جوزي جاب

لمحة نيوز


أعرف أخويا.
قلتله
وأنا مش همنعك من ده.
بعد يومين، اتقابل محمود وكريم في مكتب المحامي.
أنا والحاجة سعاد كنا موجودين.
أول ما محمود شاف كريم، وقف مكانه.
كريم قام وقال
إزيك يا محمود.
محمود فضل باصص له.
وبعدين قال
إنت فعلًا أخويا؟
كريم رد
أيوه.
محمود قعد ببطء.
ليه محدش قالي؟
كريم نزل عينه.
ما أعرفش كل الأسباب. لكن أنا مش جاي ألومك على حاجة إنت ما كنتش تعرفها.
محمود سكت.
وبعدين مد إيده وصافحه.
كانت لحظة قصيرة، لكنها غيّرت شكل القعدة كلها.
المحامي فتح الملف وقال
فيه نقطة مهمة لازم نتكلم فيها.
الكل بص له.
قال
والدكم كان سايب خطاب ليكم أنتم الاتنين.
محمود اتفاجئ.
لينا إحنا الاتنين؟
المحامي هز راسه.
أيوه.
طلع الخطاب، وفتحه.
بدأ يقرأ
إلى ابنيّ محمود وكريم
لو وصل لكم الخطاب ده، يبقى أنا ما بقيتش موجود عشان أجمعكم بنفسي.
أنا عارف إن كل واحد فيكم عاش حياة مختلفة، وعارف إن سكوتي عن الحقيقة ممكن يكون وجعكم.
لكن أتمنى إنكم ما تخلوش الخلاف على المال يضيع فرصة إنكم تعرفوا بعض.
المشروع اللي بنيته مش أهم منكم.
ولو اختلفتم على الحقوق، ارجعوا للقانون، وخلي كل واحد ياخد حقه من غير ما يظلم التاني.
محمود نزل عينه.
وكريم مسح دمعة من على خده.
لكن المحامي قلب الورقة، وقال
فيه ملحق للخطاب.
محمود رفع عينه.
ملحق إيه؟
المحامي قال
والدكم كان محدد فيه شرط بخصوص إدارة المشروع.
وبعدين بصلي.
والشرط ده مرتبط بحقوق الأستاذة دينا.
أنا اتوترت.
أنا مالي بإدارة المشروع؟
المحامي رد
لأن والد محمود اختارك تكوني المسؤولة عن مراجعة الحسابات واتخاذ القرار المؤقت لحين تسوية حقوق الورثة.
محمود بصلي بدهشة.
وكريم قال
يعني القرار في إيدها؟
المحامي هز راسه.
في حدود المستندات والصلاحيات القانونية، أيوه.
سكت الجميع.
لكن قبل ما المحامي يكمل، محمود قال
أنا موافق إن دينا تراجع كل حاجة.
بصيت له.
حتى لو القرار مش في صالحك؟
رد من غير تردد
حتى لو مش في صالحي.
كانت أول مرة أسمع منه الجملة دي.
لكن المحامي رفع ورقة تانية، وقال
فيه مشكلة ظهرت في الحسابات، ولازم تعرفوها قبل ما تتخذوا أي قرار.
كريم قرب من المكتب.
مشكلة إيه؟
المحامي قال
فيه مبلغ كبير اتسحب من حساب المشروع قبل وفاة والدكم، ومش واضح لحد دلوقتي مين استلمه.
محمود بص لكريم.
وكريم بص لمحمود.
وبعدين المحامي أضاف
والمستند الوحيد اللي ممكن يوضح الحقيقة موجود في خزنة قديمة باسم الحاج عبدالعال.
والصدمة إن مفتاح الخزنة كان مع الحاجة سعاد طول السنين دي، لكنها كانت فاكرة إنها خزنة فيها أوراق عادية، وما كانتش تعرف إن جواها سر ممكن يغيّر مصير العيلة كلها.
يتبع
الجزء الثامن الخزنة اللي أبوهم سابها وراه
الحاجة سعاد فضلت باصة للمحامي، وكأنها مش مصدقة اللي سمعته.
مفتاح خزنة؟! أنا معايا مفتاح قديم فعلًا، بس عمري ما فتحت الخزنة دي.
المحامي هز راسه.
والد محمود سلّمك المفتاح قبل وفاته، وطلب منك تحتفظي بيه لحد ما ييجي الوقت المناسب.
محمود بص لأمه باستغراب.
وإنتِ ما قلتيليش؟
ردت بحزن
أبوك قال لي ما أتكلمش عنها، وأنا احترمت طلبه.
كريم اتدخل
طيب نقدر نفتحها دلوقتي؟
المحامي قال
الخزنة موجودة في مقر المشروع القديم، ولازم نروح كلنا، لأن المستندات تخص الورثة.
أنا بصيت لمحمود.
كان واضح إنه متوتر، لكنه المرة دي ما حاولش يفرض رأيه.
قال بهدوء
نروح.
بعد ساعة، كنا واقفين قدام مبنى قديم في وسط البلد.
المبنى كان فيه مكاتب ومخازن المشروع اللي بدأه الحاج عبدالعال من سنين طويلة.
الحاجة سعاد طلعت المفتاح من شنطتها.
إيديها كانت بتترعش.
محمود قرب منها وقال
اديني المفتاح يا أمي.
لكنها هزت راسها.
لأ يا ابني. المرة دي أنا اللي هفتحه.
دخلنا غرفة صغيرة في آخر الممر.
كانت فيها خزنة حديد قديمة.
الحاجة سعاد حطت المفتاح، ولفته مرتين.
الباب اتفتح بصوت تقيل.
جوا الخزنة كان فيه ملف كبير، وصندوق خشب صغير، ومظروف أبيض مكتوب عليه
إلى أولادي وإلى دينا.
محمود مد إيده للمظروف.
لكن كريم قال
استنى. خلينا نقرأه كلنا سوا.
فتح محمود المظروف.
كان جواه خطاب طويل.
بدأ يقرأ
يا أولادي
أنا عارف إن فيه أسئلة كتير هتفضلوا تسألوها بعد رحيلي.
وعارف إن سكوتي عن بعض الأمور ممكن يسبب خلافات بينكم.
لكن فيه حقيقة لازم تعرفوها.
المبلغ اللي اتسحب من حساب المشروع ما كانش سرقة، ولا كان حد أخده لنفسه.
أنا استخدمت المبلغ ده في إنقاذ المشروع من الإفلاس، بعد ما اتعرضنا لخسارة كبيرة.
محمود رفع عينه.
يعني الفلوس راحت في المشروع؟
المحامي قال
لسه لازم نراجع المستندات.
كمل محمود القراءة
وفي الوقت ده، كان فيه شخص وقف جنبي، وساعدني من غير ما يطلب أي مقابل.
الشخص ده كان أخوكم كريم.
كريم اتجمد مكانه.
أنا؟!
الحاجة سعاد بصت له بدهشة.
محمود كمل
كريم كان لسه شاب، لكنه ساعدني بمبلغ من مدخراته، ورفض ياخد أي ضمانات أو يطلب حصة إضافية في المشروع.
وأنا سجلت المبلغ في حساباته، عشان يرجع له حقه كاملًا.
كريم نزل عينه.
أنا كنت فاكر إن الفلوس دي راحت خلاص.
المحامي فتح الملف الموجود في الخزنة.
المستندات بتوضح إن والدكم كان مسجل المبلغ كقرض للمشروع، مش هبة.
كريم بص للمحامي.
يعني ليا فلوس عند المشروع؟
أيوه، وهنراجع قيمتها حسب المستندات.
محمود فضل ساكت.
وبعدين قال
وأنا كنت فاكر إنك جاي تطالبني بحاجة مش من حقك.
كريم رد بهدوء
أنا ما كنتش عايز أخسر أخويا قبل ما أعرفه.
محمود نزل عينه.
وأنا ظلمتك قبل حتى ما أقابلك.
لكن الخطاب كان لسه فيه جزء تاني.
المحامي أشار لمحمود يكمل.
قرأ
أما دينا
فأنا عارف إنك هتستغربي ليه اخترتك تكوني مسؤولة عن مراجعة حسابات المشروع.
أنا اخترتك لأنك كنتِ دايمًا بتفكري في الناس قبل المكسب.
ولأنك لما كنتِ بتشوفي محمود متعب من شغله، كنتِ بتحاولي تساعديه من غير ما تحسسيه إنه ضعيف.
أتمنى إنك تستخدمي ثقتي فيكي بحكمة، وإنك ما تسمحيش لأي حد يضغط عليكي عشان تتنازلي عن حقوقك.
دموعي نزلت.
محمود وقف جنبي، لكنه ما حاولش يمسك إيدي.
قال بصوت منخفض
أبويا كان شايفك أكتر مني.
رديت
يمكن لأنه كان بيسمعني.
سكت.
وبعدين بص للمحامي.
طيب إيه موضوع المبلغ اللي اتسحب؟
المحامي فتح آخر مستند.
كان فيه توقيع الحاج عبدالعال، وتوقيع محاسب المشروع.
قال
المبلغ اتصرف فعلًا لإنقاذ المشروع، لكن فيه جزء من الحسابات لسه محتاج مراجعة.
كريم سأل
يعني فيه مشكلة؟
المحامي رد
فيه فرق بين المبلغ المسجل في الدفاتر والمبلغ الموجود في الإيصالات.
محمود اتوتر.
قد إيه الفرق؟
المحامي ذكر الرقم.
كريم قام من مكانه.
ده مبلغ كبير!
الحاجة سعاد حطت إيدها على صدرها.
يا رب استر.
المحامي قال
مش معنى وجود فرق إن فيه حد سرق. ممكن يكون فيه مستندات ناقصة أو خطأ في التسجيل، لكن لازم نراجع كل حاجة.
محمود بصلي.
دينا، إنتِ تقدري تساعدينا في مراجعة الحسابات؟
قلت
أقدر أشارك في المراجعة، لكن لازم يكون فيه محاسب مستقل، وكل حاجة تبقى موثقة.
هز راسه.
موافق.
بعد يومين، بدأنا مراجعة الحسابات مع محاسب مستقل.
كل يوم كنا بنكتشف مستند جديد، أو إيصال قديم، أو تحويل مالي كان متسجل بطريقة مختلفة.
وفي اليوم الرابع، المحاسب طلب يقابلنا كلنا.
قعدنا في المكتب، وفتح ملف الحسابات.
قال
قدرت أوصل لسبب الفرق.
محمود قرب منه.
إيه هو؟
المحاسب رد
جزء من المبلغ اتسجل مرتين في الدفاتر، وده عمل فرق وهمي في الحسابات.
كريم تنفس براحة.
يعني مفيش فلوس ضايعة؟
لسه فيه مبلغ صغير محتاج مراجعة، لكن الجزء الأكبر اتفسر.
الحاجة سعاد حمدت ربنا.
أما محمود، فكان ساكت.
وبعدين قال
الحمد لله.
بعد الاجتماع، محمود طلب يتكلم معايا لوحدنا.
وقفنا في ممر المكتب.
قال
دينا، أنا عارف إنك مش مطالبة تساعديني في أي حاجة بعد اللي حصل.
قلت
أنا بساعد في موضوع يخص حقوق العيلة، مش عشان أرجعلك.
هز راسه.
فاهم.
وبعدين قال
أنا بدأت جلسات الاستشارة اللي قلتلك عليها.
بصيت له.
كويس.
وعرفت إن المشكلة مش في إنك كنتِ بتعملي واجباتك المشكلة إني كنت متوقع إن كل حاجة لازم تمشي بالطريقة اللي أنا عايزها.
سكت لحظة.
أنا مش بطلب منك قرار دلوقتي. بس عايزك تعرفي إني بحاول أتغير فعلًا.
قلتله
التغيير مش كلام يا محمود. محتاج وقت.
رد
وأنا مستعد أديكي الوقت ده.
في نفس الليلة، كنت قاعدة مع الحاجة سعاد في البيت.
قالتلي
يا دينا، أنا عارفة إنك اتوجعتي كتير، ومش هقولك سامحيه عشان خاطري.
مسكت إيدي.
بس عايزاكي تعرفي إنك تستاهلي تعيشي مرتاحة، سواء مع محمود أو بعيد عنه.
ابتسمت لها وسط دموعي.
ربنا يخليكي ليا.
لكن قبل ما نكمل كلامنا، وصلني اتصال من المحامي سامح.
قال بصوت جاد
يا أستاذة دينا، فيه مستند جديد ظهر النهارده، وبيخص ملكية الشقة نفسها.
قلبي دق بسرعة.
إيه المستند ده؟
رد
عقد قديم بيثبت إن والد محمود كان عنده اتفاق مع جهة تانية قبل ما يسجل الشقة باسمك.
سكت لحظة، وبعدين قال
لازم تشوفيه بنفسك، لأن فيه بند ممكن يغيّر فهمنا للموضوع كله.
قفلت المكالمة وبصيت للحاجة سعاد.
قالت
خير يا بنتي؟
رديت وأنا بحاول أتماسك
مش عارفة بس واضح إن أبو محمود كان سايب أسرار أكتر مما تخيلنا.
وفي صباح اليوم التالي، لما فتحت العقد الجديد، اكتشفت إن الشقة مش بس كانت هدية من أبو محمود لكن كان فيه شرط متعلق بمستقبل أولادنا، وشرط تاني ممكن يخلي محمود نفسه يضطر يختار بين مصلحته الشخصية وحق عيلته.
يتبع
في صباح اليوم اللي بعده، كانت دينا قاعدة قدام المحامي، وحاطة العقد القديم على الترابيزة.
المحامي قلب صفحاته ببطء، وبعدين وقف عند بند معين.
قال هنا بالذات لازم نفهم حاجة مهمة الورقة دي مش معناها إن محمود فقد ملكيته أو إن والدُه كان يقدر يمنعه من التصرف في كل حاجة. الموضوع أدق من كده.
دينا بصت له أمال معناها إيه؟
المحامي حط صباعه على السطر.
والد محمود كان عامل اتفاق موثق وقت شراء الشقة مش نقل ملكية جديد، لكن ترتيب انتفاع وضمان. بمعنى إن الشقة دي كانت مخصصة كسكن آمن ليكي ولأولادك، ولو حصل خلاف بينك وبين محمود، ما ينفعش تتباع لمجرد إنه محتاج فلوس لمشروع أو قرار شخصي.
محمود، اللي كان واقف بعيد، قال بصوت منخفض
وأنا كنت عارف الكلام ده؟
المحامي بص له مباشرة
أبوك بلغك بجزء منه لكن واضح إنك ما قرأتش باقي المستندات.
سكت محمود.
دينا ما بصتش له.
المحامي أخرج ورقة تانية وقال
وفي حاجة أهم.
الحاجة سعاد قربت منه
إيه؟
والد محمود كتب ملاحظة بخط إيده بعد الاتفاق بشهور.
فتح الورقة.
وكان مكتوب
لو ابني في يوم من الأيام شاف إن الشقة دي مجرد أصل يبيعه عشان يهرب من مشكلة، يبقى هو نسي ليه أنا اشتريتها أصلاً.
الحاجة سعاد غمضت عينيها للحظة.
ومحمود لأول مرة ما لاقاش رد.
لكن المحامي ما اكتفاش بكده.
قال
وفي شرط تاني متعلق بالمشروع.
دينا رفعت عينيها
شرط إيه؟
الأرباح اللي تخص حصة والدك ما تتوزعش قبل ما تتسدد المبالغ اللي دفعها كريم، ويتراجع حساب المشروع بالكامل.
محمود اتوتر
يعني كريم هيوقف المشروع؟
المحامي هز رأسه
لا. بالعكس. لو الحسابات سليمة، المشروع يكمل. لكن لازم كل واحد يعرف حقه.
كريم، اللي كان ساكت من أول الاجتماع، قال
وأنا مش عايز آخد جنيه زيادة عن حقي.
وبص لمحمود
ومش عايز أخسر أخويا بسبب فلوس أبويا.
الجملة وقعت على محمود كأنها حمل تقيل.
لأول مرة بص لكريم باعتباره أخوه، مش باعتباره الشخص اللي ظهر فجأة عشان يطالب بحقه.
وقال
ليه ما قلتليش من زمان؟
كريم ابتسم بحزن
لأن أبوك طلب مني أستنى.
تستنى إيه؟
لحد ما تبقى مستعد تعرف إن أبوك كان سايبلك أكتر من فلوس.
سكت الكل.
كريم أخرج ظرف صغير من شنطته.
وحطه قدام محمود.
ده آخر جواب كتبهولي.
محمود فتح الظرف بإيد بتترعش.
قرأ أول سطر
وبعدين اتجمد.
دينا لاحظت إن وشه اتغير.
قالت الحاجة سعاد
مكتوب إيه يا محمود؟
محمود ما ردش.
فضل يقرأ.
وبعد ثواني، رفع عينه ناحية دينا وقال
أبويا كان عارف إني هعمل كده.
دينا سألت بهدوء
تعمل إيه؟
بلع ريقه.
كان عارف إني في لحظة ضغط ممكن أفكر أبيع الشقة وأسيب كل حاجة وأبدأ من جديد.
المحامي قال
وكان عشان كده سايب لك الرسالة.
محمود مد الورقة لدينا.
دينا قرأتها.
وكان آخر سطر فيها
لو وصلت للمرحلة اللي تحسب فيها أمان بيتك بخسارة مشروع، افتكر إن المشروع ممكن يتصلح لكن ثقة الناس فيك لما تتكسر، مش دايمًا بتتصلح.
دينا سكتت طويلًا.
وبعدين حطت الورقة على الترابيزة.
وقالت
أنا مش عايزة منك اعتذار عشان الورق طلع في صالحي.
محمود بص لها.
أنا عايزة أشوفك بتتغير لأنك فهمت غلطك مش لأنك اكتشفت إن الشقة مش هتتباع.
محمود ما ردش.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي، المحامي قال فجأة
استنوا.
وقلب آخر ورقة في الملف.
كان فيه اسم مكتوب بخط اليد.
اسم شخص ما حدش في الغرفة يعرفه.
وتحت الاسم جملة واحدة
الشخص ده لازم يحضر اجتماع تسوية المشروع لأنه الوحيد اللي يعرف الحقيقة الكاملة عن أول يوم اتفتح فيه المشروع.
الحاجة سعاد قربت من الورقة، وأول ما شافت الاسم، وشها اتغير تمامًا.
دينا لاحظت.
قالت
إنتِ تعرفيه؟
الحاجة سعاد ما جاوبتش.
فضلت ساكتة ثواني
وبعدين قالت بصوت متقطع
أيوه
مين؟
بصت لمحمود وكريم.
وقالت
ده شريك أبوكم القديم.
ثم أضافت
والرجل ده اختفى من حياتنا من حوالي عشرين سنة بعد ما حصلت المشكلة اللي أبوكم عمره ما رضي يحكي عنها الحاجة سعاد فضلت واقفة مكانها، وعينيها مثبتة على الاسم.
محمود قرب منها
ماما إنتِ بتعرفيه منين؟
رفعت عينيها عليه وقالت
مش أنا اللي أعرفه أبوك هو اللي كان يعرفه كويس.
كريم سألها
وكان شريكه؟
هزت راسها.
أيوه. قبل ما المشروع يكبر، وقبل ما يبقى عندكم مباني وحسابات ومحامين كان فيه اتنين بدأوا من الصفر. أبوكم والرجل ده.
المحامي سأل
طيب ليه انفصلوا؟
الحاجة سعاد سكتت.
دينا لاحظت إن إيديها بدأت ترتعش.
قالت بهدوء
لو الموضوع ليه علاقة بحقوق المشروع، لازم نعرف.
الحاجة سعاد بصت لها، وبعدين قالت
أبوكم اتهمه إنه أخد فلوس من المشروع.
محمود اتصدم
يعني كان بيسرقه؟
لا.
ردت بسرعة.
أبوك اتهمه لكن بعد سنين اكتشف إن الموضوع ما كانش بالشكل ده.
كريم عقد حاجبيه
يعني إيه؟
الحاجة سعاد قعدت على الكرسي.
في السنة اللي المشروع كان فيها على وشك الانهيار، اختفت دفعة كبيرة من الفلوس. الحسابات كانت ناقصة، والرجل ده كان آخر واحد ماسك الدفاتر.
محمود قال
وأبويا افتكر إنه سرق؟
أيوه.
وبعدين؟
الحاجة سعاد بصت للملف.
بعد ما خرج من المشروع، أبوكم بدأ يراجع كل حاجة بنفسه واكتشف إن فيه توقيعات اتعملت على أوراق ما شافهاش قبل كده.
المحامي تدخل
يعني احتمال وجود تلاعب في المستندات؟
بالضبط.
دينا سألت
واسم الشخص ده موجود في الأوراق الجديدة ليه؟
المحامي قلب الورقة ناحيتهم.
لأن فيه مستند من السنة دي مرفق بملف المشروع.
محمود قرب بسرعة
السنة دي؟
أيوه.
يعني هو رجع؟
المحامي هز رأسه.
مش بس رجع.
وأخرج صورة من الملف.
هو تواصل مع مكتب المحاماة من شهرين، وطلب مقابلة أصحاب الحقوق في المشروع.
كريم قال
طب ليه ما قالش الحقيقة من الأول؟
المحامي رد
لأنه قال إن عنده مستند لازم يشوفه بنفسه قبل ما يتكلم.
دينا بصت للصورة.
كانت صورة قديمة جدًا.
أبو محمود واقف جنب شريكه قدام أول مقر للمشروع.
وفي الخلفية لافتة صغيرة مكتوب عليها اسم الشركة.
لكن دينا لاحظت حاجة غريبة.
على طرف الصورة، كان فيه شخص ثالث واقف بعيد.
قالت
مين الراجل ده؟
الكل بص للصورة.
الحاجة سعاد قربت منها.
وأول ما شافت الشخص، سكتت تمامًا.
محمود قال
ماما؟
لكنها ما ردتش.
كريم أخذ الصورة منها.
وبص للشخص.
إنتِ تعرفيه؟
الحاجة سعاد قالت بصوت منخفض
ده أخو أبوكم.
محمود اتجمد.
عمي؟
هزت رأسها.
أيوه.
كريم قال
بس أنا طول عمري فاكر إن أبويا كان وحيد.
الحاجة سعاد ردت
لأن أخوه سافر واختفى بعد الخلاف ده مباشرة.
المحامي قال
طيب كده الموضوع بقى أكبر من مجرد حسابات ناقصة.
دينا سألته
إزاي؟
قال
لأن اسم عم محمود ظهر في مستندات الملكية القديمة وفيه توقيع منسوب له.
محمود أخد الورقة.
قرأ التوقيع.
وبعدين بص لأمه
ماما إنتِ كنتِ عارفة إن فيه حاجة ناقصة في قصة أبويا؟
الحاجة سعاد دمعت عينيها.
كنت عارفة إن فيه جزء ما اتقالش.
ليه ما قلتيليش؟
لأن أبوك قبل ما يموت قال لي سيبي ولادي يعيشوا من غير ما يحملوا ذنب خلاف قديم.
محمود سكت.
لكن دينا لاحظت إن كريم كان بيبص للورقة بطريقة مختلفة.
قالت له
إنت عرفت حاجة؟
كريم اتردد.
فيه حاجة واحدة أبويا قالهالي زمان.
إيه؟
كريم أخرج موبايله، وفتح تسجيل صوتي قديم جدًا.
صوت رجل كبير ظهر من السماعة
لو في يوم رجعتوا تدوروا على أصل الحكاية ما تبدأوش من الفلوس.
الصوت سكت لحظة.
ثم قال
ابدأوا من اليوم اللي اتغير فيه اسم الشركة.
وانتهى التسجيل.
الكل بص لبعض.
المحامي قال
اسم الشركة؟
كريم هز رأسه.
أيوه.
دينا سألت
وإيه الاسم القديم؟
كريم رفع عينه ببطء.
وقال
اسم الشركة الأول كان باسم شخص تاني مش باسم أبو محمود كريم ما لحقش يكمل، لأن محمود خطف منه الورقة وقال
يعني إيه اسم الشركة كان باسم شخص تاني؟ أبويا هو اللي بدأها!
كريم رد بهدوء
هو اللي كملها لكن مش هو اللي بدأها.
الحاجة سعاد غمضت عينيها وقالت
خلاص الظاهر إن الوقت جه إن كل حاجة تتقال.
دينا بصت لها.
إنتِ عارفة؟
مش كل حاجة بس عارفة إن أبو محمود ما بدأش المشروع لوحده.
المحامي فتح الملف القديم، وبدأ يقارن بين الأوراق.
هنا فيه عقد تأسيس قديم جدًا لكن الصفحة الأولى ناقصة.
محمود قال
ناقصة إزاي؟
الورقة اتشالت من الملف قبل ما يتوثق بالشكل النهائي.
كريم قال
وأبويا كان محتفظ بصورة منها.
أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا.
دينا قربت منه.
الصورة دي فيها إيه؟
كريم فتح الظرف، وطلع منه مستند مصفر.
المحامي أخده وقرأه.
ثم سكت.
محمود سأله
مالك؟
قال
الاسم الموجود هنا هو اسم مؤسس المشروع الأصلي.
كريم بص لمحمود.
اسمه عماد.
محمود اتنفس ببطء.
عماد مين؟
الحاجة سعاد ردت
عماد أخو أبوك.
محمود قام من مكانه.
يعني عمي هو اللي بدأ المشروع؟
هو وأبوك مع بعض.
كريم أضاف
لكن عمك خرج من المشروع بعد الخلاف، وأبوك أكمل وحده.
المحامي هز رأسه
وده يفسر ليه فيه اختلاف بين بعض العقود القديمة والعقود اللاحقة.
دينا سألت
طيب ليه عماد اختفى؟
الحاجة
 

تم نسخ الرابط