رواية كاملة
الضرر المادي والمعنوي.. كما قررت المحكمة الحضانة الكاملة للطفلة لوالدتها، ويُمنع كريم من رؤيتها نهائياً حتى بلوغها سن الرشد، نظراً لخطورة أفعاله وعدم أهليته الأخلاقية.. والله أكبر!
خرجت من المحكمة وأنا أشعر أن حملاً ثقيلاً قد رفع عن كتفيّ.. لم أفرح بسجنهما.. بل حزنت عليهما.. لأنهم خسروا كل شيء بسبب طمعهم وحقدهم. لكنني عرفت أن العدالة قد تحققت، وأن بنتي ستنشأ في أمان وأمان.
الجزء الخامس البداية الجديدة والحياة التي تُبنى من جديد
مرت السنين ببطء وثقل في البداية، ثم بدأت تشرق الشمس تدريجياً فوق حياتي. عملت بجد واجتهاد، أسست مشروعي الخاص، واستطعت أن أؤمن لبنتي حياة كريمة ومستقبلاً آمناً. سميتها نور.. لأنها كانت النور الذي أضاء لي الطريق في أحلك ليالي حياتي.
نور كبرت، وكانت تشبهني جداً.. قوية، ذكية، واثقة من نفسها. لم أخفِ عنها شيئاً عندما كبرت.. أخبرتها الحقيقة كاملة، ليس لأملأ قلبها كرهاً، بل لتعرف أن الحق يُظلم أحياناً لكنه لا يموت، وأن المرأة يجب أن تحترم نفسها وتعرف قيمتها دائماً.
أنتِ أقوى من كل شيء يا ماما.. كانت تقول لي بكل فخر. ولولاكِ ما كنتش أنا موجودة!
وذات يوم، وأنا في زيارة للمحكمة لاستكمال بعض الأوراق، رأيت رجلاً وامرأة يخرجان من بوابة السجن.. ملابسهما قديمة، ملامحهما تعبة، وعيناهما فارغتان من كل أمل. كانا كريم وسارة.. بعد أن قضيا نصف مدة حكمهما، خرجا بشروط معينة، لكن الحياة قد تغيرت تماماً. لم يتوقعا لي.. لم ينظرا إليّ.. وكأنني لم أكن موجودة.
مرّا بجانبي كغريبين، وقلبي لم يعد يخفق لهما لا حباً ولا بغضاً.. أصبحا مجرد ذكرى مؤلمة مرّت في حياتي، وانتهت للأبد.
نور مسكت يدي ونظرت إليّ بابتسامة ماما.. يلا بينا؟ عندنا حاجات أحسن نعملها!
ابتسمت وضغطت على يدها الصغيرة الدافئة يلا يا روحي.. بيتنا ينتظرنا!
مشينا معاً بعيداً عن المكان، نحو المستقبل المشرق الذي استحققته بدمي ودموعي وصمودي.. وعرفت أن كل ألم مرّ بي كان سبباً في أن أصبح أقوى وأصلب وأقدر على حماية من أحب.
الجزء السادس الصمود يبقى والحق يعلو ولا يُقهر
وبقيت الأيام تمر، ونور كبرت وتخرجت من الجامعة، واختارت أن تكون محامية.. قالت لي عايزة أنصر كل مظلوم ومظلومة.. عايزة أكون الصوت اللي بيحكي لما الصوت بيخفت!
وكانت تفعل ذلك بكل إخلاص وتفانٍ.. تساعد النساء المتعرضات للعنف، وتدافع عن حقوقهن، وتؤسس الجمعيات التي تُعنى بحماية الأسرة والطفولة. وكلما سألتها عن سبب اختيارها لهذا الطريق، كانت تقول
كل بنت تستحق أن تعيش في أمان.. كل أم تستحق أن تحترم.. ولا أحد يملك الحق في أن يأخذ حريتها أو يُؤذيها.. هذا الدرس تعلمته منكِ يا أمي.. وأنا سأعلمه للجميع!
وفي يوم تخرجها، وقفت أمام الحضور وقالت أهدي هذا النجاح لأمي.. التي وقفت وحيدة في وجه الظلم، ولم تخف ولم تضعف.. التي ولدتني على بلاط بارد لكنها أعطتني دفء العالم كله.. هي من علمني أن الكرامة لا تُباع ولا تُشترى، وأن الحق وإن طال يظهر، وأن الصبر أقوى من العنف، والصدق أقوى من الكذب!
بكيت من الفرحة وأنا أستمع لكلماتها.. وعرفت أن رحلتي لم تكن عبثاً.. أن كل ألم وكل دمعة كانت تُزرع في أرض خصبة، لتثمر هذه الإنسانة العظيمة التي تقف أمامي اليوم!
وتبقى الكلمة الأخيرة
المرأة حين تُؤمن بنفسها وتعرف قيمتها، لا يقدر عليها ظالم ولا جبار.. والحق مهما سُجن وكُتم، لابد أن يُشرق نوره كالشمس لا يُحجب.. والصبر على الألم يُعوّضه الله خيراً كثيراً مما فات.. ومن يحمي أهله ويصون كرامته، ينصره الله من حيث لا يحتسب، ويجعل من بعده جيلاً يُكمل الطريق ويُحقق العدالة.. ولا يبقى في النهاية إلا الحق والعدل والصمود الذي يُبني ولا يُهدم أبداً.. والله مع المظلومين دائماً، وإن غابت الشمس فستعود لتشرق من جديد بإذنه تعالى.
تمت القصة بحمد الله وتوفيقه