عزومة العيد كان المفروض تكون لَمة عيلة حصري

لمحة نيوز

عايز يقوله، وعشان أرتاح. التقينا في مكتب آسر، وأنا كنت جنبه، مش وحدي. أبويا دخل، شكله كبر سنين في أسابيع، شعره بيضّ أكتر، وملامحه تعبانة ومکسورة.
إيمان.. قال بصوت مهزوز. أنا آسف.. ما كنتش أتخيل إنهم يقدرون يعملوا فيكِ كده.. طارق كان ولدي الوحيد، خفت أخسره.. فخسرتكِ أنتِ.. وده أكبر غلطة عملتها في حياتي!
آسف؟ قلت بهدوء. الكلمة دي مش بيرجعلي السنين اللي راحت يا بابا. مش بيرجعلي كرامتي اللي خسرتها، ولا ثقتي في نفسي ولا في حد منكم. بس اللي حصل حصل.. والعدالة هتاخد مجراها!
أنا مستعد أعوضكِ عن كل حاجة.. قال بكل تواضع. الشركة كلها، الفلوس، البيت.. كل حاجة ليكي!
أنا مش عايزة تمن يا بابا.. أنا عايزة الحقيقة بس.. وعايزة كل واحد يتحمل مسؤولية فعله. وآسر هو اللي هيقرر كل حاجة من الآن، لأنه هو اللي وقف جنبي وقت ما ما كانش حد!
الجزء الرابع المواجهة الكبرى والحق يعود لأصحابه
بعد شهر، عقد اجتماع الجمعية العمومية للشركة، وحضر كل المساهمين والموظفين الكبار. أنا كنت قاعدة جنب آسر، وأول مرة أدخل الشركة دي كمالكة مش كبنت مهانة. أبويا كان واقف على المنصة، وشكله محرج ومتعب. طارق ما جاش، لأنه كان مطلوب للتحقيق وممنوع من السفر.
آسر وقف وتكلم بصوت واثق وصل لكل الحاضرين السادة المساهمين.. اليوم اجتمعنا هنا مش عشان نبيع ولا نشتري.. عشان نصحح غلطة كبيرة حصلت قبل سنين. السيدة إيمان عبد الجواد هي المالك الشرعي لنصف أسهم الشركة، بعد ما اتثبت إن التهمة اللي اتوجهت ليها كانت مکيدة مدبرة من ابنها طارق اللي سرق المبلغ واستخدمها ككبش فداء!
الصوت ارتفع في القاعة، والناس بتبص لي بدهشة واحترام.. أنا اللي كانوا ما يعرفوش غير إنها بنت المدير اللي اتسرقت وسابت البيت!
أبويا تكلم بصوت خاڤت أنا أقر بكل المسؤولية.. وأعتذر من كل المساهمين ومن بنتي إيمان.. وأنا أتنازل عن كل أسهمي لصالحها، عشان تبدأ صفحة جديدة نظيفة من غير أخطاء الماضي!
اتصوت بالموافقة بالإجماع. وفي نفس اليوم، صدر قرار تعييني كمديرة تنفيذية للشركة جنباً إلى جنب مع آسر. لم أتخيل يوماً إنني سأكون في المكان ده.. بعد ما كنت أغسل المواعين وأخدمهم، أنا اللي بقرر مصير الشركة ومستقبلها!
بدأت أعمل بكل جدية وحب. كنت أدرس الملفات، أحضر الاجتماعات، وأتعلم من آسر اللي كان جنبي في كل خطوة. مرت شهور، والشركة بدأت تسترجع مكانتها، وازدهرت أكتر من قبل. الموظفين كانوا بيحترموني وبيقولوا إن الشركة صارت أحسن بكتير من الأول!
وذات يوم، كنت قاعدة في مكتبي، الباب اتفتح ودخلت أمي درية هانم. كانت واقفة مترددة، وشكلها مش عايزة تتكلم. قلت لها بهدوء اتفضلي يا أمي.. اقعدي.
قعدت قدامي، وبصت لي طويلاً قبل ما تتكلم إيمان.. كنت قاسېة معاكِ.. وكنت شايفة إن البنت لازم تخدم وتصمت.. وكنت شايفة إن طارق يستاهل كل حاجة.. بس الغلط كان مني.. أنا اللي ربيتكم على التفرقة والأنانية.. وأنا نادمة أوي!
أنا مش حاقدة عليكِ يا أمي.. قلت لها بصدق. بس لازم تعرفي إن المعاملة بالمثل.. لو كنتِ عاملتيني بحب واحترام، ما كانش كل ده حصل. اللي حصل حصل، وكل واحد أخذ جزاءه. طارق مسجون پتهمة الاختلاس والتزوير، وأبويا اعتزل العمل وأنتِ معاه.. وأنا هنا، بنيت حياتي من جديد!
دموعها نزلت سامحيني يا بنتي.. ممكن
أسامحيني؟
أنا سامحتكِ من زمان.. لأن الكره بيأكل صاحبه، وأنا مش عايزة أعيش بكره. بس لازم نبتعد فترة، عشان كل واحد يفكر في أفعاله. وإذا أردتي تقابليني، أنا مش همنعكِ!
خرجت من المكتب، وشعرت براحة كبيرة في قلبي. السماح مش ضعف.. هو قوة وتحرر!
الجزء الخامس السعادة تتويج رحلة الصبر
بعد سنة، كان يوم عيد.. مش عيد العيلة اللي كنت أخدمهم فيه، عيد أنا وآسر قررناه يوم فرحنا. كنا في حديقة الفيلا، ومعانا الأهل اللي بقيوا، ومنهم عمي اللي دايماً كان يقف جنبي، وبعض الأصدقاء المقربين.
آسر وقف قدامي، ومسك يدي بكل حب إيمان.. من يوم ما شفتكِ في المطبخ وأنتِ بتغسلين المواعين، حلفت إنني هجعلِكِ ملكة في الدنيا كلها.. واليوم، قدام الناس كلها، أطلب منكِ تتجوزيني.. عشان أكمل مشوار الحياة معاكِ، ونبني مستقبل مليان حب وعدالة!
دموع الفرحة نزلت من عينيّ، وقلت بصوت عالٍ سمعه كل الحاضرين موافقة يا آسر.. موافقة بكل قلبي!
الكل صفق بفرحة، والدنيا كلها كانت بتضحك لي. لبست الفستان الأبيض اللي حلمت بيه، وكنت أجمل عروسة.. لأن الفرحة دي جت بعد صبر طويل، والنجاح ده جى بعد كفاح وعدالة!
بعد الجواز، استمر نجاحنا. أسسنا معاً مؤسسة خيرية اسمها الأمل تساعد البنات اللي يتعرضن للظلم والتهميش، وتوفر لهن التعليم والعمل. كنت أقول لهن دايماً مهما كان الظلم قوياً، مهما كان المكان مظلماً، الشمس بتطلع في الآخر.. والحق بيرجع لأصحابه ولو بعد حين!
وذات يوم، وأنا قاعدة مع آسر على شرفة بيتنا الكبيرة، وناظرين للمدينة اللي تحتنا، قال لي شفتِ يا حبيبتي.. الصبر بيأتي بثمن غالي أوي!
صحيح.. رديت وأنا حاضناه. بس اللي بيصبر بياخد أحسن من اللي اتحرم منه!
بعد شهور، حملت بطفلنا الأول. كنت فرحة بلا حدود، وآسر كان أسعد راجل في الدنيا. واتفقنا إننا نعلمه الحب والعدالة والمساواة.. ونربيه على إن البنت والولد نفس القيمة، ونعلمه إن الظلم مهما طال لابد
ينتهي!
وفي يوم وضعت طفلي، سمّيتها نور.. لأنها كانت نور جديد في حياتي، ونور لكل من يظلم وينتظر الڤرج. كنت بشوفها وهي نايمة في حضڼي، وأشوف آسر وهو بتبسم لي.. عرفت إن كل ألم الماضي كان ضروري عشان أقدر أقدر قيمة السعادة دي!
مرت السنين، وكبرت نور، وكبرت معاها أعمالنا ومؤسستنا. وصرت من أشهر السيدات في مجال الأعمال، مش لأنني غنية، بل لأنني كنت أعطي وأساعد وأقف جنب كل محتاج. الناس كانت تتعجب من صبري ونجاحي، وكنت أقول لهم دايماً
النجاح مش بالفلوس ولا بالمناصب.. النجاح إنك تظلم وتصبر، وتقابل الإساءة بالإحسان، وتفضل قلبك نظيف مهما قست عليك الدنيا.. والله ما يضيع أجر من أحسن عملاً!
وذات يوم، زرت أبوي وأمي في بيتهم القديم. كانوا عايشين ببساطة، وبقوا ألطف وأكثر رحمة. لما شافوا نور، فرحوا بيها كتير، وقال أبويا هي شبهكِ يا إيمان.. نفس العيون ونفس الضحكة!
هي كمان شبه آسر.. قلت بابتسامة. وأتمنى إنها تاخد أحسن الصفات منا كلنا!
خرجت من بيتهم، وشعرت بالسلام الداخلي اللي كنت أتمناه. الماضي انتهى، والكل أخذ جزاءه.. وأنا بدأت حياة جديدة نظيفة، مليانة حب وأمل وعدالة!
وتبقى الكلمة الأخيرة
الظلم ظلمات، والحق يعلو ولا يعلى عليه.. والصبر مفتاح الڤرج، والله مع الصابرين.. مهما حاولوا يخفوا الحقيقة، مهما حاولوا يلتبسوا عليكِ الأمور، سيأتي اليوم الذي يُكشف فيه كل سر ويظهر كل خافي.. حينها سترين أن من ظلمك كان مجرد أداة لاختبار صبرك، وأن النصر كان ينتظرك في النهاية.. لا تحزني ولا
تيأسي، فإن مع العسر يسراً، وإن بعد الكرب فرجاً قريباً.. وما أجمل أن تمشي في الدنيا وقلبك نظيف، ويدك بيضاء، وذكرك باقٍ بالخير بين الناس.. تلك هي الحياة، وتلك هي الدنيا، والباقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام.. ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويَرزقه من حيث لا يحتسب.
تمت القصة بحمد الله وتوفيقه

تم نسخ الرابط