رواية كاملة
كلها! أنا كنتِ بنتكِ.. كيف تقدرى تعملي كده؟!
أمي سكتت.. دموعها نزلت ببطء بس مش عارفة هي ندم ولا غضب أنا خفت.. خفت تاخدي الفلوس وتبعدي عني.. كنت فاكرة إنها بتاعت البيت كلنا..
البيت ما اتقسمش إلا في دماغكِ يا أمي.. الحقيقة إنكِ ما رضيتيش ليا الخير أبداً.. كل ما شفتيني قائمة بنفسي، اتعصبتي وخفتي أكون أحسن منكِ! قلت بكل وجع. وده مش حب.. ده غل وحسد ما بيجي إلا من العداء!
شريف قرب الفايل لقدامها تاني ولسه باقي ورقة مهمة جداً.. ما قريناهاش!
طلع ورقة تانية، قديمة ومصفحة، ومكتوب عليها بخط بابا أنا إبراهيم، أقر وأعترف إن كل ما أملك من أملاك وعقارات سأورثها لابنتي إنجي وابنتي مي بالتساوي، ولا فرق بين واحدة والتانية.. والله على ما أقول وكيل.
أمي عينها اتوسعت دي.. دي ورقة كتبتها زمان!
أيوه.. وكتبتها قدام الشهود.. وبابا عايش وشاهد عليها! قلت بكل ثبات. وأنتِ طول السنين خبيتيها عن مي وعني.. وقلتلي إن مي هتاخد كل حاجة لأنها البنت الصغيرة! وقلتي لمي إن أنا اللي هآخذ كل حاجة لأنني الكبيرة! كنتِ بتفرقي بيننا عشان تسيطري علينا كلنا!
مي وقعت على الكرسي متأثرة بالصدمة يعني.. يعني أنا وأختي.. كنا لازم نكون شريكات؟!
أيوه.. وكل اللي حصل بيننا من خصومة وكره كان بسبب تفرقتنا! رديت عليها بكل ألم. وأنتِ صدقتي كل كلامها من غير ما تسأليني ولا مرة واحدة!
البيت كله سكت.. الصمت كان تقيل وموجوع.. كل واحد فينا شاف الحقيقة قدام عينيه، واتضح إن العدو الحقيقي ما كانش أنا ولا مي.. العدو كان الكذب والفرقة اللي زرعتها أمي بيننا من سنين!
الجزء الرابع المواجهة الكبرى والسر الأخير يظهر
وفجأة سمعنا صوت الباب بيتفتح ببطء.. التفتنا كلنا.. بابا كان واقف عند الباب، وشه مكسور ومليان دموع، ويده على المقبض متردد يدخل ولا يطلع!
بابا! صرخت أنا ومي مع بعض.
دخل ببطء، خطواته تقيلة كأن كل خطوة بتكلفه عمره سمعت كل حاجة من تحت.. ما قدرتش أصدق.. بس الحقيقة لازم تطلع..
قرب منا وقعد على حافة السرير أنا كتبت الوصية دي من زمان.. كنت فاكر إنها هتتحفظ في مكان أمين.. بس ما كنتش أعرف إنها هتتخبي وتستخدم ضدكم! التفت لأمي بكل ألم. ليه يا ماجدة؟ ليه تعملي كده في بناتك؟ ليه تفرقي بينهم؟
أمي بكت بصوت عالٍ خفت.. خفت إنكم تتركوني لو اتقسمت الأملاك.. خفت أكون وحيدة.. كنت فاكرة إن بالخوف والسيطرة هحافظ عليكم.. وطلعت خسرت كل حاجة!
ما حفظتِ غير الكراهية يا أمي.. رديت بهدوء. الحب ما بيخاف.. بيحبب.. بيقرب.. بيجمع.. وأنتِ عملتي العكس تماماً!
بابا مسك إيد أمي تعالي نصلح الغلط قبل ما يفوت الأوان.. البنات لسه معانا.. والحق لسه بيننا.. خلينا نبدأ من جديد بصدق وعدل!
مي بصت لي لأول مرة بغير غل.. كانت عيناها بتترقرق بالدموع سامحيني يا إنجي.. صدقت كلامها من غير ما أسألك.. كرهتكِ من غير سبب..
وأنا سامحاكي يا مي.. قلت بكل رحمة. بس لازم نعرف إن من النهاردة ما حدش يفرق بيننا تاني.. لا أم ولا أب ولا حد.. إحنا أخوات.. والدم ما يصبح مية!
شريف وقف بجانبي والحق اللي اتكشف النهاردة لازم يتنفذ.. الأملاك تتقسم بالتساوي بينكم.. والحسابات تُراجع.. وكل واحد ياخد نصيبه بالعدل.. من غير خداع ولا خوف!
أمي رفعت راسها بصعوبة تستحقوا كل حاجة.. وأنا اللي خسرت الكتير بسبب غبائي.. سامحوني لو تقدرن..
نسامحكِ بس بشرط.. قلت بكل حزم. الصدق.. وعدم التفرقة بيننا أبداً.. وإنكِ تحترمي حياتي وحقوقي زي ما بتحترمي حق مي!
أوافق.. أوافق على كل حاجة.. قالت بصوت ضعيف. بس عايزة أعيش بسلام..
خرج الراجلين من البيت ومشوا.. ما كانوش لازمين بعد ما اتكشفت الحقيقة.. وبقينا نحن العيلة بس.. نجلس ونحكي بكل صدق وشفافية، كل واحد يقول اللي في قلبه من غير خوف ولا خداع!
اتفقنا على كل حاجة.. الشقة الجديدة بتاعتي وبحق، وأملاك البيت تتقسم بالتساوي بيني وبين مي، والحسابات القديمة تُراجع وتُصحح.. وبابا هيشرف على كل حاجة عشان يضمن العدالة!
ولما قامت أمي تطلع، وقفت قدامي وباست راسي كنتِ أقوى مني يا بنتي.. وكنتِ أكرم مني.. سامحيني على كل دمعة نزلت منكِ بسببي!
مسامحاكِ يا أمي.. بس لازم تتغيري.. عشان نعيش مع بعض بسلام.
خرجوا من البيت وبقيت أنا وشريف ولينا.. ليان فتحت الباب بخوف، لما شافت الكل راح، جريت ناحيتي وحضنتني ماما.. خلاص راحوا؟
أيوه يا حبيبتي.. راحوا.. وخلاص الكل عرف الحقيقة.. ما حدش هيأذيكِ تاني أبداً! قلت وأنا بحضنها بقوة.
شريف قرب منا وباس راسي شفتِ يا حبيبتي.. الصبر بييجي ثماره.. والحق مهما طال بيظهر.. وأنا كنت عارف إننا هننتصر لأننا معانا الحق!
الجزء الخامس الأيام تمر والبيت يتعمر بالحب والعدل
مرت الشهور والأيام ببطء وهدوء.. بدأت حياتنا الجديدة بصفحة نظيفة بيضاء.. اتقسمت الأملاك بالعدل، ورجعت المبالغ المحولة لغير مكانها، واتعرفت مي على حقوقها كاملة لأول مرة في حياتها!
أمي تغيرت كتير.. بدأت تزورنا بانتظام، بس ما كانتش بتتدخل في خصوصياتنا أبداً.. تعلمت تكلمنا باحترام وتقدير، وكل ما شفتني قالت سامحيني يا بنتي.. لو رجع الزمن ما عملتش كده أبداً. وكنت أرد عليها بكل حب المهم إنكِ عرفتي الغلط وصلحتيه.. ده اللي
يهم.
أما مي.. فكانت أكبر المتغيرات! بدأت تتصل بي كل يوم، نخرج مع بعض، نزور بابا وماما مع بعض، وكل ما حد يذكرني قدامها بتقول بكل فخر دي أختي الكبيرة وأنا فخورة بيها!.. مرة سألتها إزاي تغيرتي للدرجة دي؟
لأنني عرفت إن العدو ما كانش أنتِ.. العدو كان الكذب اللي عاش جوايا سنين.. قالت بصدق. ولما طلع الحق، طلع معاه كل غل وحقد كان جوايا.. أنا سعيدة إنكِ أختي يا إنجي!
وبابا كان أسعد الناس.. شاف بناته متقربات ومتحابات، والبيت اتعمر من جديد بالحب والعدل اللي كان مفقود سنين طويلة!
شريف كان جنبي في كل خطوة.. ساعدني في إنهاء الإجراءات، في ترتيب الأوراق، في نقل ملكية الشقة الجديدة.. وكل ما كنت أقل له شكراً يا حبيبي.. كان يرد بكل حنان أنا اللي لازم أشكركِ.. لأنكِ علمتيني معنى الصبر والكرامة والثبات.. أنتِ نصفي التاني وأنتِ سر قوتي!
وفي يوم استلام الشقة الجديدة، رحنا نحن الأربعة أنا وشريف وليان ومي.. وقفنا قدام الباب المفتوح، والشمس داخلة بضياء دافئ
دي بداية جديدة لينا كلنا.. قالت مي بابتسامة. ونبقى دايماً مع بعض!
بإذن الله.. رديت وأنا بحضن ليان. ما حدش يفرق بيننا تاني أبداً!
دخلنا الشقة الجديدة.. أربعة أوض واسعة، صالة كبيرة، وشبابيك بتطل على حدائق التجمع الخامس.. المكان اللي هنكبر فيه ليان، واللي هنعيش فيه بسلام وأمان وكرامة!
جلست قدام الشباك وشفت الغروب.. وفكرت في كل اللي مر بيا.. الإهانة، الاتهام، الخوف، الصدمة.. وكل ده اتغير لفرح وعدالة وكرامة.. وعرفت إن الصبر ما كانش عبث.. وإن الحق بيطلع مهما طال الزمان!
الجزء السادس الكرامة تُحفظ والأخوة تُبنى والحق يبقى للأبد
مرت السنين.. ليان كبرت ودخلت المدرسة، وبقت عندها أخت صغيرة من مي اسمها نور، وبنات الخال اتقربوا من بعض زي الأخوات تماماً! العيلة اتجمعت من جديد، بس على أساس جديد الاحترام المتبادل، العدل، والصدق اللي ما يتغيرش!
أمي كانت كل ما تيجي تزورنا تجيب معاها هدايا للبنات، وتقول لليان خذي يا حبيبتي.. تيتا بتعوضكِ عن كل يوم أذيتكِ فيه.. وكنت أضحك وأقول لها ده وقت العوض انتهى يا أمي.. دلوقتي بقى وقت الحب بس!
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة مع مي في الحديقة بتاعت بيتي، نشرب الشاي ونشوف البنات بيلعبوا بعيداً عننا
فاكرة يوم العزومة؟ سألت مي بابتسامة. يوم ما قلتلي إني جاية إيدي فاضية؟
مي خجلت وضحكت فاكرة.. وكنت أتمنى أرد الكلام ده وأعتذر من كل قلبي!
ما تحتاجش تعتذري.. كل حاجة بتحصل لسبب.. ولولا اللي حصل، ما كنا وصلنا لهالعلاقة دي أبداً! رديت بكل صدق. المهم إننا اتعلمنا.. والبنات دول يتعلموا منا إن الأخوة كنز ما يُقدّر بثمن!
وأنتِ أثبتلي إن الكرامة ما بتتنازل عنها.. وإن الصبر بيقوي الإنسان مش يضعفه! قالت مي بكل إعجاب. أنتِ قدوتي يا إنجي!
في تلك اللحظة، شفت شريف جاي ومعاه كوب شاي تاني، وباستني على راسي بتتكلموا في إيه؟
بنتكلم في النعم اللي ربنا أنعم علينا بيها.. رديت وأنا مسكت إيده. الحمد لله على كل حال!
وتبقى الكلمة الأخيرة
البيت ما بيتعمر بالفلوس ولا بالجدران.. بيتعمر بالحب والصدق والعدل.. والكرامة تُحفظ بالصبر والثبات، وتُعطى لمن يستحقها بجدارة.. والأخوة إن بنيت على العدل تبقى وتدوم، وإن بنيت على الكذب والفرقة تنهار وتزول.. والحق وإن طال حبسه، لابد أن يُفتح له باب السماء ويخرج للنور، لأن الله مع المظلوم دائماً، وينصره من حيث لا يحتسب، ويبدل خوفه أمناً وحزنه فرحاً بإذنه تعالى.
تمت القصة بحمد الله وتوفيقه