رواية كاملة

لمحة نيوز


ما لقيت الورقة وقالولي الحقيقة.. خفت أجي.. خفت ما تقبليني..
مستحيل ما أقبلك يا روحي.. أنا اللي مفقودك 18 سنة.. أنا اللي المفروض أعتذرلك!
قعدنا جنب بعض قدام النافذة، وبدأت أحكي له وهو يحكي لي.. حكيتله عن الأيام الأولى، عن الخوف عليه، عن الفرحة لما رجع البيت، والصدمة لما قالوا إنه مات.. وهو حكى لي عن حياته مع العيلة اللي ربته، عن شعوره بالغربة رغم حبهم له، عن البحث عن أصله لحد ما كشف الحقيقة، وعن الخوف من القدوم إلينا!
تيتا كانت بتبعث فلوس كل فترة.. قالولي إنها عمتي.. وآخر مرة جات، سمعتها بتتكلم في التليفون وقالت لو عرف هيمسح بنا الأرض.. عرفت إن في سر.. وبعد ما كملت 18 سنة، قررت أعرف كل حاجة!
مسكت إيده وقبلتها الحمد لله إنك عرفت.. الحمد لله إنك جيت.. من النهاردة ما حدش يقدر يفرق بيننا تاني!
بقينا كده وقت طويل، والشمس غابت والدنيا اتضلمت.. أخيراً قلت له
لازم نرجع البيت.. إخواتك لازم يعرفوا.. وأبوك كمان.. الكل مستنيك!
بس خايف.. قال بقلق. خايفهم ما يتقبلوني..
إخواتك توأمك يا ريان.. الدم ما يصبح مية.. هيتقبلك وبيحبوك.. وأنا معاك طول الوقت!
ركبنا العربية مع بعض، وكنت حاسة إن كل خطوة بتقربني من بيتي هي خطوة نحو حياة جديدة.. مش عارفة كيف رد فعلهم تكون، بس عارفة إن الحق ظهر والعدالة بدأت تتحقق!

الجزء الخامس العاصفة تدخل البيت والحق يُعلن
لما وصلنا البيت، كان الهدوء مخيم، بس لما دخلنا، الكل التفت ناحيتنا.. زوجي قام بسرعة، والولاد بصوا بدهشة لريان اللي واقف جنبي متوتر
مين ده يا أمي؟ سأل أكبرهم بدهشة.
أخذت نفس عميق وقلت بصوت واضح
ده أخوكم.. ريان..
الصمت ملأ المكان.. نظرات الدهشة انتقلت بينهم.. زوجي تقدم خطوة ريان؟.. إزاي؟ الدكتور قال..
الدكتور كذب.. أمي اتفقت معاه يقول كده.. وابعته بعيد عنا.. حكيت كل حاجة بسرعة، وأنا بحاول أتمالك نفسي. ريان عايش.. ورجع لينا..
أمي كانت واقفة في مدخل الصالة، شفت ريان واتلاشت ملامحها، وسندت على الحيطة عشان ما تقع.. ريان بص لها ببرود
تيتا..
يا بني.. قالت بصوت ضعيف. سامحني.. كنت فاكرة إني بعمل خير..
الخير ما بيتعمل بالكذب والفرقة يا تيتا.. رد ريان بكل هدوء. حرمتوني من أمي ومن إخواتي ومن بيتي 18 سنة.. وقلتوا لي إن أمي ماتت!
زوجي بص لأمي بغضب شديد إزاي عملتي كده؟ إزاي تحكمي على حياتنا كلنا بهالطريقة؟!
كنت خايفة.. كنت خايفة تخسرها!
فخسرتنا كلنا! صرخ زوجي. لو ما رجع ريان كنا هنعيش في الكذبة دي لحد ما نموت!
بقينا في حالة صدمة وصراع لساعات.. الولاد تقبلوا الخبر ببطء، بس كانوا متشوقين ليعرفوا أخاهم.. جلسوا مع ريان، سألوه، حكوا له، وشبههم الكبير ببعض خلاهم يتأكدوا إنهم إخوة حقاً.. وفي نهاية الليل، احتضنوه بقوة، ودموعهم خلتني أطمئن إن الأمور هتتصلح!
أما أمي.. فظلت وحيدة في زاوية البيت، لا أحد يكلمها.. شفتها بتعاني من وحدتها وندمها، بس الوجع اللي سببته لنا كان أكبر من أي كلام اعتذار!
في الصباح التالي، اتصلنا بالدكتور القديم.. اعترف بكل حاجة لما واجهناه، واعتذر وقال إنه ندم كتير، واتفقنا على إصلاح ما يمكن إصلاحه.. قدمنا طلبات رسمية لتعديل الأوراق الثبوتية، وبدأت إجراءات الاعتراف بريان كابننا واعادته لحضانتنا قانونياً.. كانت خطوات طويلة ومتعبة، بس كنا مصممين نرجع الحق لأصحابه!

الجزء السادس الشفاء يأتي والبيت يعمر من جديد
مرت الأشهر ببطء وثقل.. ريان بدأ يتكيف مع البيت الجديد، مع إخواته، مع المدرسة، مع كل حاجة كانت غريبة عليه.. كان صعب في البداية، كان يشعر بالغربة والخوف، بس كنا جنبه في كل خطوة.. كنا نأكله الحب والاهتمام اللي حرمناه منه سنين!
أمي ظلت في البيت، بس مكانتها تغيرت.. ما عادت اللي تقرر وتأمر، بل كانت تحاول تخدم وتعتذر بكل طريقة ممكنة.. مرة، جتني وقالت بدموع
سامحيني يا بنتي.. عرفت إن الحب ما بيتاخد بالحماية الكاذبة.. الحب بيكون بالصدق والحق.. لو رجع الزمن ما عملتش كده أبداً..
مسكت إيدها بكل رحمة أنا مسامحاكِ يا أمي.. بس ريان هو اللي لازم يسامح..
مرت شهور تانية، وفي يوم من الأيام، جاني ريان وقال سامحتها يا أمي.. شفت ندمها الحقيقي.. وكل ما أكرهها، أتذكر إنها أمك.. وما أقدرش أكرهها بجد..
احتضنته بكل فخر.. كبر فيّ وأنا لم أشهده يكبر، وظهرت معادنه النفيسة رغم كل ما مر به!
وبدأت حياتنا الجديدة.. اتعدلت الأوراق، واتعرف ريان رسمياً كابننا، وبدأ يبني مستقبله مع إخواته.. كنا نعوض كل يوم فات بفرح وحب.. كنا نخرج مع بعض، نسافر، نجلس، نتكلم لساعات طويلة عن كل ما حدث.. لم يكن النسيان سهلاً، لكن العيش في الحقيقة كان أطيب وأكرم من العيش في الكذب!
وذات يوم، كنا الأربعة قاعدين في الجاردن، شمس الأصيل بتضيء وجوههم.. ريان بص لي وقال كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي.. وأنا بقيت معاكم للأبد..
ابتسمت ودموعي في عيني وأنت منور حياتنا كلها يا حبيبي..
وعرفت في تلك اللحظة أن كل شيء يحدث لسبب.. وأن الحق وإن تأخر، لابد يظهر.. وأن المحبة الصادقة قادرة على مداواة أعمق الجروح!
وتبقى الكلمة الأخيرة
الزمن لا يمحو الحقائق.. والكذب وإن طال زمنه، لابد أن ينكشف.. والفراق لا يُديم، واللقاء مقدّر حين يأذن
الله.. ومن يظلم أهله بظن الحماية، لا يحصد إلا الندم والفراق.. ومن يصبر ويحتسب، يُعوّضه الله خيراً مما فات وأكثر.. وإن مع الصبر نصراً، وإن بعد الكرب فرجاً قريباً لا محالة.

تمت القصة بحمد الله وتوفيقه

 

تم نسخ الرابط