رواية كاملة
كرهت مريم من صغرها، لأن أبوها كان دايماً يقارن بينهم ويقول إن مريم أحسن منها في كل حاجة.. فكرهتها وحقدت عليها.. لما مريم اتجوزت طارق، حست إنها سرقت منها حياتها اللي كانت تتمناها!
وكل ده سبب كره؟ سألت بدهشة. كان ممكن تتكلم وتعالج نفسها بدل ما تدمر حياة كل الناس!
هي كانت مريضة يا ولدي.. نفسها مريضة من زمان.. ردت أمها بدموع. ما حبناش نعالجها، كنا بنعتبرها غيرة عادية.. وطلعت غيرة قتلت كل حاجة! وفي سر آخر ما قالتوش لحد غيري.. قالتلي إنها كانت السبب في الحادثة بتاعت مريم بشكل مباشر!
قلبي اتوقف إيه؟ إزاي؟!
كانت رايحة وراها في نفس الطريق.. عايزة تمنعها من إنها تروح تقابل المحامي.. وكنت بتقود بسرعة جنونية عشان تسبقها.. وفي اللحظة اللي مريم حاولت تتفادى العربية بتاعتها، انحرفت وخبطت في الحاجز.. نيرمين خافت وهربت.. وما قالتش لحد حاجة.. وسكتت سنتين كاملين!
الكلام ده زلزل كياني.. يعني موت مريم ما كان حادث.. كان جريمة متعمدة! ونيرمين هربت بفعلتها سنتين كاملين! وطارق كان بيحمل ذنب ما هو مسؤول عنه!
ليه ما قالتش ده قبل كده؟ سألت بصوت مخنوق.
كانت خايفة من السجن.. وخايفة من العقاب.. قالتلي إنها عاشت سنتين جحيم كل ليلة تشوف صوت مريم في منامها.. وكل ما شافت جودي، تحس إنها بتشوف شبح مريم قدامها!
خرجت من البيت وأنا مش عارف أمشي فين.. الحقيقة كانت أثقل من أي حمل تحملته في حياتي. لازم أروح للمحامي فوراً وأقوله كل ده.. لازم نعيد فتح ملف الحادثة ونعرف الحقيقة كاملة!
وبالفعل، بعد أسبوع، المحامي قدم طلب إعادة فتح القضية، وبعد البحث والتحري، ظهرت أدلة جديدة.. شهود رأوا العربية بتاعة نيرمين في نفس المكان، وتسجيلات كاميرات المراقبة أثبتت وجودها، وحتى أثر الصدمة في العربية بتاعتها اتأكد في المعمل الجنائي!
نيرمين اتُهمت بالقتل الخطأ بالإضافة لتهم الابتزاز والسرقة والتآمر. وحكم عليها بالسجن المؤبد. وطارق، لما عرف بالحقيقة، انهار بالكامل.. عرف إنه قضى سنتين يكره مريم ويحمل ذنبها، وهي بريئة وطاهرة! وكل ده بسبب كذبة واحدة!
زارني في السجن مرة تانية، وبص لي بعينين خالصتين من الدموع بابا.. طلبت من المحامي بتاعي يطلب إعادة فتح قضية مريم.. واعترفت لكل اللي أعرفه.. عايز الحقيقة تطلع.. عايز كل حد يعرف إنها كانت بريئة.. وإن أنا كنت الغبي الأعمى اللي صدق الكذب!
ربنا يسامحك يا ولدي.. قلت له بكل صدق. المهم إن الحقيقة ظهرت.. والباقي على ربنا!
مرت الأشهر التالية ببطء، وبدأت أعيد بناء حياتي وحياة جودي. نقلتها لمدرسة جديدة، وبدأت أروح معاها كل يوم لقبر أمها، وأحكي لها كل حاجة عن أمها، عن شجاعتها، عن طيبتها، عن حبها ليها.. عشان تكبر وهي عارفة إن أمها كانت نعمة من ربنا!
وذات يوم، جودي قالتلي وهي قاعدة جنبي في الجنينة جدو.. أنا فخورة بأمي أوي.. وأنا عايزة أكون زيها لما أكبر!
مسكت إيدها وقبلتها هتكوني أحسن منها يا روحي.. لأنك شفتي الحياة وتعلمتي منها.. وأمك هتفضل عايشة في قلبك طول ما انتي طيبة!
وبدأت أتقرب من عم شعبان، صار صديقي الوحيد، وكنا نجلس كل مساء نشرب شاي ونحكي قصص. هو اللي وقف جنبي في الشدة، وهو اللي ما تخلّانيش أقع، وهو اللي أثبتلي إن الجيران والأصدقاء الحقيقيين بيكونوا أقرب من الأهل أحياناً!
وفي يوم من الأيام، وبينما كنت أرتب أوراق مريم القديمة، وجدت دفتراً مخبياً تحت ملابسها.. فتحتوه، وقلبي دق بسرعة.. كان مذكراتها اليومية! قرأت فيها كل حاجة حبها لجودي، خوفها من طارق ونيرمين، شكوكها فيهم، وكيف كانت بتخطط تاخد جودي وتسافر بعيد عشان تحميها! وآخر صفحة كانت مكتوبة بخط مهزوز لو حصلي حاجة، بابا هو الوحيد اللي هينقذ جودي.. هو اللي أتمنى تربيها.. وهو اللي أثق فيه بكل قلبي!
دموعي نزلت بغزارة.. كانت عارفة.. كانت عارفة إنني هحميها وهحمي بنتها.. واختارتني أنا من بين الكل! وعدتها من كل قلبي أنا نفذت وصيتك يا بنتي.. وحفظت أمانتك.. وجودي هتكبر في أمان وحب.. وكل اللي عملوا فيكي لقوا جزاءهم.. ارتاحي في سلام يا روحي!
الجزء السادس السنين تمر والأمانة تُحفظ.. والحق يُعلو ولا يُقهر
مرت السنين، وجودي كبرت قدام عيني، وصارت فتاة جميلة، ذكية، قوية، تحب الحياة وتحب الناس. كانت دايماً تقول لي جدو، أنا شايفة أمي في كل حتة.. في عينيك، في كلامك، في حنانك.. شكراً لإنك حفظتني وحفظت أمانتها!
الشكر لله يا بنتي.. كنت أرد بكل فخر. أنا مجرد حارس للأمانة دي.. والأمانة رجعت لصاحبتها!
درست الحقوق زي أمها، وتخرجت بتقدير امتياز، وبدأت تشتغل محامية تدافع عن المظلومين والضعفاء.. كانت بتقول أمها كانت بتكتب عشان تغير الدنيا، وأنا هحارب عشان أجعلها أعدل!
وذات يوم، جابت لي جريدة قديمة وقالتلي بابتسامة جدو، عايزة أروح معاكي نزور عم شعبان.. ونروح لقبر أمي.. عندي خبر مهم أوي عايزة أقولكم إياه!
ذهبنا معاها، وقفت قدام قبر أمها وقالت بصوت واضح ومليان أمل قررت أفتح مؤسسة خيرية باسم أمي.. هتساعد الأيتام والأرامل والمظلومين.. عشان تبقى ذكراها عايشة طول الزمن!
دموع الفرحة نزلت من عيني.. مريم ما ماتت.. هي عايشة في بنتها، في عملها الصالح، في الخير اللي هتنشره في الدنيا!
وبالنسبة لطارق، قضى سنوات طويلة في السجن، وكل ما كنت أزوره، كنت أشوف إنه يتغير للأحسن.. كان يقرأ كتب كتير، ويتعلم، ويحاول يصحح أخطاءه بالعمل الصالح داخل السجن. وذات يوم، كتب لي رسالة قال فيها يا بابا، لو رجع الزمن لورا، كنت أضحي بكل حاجة عشان ما أجرح حد.. الحياة قصيرة أوي، والكره بيأكل صاحبه قبل ما يأكل غيره.. سامحني لو تقدر.. وسامح مريم لو تقدر.. أنا آسف من كل قلبي!
سامحته.. ليس لأنه يستاهل، بس لأن السماح راحة لقلبي أنا قبل ما يكون له. الحياة ما تستاهلش نعيشها بكره وحقد.. والدنيا دول تمشي، والآخرة خير وأبقى!
عم شعبان عاش معانا لحد ما كمل تسعين سنة، وكان كل يوم بيقول لي يا حاج عبد اللطيف، ما شاء الله عليك.. ربي لك بنت بنتات ما فيش أحسن منها! وكنت أرد عليه الفضل للي خلقها يا صديقي.. وأنت كنت السبب في إننا نكون هنا النهاردة!
وفي يوم من الأيام، وأنا جالس في الجنينة الكبيرة بتاعت البيت الجديد اللي اشتريناه باسم جودي، شفتها وهي بتلعب مع بنتها الصغيرة اللي سمتها مريم على اسم أمها.. كانت الشمس بتغرب وتلون السماء بألوانها الذهبية، والصوت الضحك بتاع البنت الصغيرة ملي المكان، وشعرت بالسكينة والطمأنينة اللي ما حسيتهاش من زمان!
عرفت إن الرحلة كانت صعبة ومؤلمة، بس كانت ضرورية.. عشان أعرف إن الأمانة ثقيلة، والثقة غالية، والخيانة ما بتدمرش غير صاحبها.. وإن الحب والصدق والأمانة هي اللي بتبقى وتبدو مهما طال الزمن!
وتبقى الكلمة الأخيرة
الأمانة أمانة.. إن حملتها حملتك، وإن خنتها خانتك.. والحق لو سكتت عنه يضيع، وإن ناديته يعلو ويقوى.. والظلم مهما طال بيدوم زي الصيف، والعدل بييجي زي الشتاء وإن تأخر.. والابتلاء ما ييجي إلا ليربّيك ويقوّيك.
والصبر على المصيبة بيصنع منك إنسان ما تهزه ريح ولا تزلزله أزمة.. ومن خاف الله خاف كل شيء منه، ومن لم يخف الله خاف كل شيء.. والله مع الصابرين، مع الأمناء، مع من يحفظون العهد ولا ينسون الوصية.. وما أجمل أن تموت وأنت حامل أمانة أديتها، وقلبك نظيف من غل وحقد، وذكرك باقٍ بالخير بين الناس.. تلك هي الحياة، وتلك هي الدنيا، والباقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
تمت القصة بحمد الله وتوفيقه