رواية كاملة
ورجل غريب في الستينات بملامح حازمة وهادئة.
أريدكِ أن تتعرّفي على الدكتور مجدى رئيس قسم الطب الشرعي والوراثي قال المدير لديه ما قد يفاجئكِ جداً.
جلست ملك بقلق
فيه مشكلة بخصوص الحالة؟
أبداً.. الحالة ممتازة ونوران تتحسّن بسرعة ردّ الدكتور مجدى بهدوء لكن خلال مراجعة الملفات لغرض التكريم، لاحظنا تطابقاً غريباً في فصائل الدم والصفات الوراثية بينكِ وبين نوران.. فأجرينا فحصاً إضافياً دون إخبار أحد.
قلب ملك خفق بسرعة
يعني إيه؟
أنتِ خالتها.. بل أكثر من ذلك.. أنتِ شقيقتها بالدم.
الكلام ده طار بملك من مكانها.. شقيقتها؟!
مستحيل.. أنا يتيمة يا دكتور.. ما عندي إخوة ولا أخوات!
أعرف إنّكِ نشأتِ في دار أيتام منذ سن الرابعة قال الدكتور مجدى برفق والداكِ توفّيا في حادثة، واعتُبر أنّكِ الوحيدة.. لكن الحقيقة إنّ والدتك كانت حاملاً في توأم.. لم يُعرف أحد بوجود الطفلة الثانية لأنّها وُلدت بوزن ضئيل جداً وتمّ تبنيها بسرعة من عائلة وفاء وكمال دون ذكر تفاصيل الولادة في السجلات العامة.. لظروف خاصة.
دموع ملك نزلت بلا سيطرة.. كل شيء اتضح فجأة.. الحدس اللي خلاها لا تترك نوران.. الشعور الغريب إنّها تعرفها من قبل.. الرغبة في حمايتها بأي ثمن.. لم يكن مجرد شعور.. كان نداء الدم!
يعني.. نوران أختي التوأم؟ همست بصوت مكسور.
نعم.. انفصلتما في الولادة، وكل واحدة منكما عاشت في مكان مختلف، دون أن تعرف الأخرى.. حتى التقيتما هنا، في هذا المستشفى، في اللحظة الأخيرة الممكنة.
خرجت ملك من المكتب وما عرفتش تمشي.. حطّت راسها على الحائط وبكت بكل قلبها.. كل السنين اللي حست فيها بالوحدة، بالغربة، بإنّها وحيدة في الدنيا.. اتضح إنّه كان عندها شريكة حياة، توأم روحها، ما كانت تعرف بوجودها!
اتصلت بوفاء في نفس اليوم.. التقتا في بيتها، وقالت لها كل شيء. وفاء احتضنتها وبكت معاها
كنتِ دايماً أقول إنّ فيه سبب غريب لقاؤنا.. الحمد لله اللي جمعكم.
من ذلك اليوم، صارت ملك جزءاً من حياتهم.. تزور نوران كل يوم، تتابع معها جلسات العلاج الطبيعي، وتجلس معها لساعات تحكيان وتسمعان كأنّهما تعوّضان سنين البعد كلها.
نوران كانت فرحتها لا تُوصف
يعني أنتِ أختي الكبيرة؟.. كنتِ معايا طول الوقت من غير ما أعرف!
كنت قريبة منكِ دائماً يا حبيبتي.. وكنتِ بتجذبيني ليكِ بكل قلبك ردّت ملك وهي تضمّها.
مرّ شهر.. نوران بدأت تمشي بخطوات بطيئة، ثم أسرع، ثم ركضت في الحديقة أمام ملك وهي تضحك من كل قلبها.. رجعت زي ما كانت، وأحسن!
وفي يوم من الأيام، جلستا مع بعض على مقعد في حديقة المستشفى
تعرفي يا نوران.. لو كنتِ بقيتِ وحيدة في العملية.. كنتِ خفت قالت ملك بصدق.
أنا ما كنتش وحيدة ردّت نوران بابتسامة لامعة كنت حاسة إنّ حد قريب مني بيحميني.. وطلعتي أنتِ!
الحكاية اتعرفت في المستشفى، ثم في المدينة كلها.. الممرضة الشابة اللي أنقذت أختها التوأم اللي ما كانت تعرف بوجودها في اللحظة الحرجة. الناس كانت بتقول إنّها معجزة.. وملك كانت تعرف إنّه حب أخويّ قويّ بما يكفي ليعبر الحواجز والسنين.
الجزء الخامس الجزء التاسع
بعد سنة بالظبط من ذلك اليوم، أقيم حفل كبير في المستشفى لتكريم ملك.. كانت تقف على المنصة بثوبها الأبيض، وبجانبها نوران تمسك إيدها بكل فخر.
قال الدكتور سامح في كلمته
الطب يعتمد على العلم والخبرة.. لكن أحياناً يتدخل شيء أقوى من كل ذلك.. غريزة الحب والانتماء. ملك لم تنقذ مريضة عادية.. لقد أنقذت جزءاً من روحها.
بعد التكريم، وقفت ملك وشفت الناس تبارك لها.. ورأت في الزاوية رجلاً وامرأة يراقبانها بدموع في أعينهما. اقتربت منهما بدهشة.. الرجل كان يحمل صورة قديمة لشابة تشبهها جداً.
ملك.. بنتي قال الرجل بصوت مرتجف أنا خالك.. كنا نبحث عنكِ من سنين.
اتضح إنّ أقارب والدتها لم يستسلموا أبداً.. ظلّوا يبحثون عنها، وعن الطفلة الثانية التي عرفوا بوجودها مؤخراً.. والآن وجدوهما معاً.
بدأت مرحلة جديدة.. تعرفت ملك على عائلتها الحقيقية، وجدت أهلها اللي فكرتهم خسرتهم للأبد، وصارت بينها وبين نوران رابطة أقوى من أي شيء في الدنيا. عاشتا معاً في بيت واحد، تكملان معاً ما انقطع من طفولتهما.
وفي يوم من الأيام، سألت نوران ملك
لو رجع الزمن لورا.. تعملي نفس الشيء تاني؟
أكثر من ذلك ردّت ملك بكل يقين كنتِ سأعرفكِ من أول نظرة.
وأنا كنتِ حاسة إنّكِ قريبة مني.. كأنّنا كنا مع بعض قبل ما نولد.
كبرت نوران واختارت هي الأخرى أن تكون ممرضة.. قالت دائماً أريد أن أنقذ أحداً كما أنقذتني أختي. وملك ظلت تعمل بكل تفانٍ، تعلم كل ممرضة جديدة أنّ المريض ليس مجرد رقم في ملف، بل إنسان يحتاج لمن يسمعه ويصدقه.
ذات ليلة، جلستا مع بعض على السطح تشوفان النجوم
تعرفي يا ملك.. كنت خايفة جداً يوم العملية قالت نوران بصوت هادئ.
أنا كمان كنت خايفة اعترفت ملك بس كنت واثقة إنّ ربنا ما جمعنا عبثاً.
أحبكِ يا أختي
وأنا بحبكِ يا توأم روحي.
الجزء السادس الجزء العاشر
مرت السنين.. نوران أصبحت ممرضة ماهرة، تعمل بنفس روح ملك.. حنونة، يقظة، لا تترك تفصيلة صغيرة تمرّ دون أن تسأل عنها. وملك ترقّت لتصبح رئيسة قسم التمريض، وما نسَت أبداً الدرس الأول والأهمّ
استمع للذي يتألم.. فالصدق غالباً ما يخرج من أفواه من لا يُصدّقهم أحد.
كانت كل واحدة منهما تكمل الأخرى.. ما انفصلتا أبداً، وكانتا تقولان دائماً فقدنا بعضاً سنين طويلة، فلا نضيع يوماً واحداً تاني بعيداً.
وفي كل عام، في ذكرى لقائهما، تزوران المستشفى وتقفان عند نفس السرير الذي التقتا بجانبه لأول مرة.. لا لتحكيا قصّة بطولة، بل لتقولا لكل من يسمع
لا تتسرّعوا في إبعاد أحد.. فالذي يبدو زائداً عن الحاجة قد يكون في الحقيقة ما تبحثون عنه طوال حياتكم.
وعاشتا سعيدتين، تحيط بهما عائلتهما، وتعطيان الحبّ الذي حُرمتا منه في الصغر لكل من يحتاج إليه.
وحتى اليوم، لو سألت أحداً في المستشفى عن قصّة الممرضة والتوأم، بيقولولك بابتسامة
ده ليس مجرد صدفة.. ده قدر جمع قلبين تعبا من الوحدة، فصارا قلباً واحداً لا ينفصل أبداً.
تمت بحمد الله