما ليس فيكِ.. لكن تذكري دائماً أنكِ ابنة نادية.. وأنتِ من أخذتِ صفاء قلبها وطيبته..
ما تركته لكِ ليس مالاً فقط.. بل اسمكِ الحقيقي.. وحقكِ في أن تعيشي حياة لا يسيطر فيها أحد عليكِ..
سامحني يا حبيبتي.. وسامحينا جميعاً..
بكيتُ وأنا أقرأ الكلمات.. بكيت لأبي الذي رحل وتركني في دوامة الأكاذيب.. وبكيت لأمي التي كانت على بعد خطوات طوال عمري ولم أجرؤ يوماً على النظر إليها.
ندى اقتربت من نادية ونظرت إليها بفضول
أنتِ جدتي الحقيقية؟
نادية ابتسمت والدموع تملأ عيناها
نعم يا حبيبتي.. أنا جدتكِ.. وكنت أتمنى أكون معكِ من زمان.
في تلك اللحظة سمعنا صوت هاتفي يرن.. اسم أمي يلمع على الشاشة.. للمرة الأولى في حياتي ترددت في الإجابة.. ثم مددت يدي ورددت بصوت هادئ لم أعرفه من قبل
ألو.
صوتها جاء عالياً غاضباً
إيه اللي عملتيه ده يا داليا؟ الناس كلها سابتني وجاتلكِ.. قوليلي ليه تفضحيني كده قدام العيلة؟!
لم أصرخ.. لم أعاتب.. فقط قلت ببطء
أنا مش هتكلم في التليفون.. تعالي لبيتي..
كل الناس هنا.. ونقول كل حاجة في وش بعض.
وأغلقت الهاتف.
الجزء السادس
مرت نصف ساعة كأنها دهور.. لم يتكلم أحد.. الكل كان ينتظر.. حتى سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام الباب.. ثم خطوات سريعة غاضبة تقترب.. ثم دق الباب پعنف.
فتحتُ الباب بنفسي. وقفت هدى أمامي.. وجهها أحمر من الڠضب وعيناها تتقدان شراً
إيه الجنان اللي عملتيه ده؟ قلتيلي
تعالى ولما جيت لقيت الكل متجمع عشان تفضحيني!
دخلت دون أن تنتظر إذناً.. ونظرت لمن حولها ثم وقعت عيناها على نادية.. تجمدت مكانها وتغير لون وجهها تماماً
أنتِ.. إيه اللي جابكِ هنا؟!
نادية وقفت ببطء وقالت بصوت هادئ وصل لقلوب الجميع
جيت أقول الحقيقة يا هدى.. كفاية خداع.. كفاية 38 سنة والبنت تعيش في ظلام.
هدى ضحكت بصوت عالٍ مليء بالسخرية
حقيقة إيه اللي بتتكلمي عنها؟ دي بنتي! أنا اللي ربيتها! أنا اللي سهرت عليها! أنا اللي تعبت من أجلها!
أنتِ ربيتها؟! قالت نادية وهي تقترب منها خطوة واحدة فقط.. أنتِ اللي منعتها تعرف أمها! أنتِ اللي جعلتِ منها خادمة عندكِ طوال عمرها! أنتِ اللي شوهتي سمعتها عشان تضمني تبقى تحت سيطرتكِ!
التفتت هدى إليّ وكأنها تحاول استجدائي
داليا.. يا بنتي.. ما تصدقيش كلامها.. هي عاوزة تفرقنا.. عاوزة تاخدكِ مني.
نظرت لها بكل ما أوتيت من قوة وقلت
أنتِ اللي أخذتيني من نفسي يا هدى.. أنتِ اللي أخذتِ عمري وقلبي وحبي وخلتني أدفع تمن ذنب لم أرتكبه.
أخرجت وثيقة الميلاد ورسالة أبي ووضعتها على الطاولة
كل حاجة واضحة الآن.. أنا مش هطلب منكِ شيء.. مش هطلب مال ولا بيت.. بس أطلب حقي الوحيد.. أتعرف على أمي.. وأعيش حياتي باسمه الحقيقي.
هدى تراجعت خطوة.. نظرت في أعين الحاضرين.. وجدت في أعينهم جميعاً الإدراك.. لم يعد هناك من يصدق أكاذيبها.. لم يعد هناك مكان للهروب.
جلست على أقرب كرسي وكأن قواها خارت تماماً.. وبكت.. لا أعرف هل بكيت لخسارتها السيطرة عليّ.. أم لضمير استيقظ متأخراً جداً
عشت خاېفة طول عمري.. خاڤت أجي مكانها.. خاڤت أكون أقل منها.. فحبست كل حاجة.. وكنت كل ما أشوفكِ تكبري وتشبهيها.. كرهتكِ لأنك تذكريني بضعفي..
صمتت ثم أكملت بصوت متهدج
حاولت أحبكِ.. حاولت.. لكن الغيرة أكلت قلبي.. وسكت عن الحقيقة خوفاً من العاړ.. واليوم.. انكشف كل شيء.
نهضت ومسحت دموعها
أنا آسفة.. آسفة لو قدرتِ تغفري لي يوماً.. سأكون ممتنة لكِ.
خرجت من الباب ببطء.. لم أمنعها.. لم أتكلم.. كنت أشعر بثقل يرفع من صدري بعد عقود كاملة.
التفتُّ لنادية.. مدت لي يدها بتردد فأمسكتها بكلتا يدي.. دفء يديها انتشر فيّ.. أخيراً.. وجدت المكان الذي أنتمي إليه.
الجزء السابع
مرت الأيام التالية كحلم جميل طال انتظاره.. تقابلنا كثيراً.. تحدثنا ساعات وساعات.. عرفتني على عائلتي الحقيقية.. وجدت أخوالاً وأعماماً لم أكن أعرف بوجودهم.. وجدت امتداداً لي لم أشعر به من قبل.
ندى سرعان ما تعلقت بنادية.. كانت تجلس معها لساعات تستمع لحكايات الماضي.. كنت أشاهدهم وأبتسم والدموع تملأ عيني.. أخيراً ابنتي وجدت الجدة التي تحبها بصدق دون أن تزرع فيها بذور الكراهية.
أما هدى.. فلم أقطع صلتها تماماً.. بل أعطيتها مساحة لتبتعد وتفكر.. أرسلت لها رسالة قصيرة لستِ ملزمة بحبي فوراً.. لكنني لستُ ملكة أحد.. سأبقى هنا إذا أردتِ العودة بصدق.
بعد أسبوعين جاءتني في الصباح الباكر.. وقفت عند الباب بملابس بسيطة ووجه أصفى مما رأيته عليه منذ زمن
جيت أساعدكِ في تحضير الغداء.. إن سمحتي لي.
لم أتردد.. ابتسمت وفتحت لها الباب
أهلاً بكِ.
جلسنا في المطبخ معاً.. نادية كانت هناك أيضاً.. لم تكن المواجهة سهلة.. كانت هناك فجوات عميقة تحتاج وقتاً لتملأ.. لكن لأول مرة لم يكن هناك أكاذيب.. لا أقنعة.. لا خداع.
هدى كانت تقشر الخضار بصمت ثم قالت فجأة
أنا عارفة إن اللي عملته مش يتغفر بسهولة.. بس عاوزة أعوضكِ.. بأي طريقة.
قلت بهدوء
اللي عاوزاه مش تعويض يا هدى.. اللي عاوزاه صدق.. واحترام.. وإننا نبدأ من جديد بلا أسرار.
نادية أضافت برفق
البيت بيتك يا هدى.. والمكان هنا يتسع للجميع.. الماضي ماټ.. واللي باقي هو المستقبل.
في تلك اللحظة فهمت معنى الحب الحقيقي.. ليس أن نكون متشابهين.. ولا أن نكون على خطأ دائماً أو صواب.. بل أن نجرؤ على قول أنا أخطأت.. وأن نجرؤ على القول أنا أغفر لك.
وبعد شهور.. أقمنا عزومة كبيرة.. ليس في مطعم.. بل في بيتي.. اجتمعت العيلة بكل فروعها..
متابعة القراءة