رواية كاملة

لمحة نيوز


فعلاً؟ لو ما لاحظت الفرق في الحرارة.. لو سلمتهم ورقة الخروج ومشيت.. كانوا وصلوا البيت ودمّ الرجل يكون توقّف تماماً، وما كانش فيه فرصة إنقاذ أبداً!
بعد دقائق بدت كده كأنّها ساعات، دخل الدكتور سامح استشاري جراحة الأوعية الدموية.. راجل في أواخر الخمسينات، وجهه حازم، عيناه حادّة، وكل خطوة محسوبة. سمع التقرير بتركيز تام، ثم اقترب من السرير، وبدون أي كلام زائد، بدأ الفحص بنفسه. لمس القدمين، قاس النبض بالجهاز، طلب من نوران تحريك الرجل ببطء.. وفي كل مرّة كانت تحاول تفردّها شوية، كان الجهاز يظهر توقف التدفق بوضوح تام.
ممتاز.. جداً قال أخيراً بصوت ثقيل أنتِ عملتي حاجة كبيرة يا ممرضة ملك.. لو تأخّرنا ساعة تانية، كنا نتكلّم عن بتر لا مفرّ منه.
الكلام ده نزل عليهم زي صاعقة.. وفاء غطّت وشها وبدأت تبكي بصمت، وملك حست برعشة قوية تسيطر على جسدها.. كانت تعرف إنّ الخطر حقيقي، بس ما توقّعتش إنّه بهذا الحجم.
إذن إيه السبب يا دكتور؟ سأل الدكتور عمر بتركيز ما ظهرش شيء في الأشعة العادية.. لا كسر ولا ورم ظاهر.
بالظبط.. المشكلة مش في العظام ولا في الأنسجة الظاهرة ردّ الدكتور سامح وهو يشير إلى منطقة خلف الركبة هنا فيه تضيّق مفاجئ في الشريان.. وبيحصل لما الرجل تتنى يرتاح، ولما تتفردّ ينسدّ تماماً. محتاجين أشعة مقطعية بدقّة عالية فوراً عشان نعرف إيه اللي بيضغط عليه.
نُقلت نوران لقسم الأشعة.. ملك مشيت وراها معاهم، رغم إنّ ما كانش مطلوب منها تتابع، بس ما قدرتش تبعد. كانت حاسة إنّ المسؤولية دي مسؤوليتها هي كمان.
الأشعة كشفت عن شيء غريب جداً.. خلف الركبة، بين العضلات والعظام، كان هناك كتلة صغيرة جداً مش متوقعة، ما كانت تظهر في الفحوصات العادية، وبتضغط مباشرة على الشريان الرئيسي. وكل ما تغيّرت وضعية الرجل، تغيّرت درجة الضغط.. ولهذا اختفى النبض تماماً لما كانت تفردّها.
إيه دي؟ سألت وفاء وهي بتشوف الصور بيد مرتجفة ورم؟
مش بالضرورة ورم يا مدام ردّ الدكتور سامح بهدوء ممكن تكون كتلة دموية ناتجة عن الصدمة، ممكن تكون تجمّع نسيج، أو حتى جزء من العظام نزح مكانه.. محتاجين نخرجها ونفحصها عشان نتأكد. والعمليّة لازم تتم الحين.
تجهيزات غرفة العمليات تمّت في دقائق.. قبل ما تودّع نوران، مسكت إيد ملك وقالت بضعف
ما تسيبونيش.. عايزة أخرج سليمة.
هتخرجي سليمة يا نوران.. وعد مني ردّت ملك وهي بتضغط على إيد الصغيرة انتظركِ برة بكل حب.
الباب اتقفل وراها.. وملك وفاء بقيا وحيدتين في الطرقة الطويلة الباردة.. الساعات اللي جت كانت الأصعب في حياتيهما.

الجزء الثالث الجزء السابع
الساعة تلاتة ونصف بعد الظهر.. نوران دخلت غرفة العمليات، وما كانش معروف متى تخرج. ملك ووفاء قعدتا جنب بعض على المقعد الطويل في انتظار الإشارة الخضراء. ما كانش بينهما كلام كثير.. بس وجودهما جنب بعض كان في حد ذاته عزاء.
وفاء كانت الأكثر تضرّراً.. كل شويّة تقوم تمشي وتجي، تتصل بزوجها اللي كان جاي من المحافظة التانية بسرعة جنونية، ثم ترجع تقعد تاني وعيناها على باب الغرفة.
كنت فاكرة إنّها مجرد كدمة.. كانت بتلعب كورة زي كل يوم.. قالتلي رجلي بتوجعني قلت لها طبيعي قالت وفاء بصوت متهدج لو كنت عرفت.. لو كنت خدتها من أول يوم..
ملك مسكت إيدها بكل رفق
ما تلمّي نفسك باللوم يا مدام وفاء.. حتى الدكاترة اللي كشفوا عليها ما لاحظوا ده. حصل خير، والعملية جارية الآن.
بس إنتِ لاحظتي.. إزاي؟ التفتت لها الأم بدهشة إنتِ لسه جديدة في الشغل.. ومع ذلك شفتي ما شافوه الستّة؟
ملك ابتسمت بمرارة
يمكن لأنّي كنت بشوف نوران مش مجرد مريضة.. كنت بشوفها بنت بتتألم ومحدش صدّقها. وكنت أتمنى لو حد صدّقني في يوم زي ما صدّقتها.
سكتت ملك فجأة.. ما كانت تنوي تقول الكلام ده، بس كلماتها خرجت لوحدها. وفاء ضمّت إيدها بأكبر حنان ممكن
ربّا يبعثكِ في الوقت المناسب يا بنتي.. إنتِ ملاك نزل لنا من السماء.
بعد حوالي ساعتين ونصف، جاء الدكتور سامح لهم.. وجهه مرهق، ملابسه معطّرة برائحة التعقيم، وما كانش بيدلّ عليه أي تعبير واضح. قلب ملك اتوقف..
طمنّا يا دكتور.. أرجوك! قالت وفاء وهي تقف بسرعة.
الدكتور تنهد بعمق، ثم ابتسم ابتسامة تعب فيها فرح حقيقي
نجحت العملية.. الحمد لله.
الصعدة خرجت من صدر وفاء بصوت عالٍ، وسقطت على المقعد باكية من الفرح. ملك حست بدموعها تنزل لوحدها.. نجحت!
إيه اللي وجدتوه بالظبط؟ سألت ملك بتركيز.
لم نجد ورماً ولا شيء خبيث قال الدكتور سامح وهو يجلس جنبهما كان هناك تجمّع دموي صغير جداً في مكان عميق، ناتج عن الصدمة.. نزف ببطء شديد خلف الركبة، وكل ما تجمّع دم زاد، ضغط على الشريان تدريجياً لحد ما صار ينسدّ وقت تفرد الرجل. الحمد لله استطعنا إزالته بالكامل، وإعادة مجرى الدم لطبيعته.
يعني رجلها سليمة؟ مش هتحتاج بتر؟ سألت الأم بلهفة.
بإذن الله سليمة تماماً.. بس محتاجة رعاية وعلاج طبيعي مكثّف فترة.. شهر، ممكن شهرين، وترجع تمشي وتلعب زي ما كانت.
كلمات الدكتور كانت زي الماء البارد على قلب محترق.. نوران بخير! خرجت من العملية سالمة!
لما سمحوا لهن بدخول الغرفة، كانت نوران مستيقظة، عيناها نصف مفتوحتان، وشها شاحب بس ابتسامة ضعيفة ظهرت على شفتيها لما شافت ملك
أبلة ملك.. أنا بخير!
أنتِ بخير يا روحي ردّت ملك وهي تقبّل جبينها قلتلكِ هنخرج من هنا سليمين.
مرّ يومان.. نوران تتحسّن بسرعة، النبض رجع قوياً في الرجلين، والألم بدأ يخفّ تدريجياً. في اليوم الثالث، جال الدكتور عمر لزيارتها.. وقف بجانب السرير، وتوجّه لملك بصوت مليان احترام واعتذار
أريد أن أعتذر منكِ يا ملك.. شككت في ملاحظاتك، واستعجلت في قرار الخروج. أنقذتِ حياة الطفلة.. وأعتذر منكِ شخصياً على شكي في كفاءتك.
ملك ابتسمت بكل هدوء
شكراً يا دكتور عمر.. المهم نوران بخير.
سأكتب تقريراً رسمياً يثبت دوركِ بالكامل.. وتكريمكِ على ذلك.
في اليوم اللي قرّروا فيه الخروج، جاءت وفاء ومعها زوجها كمال.. راجل بسيط، كريم، عيناه مليانتان بالدموع وهو يمسك إيد ملك
ما نعرفش نشكركِ إزاي يا بنتي.. إنتِ سبب إنّ بنتنا تكون معانا النهاردة. لو في حاجة نقدر نعملها لكي.. أي حاجة..
كفاية عليّ إنّ نوران بخير ردّت ملك بصدق ده مكافأة الدنيا كلها بالنسبة لي.
ودّعوها.. وملك وقفت تشوفهم يخرجوا مع بعض، نوران بينهم بتلوّح بيدها الصغيرة المضمومة.. ورجعت لقسمها تحمل شعوراً لم تحسّه من قبل.. قيمة عملها الحقيقية.
بس الحكاية ما خلصت هنا.. فبعد أيام، وفي جلسة استماع في المستشفى، اكتشفت ملك سراً غريباً.. السبب الحقيقي وراء إصرارها على فحص نوران، اللي كان أقرب لحدس قلبي منها لمعرفة طبي بحت.. وسرّ ربط بينها وبين الطفلة بصلب الدم والروح.

الجزء الرابع الجزء الثامن
بعد أسبوع من خروج نوران، استدعيت ملك لمكتب مدير المستشفى.. كانت متوقعة التكريم، بس ما توقعتش اللي سمعته.
المدير الدكتور جلال رحّب بها باحترام بالغ، وبجانبه الدكتور سامح والدكتور عمر،
 

تم نسخ الرابط