رواية كاملة

لمحة نيوز

معاهم من غير مقاومة.. نورهان بصت لي لمرة أخيرة قبل ما تختفي ورا الباب، ونظراتها كانت مشحونة بمشاعر كتير ڠضب، ندم، استسلام، وسؤال لم يُجاب أبدًا ليه كده حصل؟
بقيت واقفة في وسط الشقة، المكان اللي كان مفروض يكون بيت سعيد مليان بالحب والذكريات، تحول لمسرح چريمة خططتها أقرب الناس للي كان يسكن فيه. مسحت دمعة نزلت من غير ما أحس، وقلت للمحامي كمال
عايزة أروح لابني.. عايزة أكون جنبه لما يفوق
أكيد يا مدام عفاف.. تعالي معايا رد بلطف الدكتور اتصل بيا وقال إن حالته مستقرة دلوقتي، وإن الأمل كبير في التحسن بسرعة
وصلنا المستشفى، ولما دخلت الغرفة.. شفته مستلقي على السرير، أجهزة كتير حوالين جسمه، وشاحنات في إيديه، بس وجهه كان هادي لأول مرة من زمان.. كأن كل الأعباء اللي كانت على كتفيه راحت أخيراً. قعدت جنبه ومسكت إيده الباردة، وقربت فمي من أذنه وقلت بهدوء
كل حاجة خلصت يا حبيبي.. هما راحوا.. وأنا معاك من دلوقتي لآخر العمر.. محدش هيقدر يأذيك تاني
ما عرفش هو سمعني ولا لا، بس إيده اللي في إيديّ اتحركت ببطء خفيف، وضغط على أصابعي بلمسة صغيرة.. كأنه بيقول لي أنا سمعتك يا أمي.. وأنا معاكِ كمان
الجزء الرابع
الأيام اللي جت كانت صعبة ومشحونة بالأحداث، بس كان فيها أمل ما فقدهش أبدًا. حازم بدأ يستجيب للعلاج تدريجيًا، والأطباء قالوا إن المادة السامة اللي دخلت لجسمه كانت في مرحلة مبكرة، وإن شاء الله مفيش مضاعفات دائمة. كل يوم كنت أجيله من الصبح لحد الليل، كنت أحكيله كل حاجة حصلت، أخبار التحقيقات، اعترافات هيثم، وكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة اللي كان لازم يعرفها.
أول ما فاق تمامًا، كانت نظراته لي مليانة حنان وندم في نفس الوقت
أنا آسف يا أمي.. كنت لازم أصدقك من الأول.. كنت بشوف كل حاجة بتتغير قدام عيني وما كنتش عايز أصدق إنها هي السبب.. حبيتها بجد يا أمي، وكنت فاكرها بتحبني زي ما بحبها
أنا عارفة يا حبيبي.. وأنا ما لومتكش أبدًا رديت ومسكت إيده بكل حنان الحب بيعمي العين أحيانًا، وبيخليك تصدق كل حاجة عشان تحافظ على اللي بتحبه.. المهم إنك رجعت لي بالسلامة
بدأت التحقيقات تاخد مجراها بسرعة، وظهرت تفاصيل تانية كانت مخفية.. نورهان ما كانتش لوحدها في البداية، كان معاها طرف تاني من خارج الأسرة، صديق ليها قديم كان بيدير لها العمليات المالية المشپوهة، واتضح إنهم كانوا بيخططوا للهرب للخارج بكل الأموال لو نجحت الخطة. هيثم اعترف بكل حاجة واتفاق مع النيابة على الإدلاء بكل ما يعرفه مقابل تخفيف العقۏبة، واتضح إنه كان مكره في مواضع كتير، وإن نورهان كانت المخططة والمحركة لكل حاجة.
الخزنة القديمة اللي كانت عندي في البيت فتحتها في وجود المحامي، ولقيت فيها كل ما قال عنه حازم مستندات تثبت عمليات السړقة والتحويل، تسجيلات صوتية لمكالمات بين نورهان والشريك التاني، ودفاتر حسابات كانت محفوظة بدقة تثبت إنها بدأت تسرق من أول سنة زواجهم. كل حاجة كانت مرتبة ومؤرخة، وكل ورقة كانت بتقول قصة ألم وحذر عميق عاشه ابني في صمت طويل.
يوم ما خرج حازم من المستشفى، كان الجو جميل والشمس مشرقة، ركنا العربية مع بعض ورجعنا على بيتي القديم اللي نشأ فيه، البيت اللي كان مليان بالذكريات الحقيقية والصادقة. قررنا نعيش مع بعض فترة لحد ما يتعافى تمامًا، والشركة بتاعتو تترتب من جديد.
عايزة نروح على الشقة؟ سألني في يوم عايزة تشوفي اللي باقي من حاجاتك؟
مش عارفة يا حازم.. المكان ده بيجلي بۏجع كبير رديت بصدق بس لازم أواجهه، صح؟
أيوه.. لازم نواجهه وافق بجدية مش هنسمح لهم يخوفونا من أماكننا كمان
صعدنا للشقة مع
المحامي كمال عشان نستلم المكان رسميًا. الباب اتفتح، ودخلنا الصالة اللي كانت مليانة بالحياة يومًا ما، والآن كانت هادية ومظلمة. بدأنا نجمع الحاجات، كل صورة، كل قطعة أثاث، كل ورقة.. وكل ما وجدنا حاجة تخص نورهان، حطناها في صندوق منفصل عشان تتسلم للجهات المختصة. في درج مخفي، وجدت دفترًا قديمًا بخط نورهان.. كنت مترددة أقراه، بس حازم قال لي
اقرأيه يا أمي.. لازم نعرف كل حاجة عشان نقدر نمشي من غير أعباء
فتحت الدفتر وبدأت أقرأ.. لم تكن مذكرات عادية، كانت سجلًا لرحلة طمع بدأت من أول يوم عرفت فيه حازم
اليوم شفت حازم.. كل اللي بنات يتمناه، غني، محترم، وسيم.. لازم يكون لي.. مهما كان الثمن
أمه مزعجة، بتدخل في كل حاجة.. لازم أبعدها عنه خطوة بخطوة.. هخليه يثق فيّ بس فيّ
بدأت أخذ من الشركة شوية.. محدش حاسس.. كل شهر بيزيد المبلغ.. هكمل لحد ما أكون أمنت مستقبلي
هو بدأ يشك.. لازم أسرع.. الخطة جاهزة.. المادة وصلت.. والباقي مجرد وقت
وآخر كلام كتبته قبل الحاډثة بيوم
الخلاص قريب.. كل حاجة هتبقى لي.. ولن يقدر أحد يوقفني.. لا هو ولا أمه ولا أي حد
سكتّ وأنا قارئة الكلام، وشعرت بۏجع عميق.. كانت تعيش في عالمها الخاص، كل الناس أعداءها، وكل حب مجرد وسيلة للوصول لغايتها. حازم أخذ الدفتر من إيديّ وقال بهدوء
كانت مسكينة في الحقيقة.. عمرها ما عرفت معنى الحب الحقيقي.. كانت فاكرة إن الحياة كلها فلوس وسلطة.. ربنا يهديها ويصحح بالها
أنت بتسامحها؟ سألت بدهشة.
مش سامحها على اللي عملته يا أمي.. ده مش حقيقي.. بس مش هحمل قلبي بكره وڠضب طول عمري.. ده هيرجع لي أنا بالضرر أكتر منها.. اللي حصل حصل، وكل واحد خد جزاءه
مرت الشهور، وحازم بدأ يستعيد نشاطه وحيويته بالكامل. أعاد فتح الشركة وبدأ ببنائها من جديد، بس هذه المرة بفريق كامل من الأمناء اللي يثق فيهم. كنت أشوفه كل يوم وهو أقوى وأسعد من اللي قبل، وكل ما بيشوفني بيبتسم ويقول
كل ما وصلت لنجاح جديد، بفضلكِ أنتِ يا أمي.. لو ما كنتشِ قفتي جنبي، ما كنتش وصلت لهنا
أنا ما عملتش غير واجبي يا حبيبي.. أنا اللي جبتك للدنيا، وأنا اللي لازم أحميك لآخر يوم في عمري
في يوم دافئ من أيام الربيع، كنا قاعدين في حديقة البيت القديم، وحازم مسك إيديّ وقال لي بجدية
عايزك تعرفي حاجة.. طول الفترة اللي فاتت، كنت بفكر كتير في معنى الأهل.. عرفت إن الأهل مش بس اللي من دمك.. الأهل اللي بيقفوا جنبك في وقت الشدة، اللي ما يتخلوش عنك لما الكل يبعد، اللي بيحبوك بصدق مهما حصل.. وأنتِ أهلي كلهم يا أمي
دموعي نزلت من غير ما أشعر، بس كانت دموع سعادة هذه المرة.. ربنا رد لي ابني، وكمان رد لي ثقته وحبه واحترامه اللي كنت خاېفة أفقده للأبد.
القضية استمرت في المحاكم لشهور طويلة، وفي النهاية صدر الحكم النهائي نورهان حُكم عليها بالسجن مدى الحياة، والشريك التاني اتقبض عليه وحُكم عليه بعقۏبة مماثلة، وأما هيثم فبسبب اعترافاته وتعاونه الكامل مع الجهات المختصة، خففت العقۏبة وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات.
حازم قرر يزور هيثم في السچن قبل ما تنقل للعقۏبة
لما شفته، لقيتة تغير كتير.. شعره ابيض، ووشه باهت حكالي بعد الرجوع قال لي إنه نادم على كل دقيقة مرت، وإن الندم بيأكل قلبه كل يوم.. طلب مني أسامحه، وقال إنه ما كان عايز يأذيني أبدًا
وأنتِ سامحته؟ سألت بهدوء.
قلت له إني ما أقدرش أقول له سامحتك بالكامل.. بس قلت له إني مش هحمل له كره، وإن ده درس عمره ما ينساه.. وكل واحد يتحمل نتيجة اختياراته
كان قرارًا صعبًا، بس كان القرار الصحيح.. الڠضب والكره ما بيجيبوش غير الهلاك، وكل واحد لازم يدفع تمن أفعاله بنفسه.
الجزء الخامس
السنين مرت بسلام وهدوء، وحازم أصبح اسمه لامعًا في عالم الأعمال، مش بس لنجاحاته، كمان لعدله وإحسانه. أسس مشاريع كتير وظّف فيها شبابًا من مختلف الخلفيات، وقدم مساعدات لجمعيات خيرية كتير، وكل ما سألته عن سبب هذا الكرم الكبير كان يجاوبني بابتسامة
الدنيا خدت مني كتير في فترة، وأنا عايز أرد الجميل للناس اللي بتحتاج.. عايز أكون سبب في سعادة ناس تانية، عشان ما يحسوا بالوحدة اللي حسيت بيها
وبينما هو بيبني مستقبله، كنت أنا بشوفه بيقرب من فتاة عمل معاها في الشركة، اسمها سلمى.. كانت بنت طيبة القلب، ذكية، ومخلصة لحد كبير. لاحظت الاهتمام المتبادل بينهم، وكنت سعيدة جدًا، بس ما تدخلتش أبدًا، تركت الحب يأخذ مجراه بحرية زي ما كان لازم يكون من الأول.
في مساء جميل، جالي حازم ووشه مشرق بالسعادة اللي طالما تمنيتها أشوفها عليه
أمي.. سلمى وافقت نتجوز.. عايزكِ تكوني أول واحدة
تم نسخ الرابط