رواية كاملة
وبكيت، وقالت لي يا ميا.. الخدامة اللي كانت قبلي هنا من 5 سنين، سارة، سمعت نفس الخبط ودورت ورا الحيطة.. وتاني يوم اختفت وما حدش شافها تاني! وأستاذ دوكا ما يعرفش حاجة، فإياكي تتكلي أو تقربي!
دوكا عيونه اتسعت بصدمة مرعبة!
سارة؟!
افتكرها فوراً! كانت الخادمة الشابة اللي اختفت فجأة من القصر من 5 سنين، وشرطة المدينة وقتها قالت إنها سابت الشغل وهربت مع خطيبها، وأقفلت القضية على كده! هل يعقل إن سارة ما هربتش؟! هل يعقل إنها محبوسة أو مدفونة ورا الجدار ده بقالها سنين؟!
وقبل ما يلحق يحلل الأفكار اللي بتطحن في دماغه..
صوت الخبط رجع تاني!
دق.. دق.. دق..
المرة دي كان الخبط أقوى وأسرع، ووراه صدى صوت أنين بشري مكتوم، يخرج من فتحة ضيقة جداً مستخبية ورا أرفف الكتب
م.. مساعدة.. المية خلصت.. أنقذوني..
الصوت كان ضعيف جداً، بحة صوت إنسان بيصارع الموت وبيموت بالبطيء!
دوكا اتفض من مكانه. النخوة والشهامة والذهول خلوا الخوف يتحول لغضب جارف. زق ميا بالراحة ورا ضهره
ميا.. ارجعي لورا وادخلي تحت المكتب الضخم ده وافضلي هناك مع أختك، إياكي تخرجي مهما حصل!
ميا هربت بسرعة واستخبت تحت المكتب الخشبي الثقيل، ضامة أختها الرضيعة لصدها وتدعي في سرها.
دوكا قرب من المكتبة. مسك الرف اللي فيه الكتاب القديم، وبدأت أصابعه تتفحص الخشب العتيق. لاحظ إن فيه حز صغير جداً غائر في الحافة السفلية للرف الثالث. مسك الكتاب القديم وزقه لجوة بكل قوته..
تكتكة ميكانيكية ثقيلة..
فجأة، الأرفف الضخمة اللي شايلا مئات الكتب اتحركت من مكانها ببطء وصوت احتكاك خشب قديم، واتفتحت كأنها باب سري بيؤدي لممر مظلم وبارد جداً نازل لأسفل الجدار!
ريحة رطوبة وعفن وعرق قديم خرجت من الممر المظلم، خلت دوكا يرجع خطوة لورا ويكتم نفسه.
سحب دوكا تليفونه المحمول، وشغل كشاف الضوء القوي، وخطى أول خطوة جوة الممر السري وهو ماسك تمثال نحاسي ثقيل من على مكتبه كأداة للدفاع عن النفس.
نزل 12 درجة سلم حجري ضيق.. الضوء كان بيكشف عن حيطان حجرية قديمة مليانة بشرانات وعنكبوت. وفي نهاية الممر، كانت فيه أوضة صغيرة جداً مربعة، مسدودة ببوابة حديدية تصديت من الزمن ومقفولة بقفل إلكتروني حديث جداً يبان عليه إنه جديد!
جوة القفص الحديدي الضيق ده.. كان فيه سرير صلب، وقاعدة مية مكسورة..
وفوق السرير.. كانت قاعدة ست هزيلة جداً، شعرها أبيض ومتبهدل، ملابسها ممزقة، وجسمها عبارة عن جلد على عظم!
أول ما ضوء التليفون جه على وشها، غطت عينيها بإيديها المرتعشة وصصرخت بصوت مبحوح ضعيف
لا.. لا تضربنيش تاني يا ماركوس! والله العظيم مش هحكي لحد! ما تضربنيش!
دوكا اتجمد مكانه والدم اتصفى من وشه بالكامل!
ماركوس؟!
ماركوس ده يبقى مدير أعماله الخاص، ونسيبه أخو مراته المتوفية، والرجل اللي مسكه كل صغيرة وكبيرة في القصر والشركات بقاله 7 سنين!
دوكا قرب من البوابة الحديدية وبص للست بذهول ورعب
إنتِ.. إنتِ مين؟! وإيه اللي جابك هنا؟!
الست رفعت رأسها بالراحة، ولما شافت وش دوكا تحت الضوء، عينيها اتسعت بدموع وانهمرت في البكاء الهستيري
أستاذ دوكا؟! إنت بجد؟! ولا أنا بحلم زي كل ليلة؟!
إنتِ مين؟! صرخ دوكا بصوت مرتجف.
أنا سارة.. الخدامة القديمة يا بيه! أنا سارة اللي ماركوس حبسني هنا من 5 سنين لما كشفته بالصدفة وهو بيسرق أوراق الخزنة وبيزوّر توقيعك على تنازلات الأملاك والملايين باسمه!
الصدمة كانت أكبر من قدرة استيعابه!
سارة كملت وهي بتعيط بحرقة وتترعش
سارة شافته وهو بيحط الأوراق المزوّرة في الخزنة السرية، ولما حس بيا، ضربني على راسي وسحلني للممر ده! القصر ده فيه ممر سري قديم أجدادك بانو من أيام الحرب، وماركوس كان عارفه.. حبسني هنا بقالي 5 سنين! كان بييجي كل أسبوعين يحط لي عيش ناشف ومية قذرة عشان ما أموتش، ويقفل الباب عشان ما أكشفش سرقته وتحويلاته لشركاته الأوفشور في الخارج!
دوكا كان بيسمع الكلام وجسمه كله بيقشعر من القرف والغضب! نسيبه ومدير أعماله، الراجل اللي بيأكله معاه على ترابيزة واحدة وبيأتمنه على حلاله، يحبس إنسانه في جحر ضلمة 5 سنين كاملين عشان يحمي سرقته؟!
وسارة.. جريس الخدامة الحالية، كانت عارفة؟ سأل دوكا بصوت مبحوح.
سارة هزت رأسها بالرفض لأ يا بيه.. جريس ما كانتش عارفة حاجة، بس ماركوس كان دايماً بيهدد الخدم الجداد ومفهمهم إن فيه عفاريت في الجناح ده، وأي حد يدور أو يسأل عن الخدامة القديمة سارة هيرميه في الشارع أو يلفق له تهمة سرقة! جريس خافت على بناتها وعلى أكل عيشها، عشان كده كانت بتحذر بنتها الصغير ميا إنها تقرب!
في اللحظة دي بالضبط..
سمع دوكا صوت خطوات ثقيلة جاية من السلم الخلفي للمكتب فوق!
خطوات جزمة فاخرة تتجه بسرعة نحو الممر المفتوح!
دوكا لقط المكان بسرعة.. سحب سارة لورا حيطة الممر، وطفى كشاف التليفون، ووقف في الضلمة المطبقة ورا باب السلم الحجري، ماسك التمثال النحاسي بإيدين زي الحديد.
ظهر ضوء كشاف تليفون ثاني جاي من السلم..
ودخل ماركوس!
ماركوس كان لابس بدلته الأنيقة، وشايل في إيده شنطة سوداء صغيرة وأكل معلب، وكان بيتحرك بسرعة وتوتر. أول ما شاف الباب الخشبي الميكانيكي مفتوح، وشها أصفر وقطع الدم!
مين هنا؟! صرخ ماركوس وهو بيسحب مسدس صغير من جيبه الداخلي سارة؟! مين فتح الباب؟!
خطى ماركوس خطوتين جوة الممر المظلم وهو بيرفع