رواية كاملة
المفاتيح اللي ضاعت قبل كده! هما اللي خدوها! ودلوقتي بيستخدموها ليدخلوا بيتي كأنهم أصحابه!
الباب اتفتح ببطء بلا صوت، وثلاثة أشخاص دخلوا في الظلام.. عرفت اتنين منهم في لمحة ضوء الشارع اللي جوا من الشباك.. طارق ابني، ونيرمين مراته! والتالت كان طويل، ضخم، وشكله غريب عليّ.. راجل ما أعرفوش، وكل ملامحه بتقول إنه مش جاي بخير!
شغل الإضاءة ولاّ؟ سمعت صوت طارق واطي ومتوتر.
لا.. قالت نيرمين بصوت حاد ومليان شر. قلتلك المطلوب ظلام تام.. لو حد شافنا من الشارع، تتقلب علينا الدنيا!
البيت فاضي.. قال الراجل التالت بصوت أجش غليظ. متأكد إن الراجل مش هنا؟
أكيد.. طارق رد. قلتلك إنه بياخد جودي ويمشي كل يوم ساعة عشرة.. مدة طويلة وما بيرجعوش غير الصبح.. ده وقته بالظبط!
والفلوس؟ سأل الراجل بلهفة. ال 30 مليون.. فين؟
الوديعة في البنك، والأوراق بتاعتها في الخزانة بتاعته.. نيرمين ردت بسرعة وكأنها حافظة كل حاجة. هناخد الأوراق ونروح للبنك بكرة، ونحول كل الحسابات على اسمنا.. وبكده كل حاجة تخلص!
والعجوز؟ سأل الراجل ببرود مخيف. لو رجع فجأة؟
طارق سكت لحظة، وبعدين قال بصوت اتغير واتقسى مش هيرجع.. وهما طول الليل برة.. ولو رجع.. يبقى نتصرف معاه!
الكلمة نزلت عليّ زي صاعقة.. نتصرف معاه! يعني وصلوا لمرحلة ما يهمهمش حياتي ولا حياة بنتي! أنا ابني.. اللحم من لحمي والدم من دمي.. وبيقول نتصرف معاه بكل برود كأنني حشيشة بتقطع!
الراجل بدأ يفتش في الأدراج بسرعة، ونيرمين شعلت كشاف صغير وبدأت تفتش في الرفوف، وطارق وقف قريب من الباب بيراقب الشارع. أنا واقف متجمد ورا الستارة، ومش عارف أتحرك.. الخوف مش عليا.. الخوف على جودي اللي جوا الخزانة.. لو اكتشفوها، يبقى الخطر وصل لحد ما يتخيلوش عقل!
فجأة، سمعت نيرمين بتقول بفرحة لقيت الملف! هنا!
بسرعة.. خده ويلا بينا.. قال الراجل. مش نحبّط!
استنى.. طارق وقف مكانه. لازم نتأكد إن ما فيش نسخة تانية.. الدفاتر القديمة والأوراق المكتوبة بخط اليد.. دي ممكن تدمرنا لو لقاها حد!
بدأوا يفتشوا بتركيز أكتر، وكل دقيقة بتمشي بتزيد خوفي.. لأنهم قربوا من غرفة النوم بتاعتي! خطواتهم بتقرب.. صوت نيرمين بيتكلم وهي داخلة الغرفة هنا الخزانة القديمة.. ممكن يكون مخبي حاجة جواها!
قلبي اتقطع.. هي جاية ناحية الخزانة اللي جواها جودي! مدت إيدي على المقبض.. وبكل قوتي كتمت أنفاسي.. جودي يا رب ما تصوتي.. اصمدي يا بنتي.. جدو معاكِ!
الجزء الثالث الاكتشاف والجحيم الذي انفجر في الهدوء
يد نيرمين مسكت مقبض الخزانة.. فتحتها ببطء، وشعلت الكشاف وسلطته جواها. صوت شهقة صغيرة خافتة طلعت من جودي.. ما قدرتش تمنعها!
في حد هنا! صرخت نيرمين وارتدت لورا بصدمة.
طارق والراجل جروا ناحيتها فوراً، وسلطوا الكشافات جوا الخزانة.. شفت وش جودي الصغير وهو بيلمع في ضوء الكشاف، وعينيها بتدمع وهي شايفة الثلاثة الغرباء قدامها.
جودي؟! طارق صرخ بصوت متفاجئ ومصدوم. إيه اللي تعمليه هنا؟!
جدو.. همست وهي بتشاور ناحيتي من جوا الخزانة. جدو معايا!
قلبي اتقطع.. عرفت إن سكتي خلاص ما عادش ينفع! خطوت لقدام وطلعت من ورا الستارة، ووقفت قدامهم بكل ثبات ممكن أجمعه في سني ده. الكشافات سلطت عليّ فعميت شويه، بس رفعت راسي ونظرت لابني في عينيه
أنا هنا يا طارق.. كنت مستنيك من زمان.
طارق اتراجع لورا خطوة متأثر بصدمة بابا.. إنت.. إنت كنت هنا طول الوقت؟!
كنت هنا شايف وسمع كل حاجة.. قلت بصوت ثابت مهزوز. سمعت كل خططكم القذرة.. سمعت كلامكم عن الفلوس.. وعن التصرف معايا لما أرجع!
نيرمين قفلت الباب بتاع الخزانة بسرعة ودفعت جودي لورا خلاص اتكشفنا.. لازم نتصرفوا بسرعة!
الراجل الغريب خطا ناحيتي بخطوات تقيلة، ووجهه اتغير لشكل مخيف ما شفتوش قبل كده الراجل سمع كل حاجة.. مش ممكن نسيبه يطلع من هنا!
إنت بتقول إيه؟! طارق صرخ عليه. ده بابا!
بابا ولا مش بابا، لو فضل حي هتروح كلنا في ستين داهية! رد الراجل بوقاحة وقسوة. الفلوس اللي وعدتني بيها مش هتجي إلا لو خلصنا الموضوع من غير شهود!
لا.. قلت بكل قوة. أنا مش هتكلم.. الفلوس خدها.. بس سيبوا جودي تروح.. دي بنت مريم اللي كنت بتحبها!
مريم ماتت! نيرمين صرخت بكل غل وحقد. ودي ورثتها ومش هنسيبها تاخد حاجة! كل حاجة لينا.. البيت، الفلوس، حتى هي نفسها!
إيه؟! صرخت متفاجئ. عاوزين ياخدوها كمان؟!
هنقول إنك مريض واتوفيت.. والبنت هتتعيش معانا.. ولما تكبر شوية، هتبقى تحت إدارتنا.. وكل اللي ليها يبقى لينا! ردت بكل وقاحة.
طارق وقف بيني وبين الراجل أنا موافقتش على ده.. قلتلك ناخد الفلوس بس.. ما قلتلكش نأذي حد!
وأنا قلتلك إن الموضوع مش هينفع كده! الراجل دفع طارق بقوة لورا. إما تكمل معايا وإما تروح معاه! أنا مش هخاطر بكل حاجة عشان عاطفة زي دي!
اتخانقوا.. طارق حاول يدفعه، والراجل دفعه على الحيطة بقوة.. سمعت صوت طرقة قوية، وطارق سكت. الراجل التفت لي بعينين بتلمع بالشر دلوقتي ما فيش حد يحميك يا حاج.. ولا البت الصغيرة!
مد يده ناحيتي عشان يمسكني، بس فجأة سمعنا صوت كسر زجاج عالي من الشباك! الكل التفت بسرعة ناحية الصوت.. شفت عم شعبان واقف برة الشباك، وبيده عصاية طويلة، وصوته جهوري ملأ المكان
الشرطة جاية! محدش يتحرك! باب البيت محاط بالكامل!
الراجل ارتد لورا مرعوباً، ونيرمين وقعت الملف من إيدها واتشلت مكانها. طارق كان قاعد على الأرض بيحس براسه، ونظراته تيهت في الفراغ.
شعبان.. همست بفرحة غامرة. جيت في الوقت المناسب يا صديقي!
عم شعبان كان واقف ورا الشباك ومعاه تليفون مرفوع كل حاجة مسجلة من أول ما دخلوا البيت يا حاج.. الصوت والصورة.. كنت بتصور من شباك بيتي زي ما اتفقنا! لما شفت قربوا من غرفة النوم، كلمت الرجالة اللي في الشارع وقلتلهم يلتفوا حول البيت!
الباب اتفتح بقوة، ودخل ضباط الشرطة بسرعة، وسلطوا الأضواء على المكان كله. القائد اتقدم ناحيتي حضرتك الحاج عبد اللطيف؟ نحن معانا أمر ضبط وإحضار للثلاثة دول بتهمة الاقتحام والسرقة والتهديد بالسلاح!
الراجل حاول يهرب من الشباك بس الضباط قبضوا عليه فوراً. نيرمين وقفت تترجى أنا معملتش حاجة.. أنا جيت أزورهم بس!
الكاميرا والمايكروفون سجلوا كل كلمة قلتيها يا ست الكل.. قال الضابط ببرود. هتقولي كل حاجة في القسم!
التفت لطارق اللي لسه قاعد على الأرض، نظراته مكسرة ومش قادر يرفع راسه لي. قربت منه خطوة كنت أتمنى إنك تيجي تزورني بحب يا طارق.. مش عشان فلوس.. كنت هديك كل حاجة محتاجها بكل قلبي.. بس اللي عملته ده.. ما يغتفرش أبداً!
سامحني يا بابا.. همس بصوت مكسور ومليان دموع. الغلطة كانت كبيرة.. والندم مش هينفع دلوقتي.. أنا خسرت كل حاجة.. خسرت أهلي وثقتك ونفسي!
الندم بيجي متأخر أوي أحياناً يا ولدي.. رديت بمرارة. وكل واحد هياخد جزاء فعله في الدنيا والآخرة!
الضباط أخذوهما وهو مكتوفين الايدين، وطارق لسه بيبصلي بنظرة ما انسيتش لحد النهاردة.. نظرة خسارة وندم وحزن عميق كأنه عرف