رواية كاملة

لمحة نيوز


حي؟ وأمي هي السبب؟! كيف يعقل؟ كيف أم تفرق بين أبنائها؟ كيف تحرم أم من طفلها وطفل من أمه؟!
خرجت من الأوضة وأنا مش عارفة أمشي إزاي.. جوزي كان في الجاردن مع الولاد، صوتهم عالي وضحكهم مالي المكان.. كنت شايفاهم بيلعبوا ويفرحوا، وقلبي مفتوح بجرح جديد ما حد يشوفه.. كيف أقول لهم لديكم أخ عايش وربما نعرفه قريباً؟ وكيف أواجه أمي اللي طالما اعتبرتها ملجأي الوحيد؟!
دخلت المطبخ، شفت أمي واقفة بتقطع الفاكهة للضيوف، وشها هادي ومبتسمة زي ما كل حاجة تمام.. بصيت لها ودموعي بتفيض من غير سيطرة
أمي.. تعالي معايا من فضلك.. عايزة أتكلم معاكي.
لفتت لي ببطء، وابتسامتها خفت شوية في إيه يا حبيبتي؟ الولاد بخير؟
تعالي بس.. قلتها بصوت مهزوز.
مشيت قدامها لغرفة المكتب، وقفلت الباب وراها، وطلعت الورقة من جيبي ومديتها لها بيد مرتعشة
اقرئي دي.. وقلّي لي إيه الصح وإيه الغلط فيها!
أمي أخذت الورقة بيدها، وبعد ما قرت أول سطر، لون وشها اتغير تماماً.. شحب واتحول لونها لصفرة مخيفة، ويدها ارتعشت لدرجة إن الورقة كادت تسقط منها
دي.. دي كلام فارغ يا بنتي.. حد بيحاول يخوفكِ..
كلام فارغ؟! صرخت بصوت مكتوم. اللي كتبها قال إنه ريان.. قال إنتِ اللي بعدتيه عني! قولي لي الحقيقة يا أمي.. أرجوكِ! هل هو عايش؟!
أمي سكتت.. عيناها مالت للأرض، وشفت دمعة سقطت على خدها ببطء.. وفي اللحظة دي، عرفت إن الكلام مش كذب.. الحقيقة كانت أفظع وأقسى من كل ما تخيلته!

الجزء الثالث الحقيقة المرة التي طواها الزمن
جلست أمي على الكرسي، وبدأت تحكي بصوت متهدج ومقطع، كأن كل كلمة بتكلفها عمرها
كان من يوم ما اتولدوا يا بنتي.. الدكتور قال ريان ضعيف ومش مضمون.. وأبوكِ الله يرحمه.. قبل ما يموت بفترة قصيرة، كان دايماً يقول اللي يربح ياخد واللي يخسر يسيب.. كنت خايفة عليكِ.. خايفة تموتي من الوجع لو ريان راح منك.. وفكرت بجنون.. قلت لنفسي أبعده وأقول إنه مات.. هتتألمي شوية وبعدين تنسي.. هتبقى عندك الاتنين التانيين وتبقوا سعداء.. ما كنتش أعرف إن الغلط ده هيكبر مع السنين ويبقى جبل ما يتشال!
واتفقتِ مع الدكتور؟ سألتها بصوت ميت.
دفعتله مبلغ كبير.. كان محتاج فلوس لعلاج بنته.. وقلتله يخرج ويقوللكم إنه مات.. وفي نفس اليوم سلمته ل عيلة بعيدة من المحافظة التانية.. قلت لهم يربوه بعيد عن هنا وما يقولوش له حاجة عن أصله.. وكل سنة كنت ببعث لهم فلوس عشان يطمنوني إنه بخير.. كنت فاكرة إني بحميكم.. وطلعت بقت قاتلة الأبرياء!
بكت بكل قلبها، وكنت واقفة مش قادرة أتحرك.. مش عارفة ألومها ولا أسامحها.. لقيت نفسي بصرخ
تحميني؟! حرمتيني من ابني 18 سنة عشان تريحيني؟ كل ليلة كنت أبكيه وأدعيله وأنا فاكرة إنه تحت التراب! وكل سنة في عيد ميلاده كنت أروح المقبرة وأتكلم معاه وهو عايش في مكان تاني! ده حماية يا أمي؟ ده جريمة!
عارفة.. عارفة إني غلطانة.. قالت وهي بتترجى. بس كنت خايفة.. خايفة تخسري كل حاجة.. والله ما كنتش أعرف إنه هيجي يوم ويكشف كل حاجة!
سحبت نفسي وخرجت من الأوضة من غير ما أرد عليها.. الدنيا باينة قدامي مش واضحة.. حاسة إنني عايشة في كذبة طويلة كلها.. جوزي.. الولاد.. البيت.. كل حاجة مبنية على كذبة!
نزلت للجاردن، لقيت زوجي قاعد مع الولاد، بيتكلموا ويضحكوا.. شفتهم ودموعي نزلت بغزارة.. كيف أقول لهم لكم أخ، وربما تعرفوه قريباً؟ وكيف أتأكد إنه هو فعلاً ريان؟ وكيف أواجه كل ده لوحدي؟
اتخذت قرار في اللحظة دي.. لازم أروح للمكان اللي كتبه في الرسالة.. لازم أشوفه بنفسي.. قبل ما أي حد يعرف.. قبل ما يتغير كل شيء!
قربت من زوجي وقلت بصوت هادي حبيبي.. لازم أخرج شوية.. أروح مكان مهم.. ربنا يستر..
في إيه يا حبيبتي؟ وشك متغير أوي! قال وقام بقلق.
هحكي لك كل حاجة لما أرجع.. بس سيبني أروح لوحدي أرجوك..
ركبت العربية ومشيت.. الطريق للمستشفى القديم كان طويل ومؤلم، كل شبر فيه بيذكرني بأيام الخوف والقلق والبكاء.. واليوم برجع باحتمال أرجع بولدي اللي كنت فاقداه!

الجزء الرابع اللقاء الذي غير مجرى الحياة
وصلت للمستشفى القديم.. المكان ما تغيرش كتير، بس باهت وشكله عتيق.. صعدت للدور التالت، الممر اللي كنت أمشي فيه كل يوم خايفة على ريان.. وصلت للنافذة اللي كنت أقعد فيها قدام الغروب.. وشفته!
كان واقف بظهره لي، شاب طويل ونحيف، شعره أسود كثيف، بيلبس ملابس بسيطة، ويده في جيوبه.. لما سمع خطواتي التفت ببطء.. وقع نظره في نظري، وكلانا تجمد مكانه.. ملامحه.. عينيه.. شبه كبير باخواته، بس فيه شيء من ملامحي كمان.. كان واضح إنه ولدي!
تقدم خطوة مترددة أنتِ.. أمي؟
صوتة مهزوز ومليان خوف وأمل.. ما قدرتش أتكلم، هزيت رأسي بس، ودموعي نزلت بلا توقف.. قرب مني ببطء، كأنه خايف أختفي
أنا ريان.. صح؟
أيوه يا حبيبي.. أيوه أنا أمك.. قلتها بصوت مكسور ومديت إيدي له.
عانقني بقوة، كأنه بيحاول يجمع السنين اللي فاتت في عناق واحد.. كنت أحس بدموعه على كتفي، وهو بيقول بصوت متهدج
طول عمري كنت حاسس إن لي حد.. كنت حاسس إن ناقصني حاجة كبيرة.. والناس اللي ربوني قالولي إن أمي ماتت.. لحد
 

تم نسخ الرابط