رواية كاملة
— طليقتي بتموت ومفيش حد ليها... وأنا عايز أجيبها تعيش معانا كام أسبوع.
لما جوزي أحمد قالّي الجملة دي وإحنا قاعدين في الصالة في بيتنا بمدينة نصر، افتكرت في الأول إني سمعت غلط.
بصيت له وقلت:
— مين؟
قال:
— نادية... طليقتي.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— الدكاترة قالوا إن المرض منتشر في جسمها، وهي خلاص مش عايزة تكمل علاج. ملهاش حد قريب هنا، واتصلت بيا لأنها مش عارفة تروح لمين.
أحمد كان عينه مليانة دموع.
— أنا مش هقدر أعيش وضميري مرتاح لو سبتها تموت لوحدها.
ومسك إيدي.
— أنا عارف إني بطلب منك حاجة تقيلة أوي يا سلمى.
إحنا بقالنا ست سنين متجوزين.
وأحمد كان صاحب ورشة سمكرة ودوكو معروفة في المنطقة، وأنا كنت بشتغل من البيت في مراجعة الفواتير والحسابات لشركة بتتعامل مع مستشفيات خاصة.
يعني كنت متعودة أتعامل مع تقارير طبية وأدوية وحالات مرضية.
وعارفة كويس يعني إيه مرض خطير.
وعارفة يعني إيه إن حد يكون في آخر أيامه.
لكن الليلة دي...
ما فكرتش بعقلي كواحدة فاهمة في المجال.
فكرت كزوجة.
افتكرت إني متجوزة راجل عنده أصل، ومش بيقدر يسيب إنسانة محتاجة له.
ابتسمت وقلت:
— خليها تيجي.
— متأكدة؟
— محدش يستاهل يقضي آخر أيامه لوحده.
بعد تلات أيام، نادية دخلت بيتنا وهي متعلقة في دراع أحمد.
كانت لابسة إسدال واسع، وحاطة طرحة رمادي على راسها، ووشها شاحب جدًا.
كانت بتمشي ببطء لدرجة إنك تحس إنها ممكن تقع من أقل حركة.
جهزنالها أوضة الضيوف اللي في الدور الأرضي.
ومن ساعتها...
حياتي كلها تقريبًا بقت بتدور حواليها.
كنت بعمل لها شوربة.
وبطاطس مهروسة.
وأعشاب دافية.
وغيرت مكان شغلي من الأوضة للترابيزة اللي في السفرة عشان أفضل سامعاها لو احتاجتني.
وفي أوقات كتير كانت تمد إيدها لي وتقول:
— سلمى... ممكن تساعديني أوصل للحمام؟
وأنا كنت أمسك دراعها وأمشي معاها خطوة خطوة.
كانت تبصلي بعينين مليانين امتنان.
— ربنا يخليكي... إنتِ رجعتيلي كرامتي. مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك.
وأنا كنت برجع المطبخ أغسل المواعين وقلبي مقبوض عليها.
كنت فعلًا مصدقة إنها بتموت.
لكن بعد أسبوعين...
بدأت حاجات صغيرة ما تدخلش دماغي.
نادية ما راحتش ولا مرة لدكتور.
ولا مرة شوفت ممرضة تيجي لها.
ولا مرة شوفت علاج قوي أو محاليل.
على الكومودينو جنب سريرها كان فيه شريط فيتامينات، ومسكن عادي، وشوية أكياس أعشاب.
الأغرب...
إن حالتها ما كانتش بتتغير.
خمس أسابيع عدوا.
لا ساءت...
ولا تحسنت.
كانت بالظبط زي ما دخلت أول يوم.
وفي يوم، دخلت لها الشاي.
الباب كان موارب.
وقبل ما أخبط...
سمعت صوتها.
لكن الصوت ده ماكانش صوت واحدة في آخر أيامها.
كانت بتضحك.
ضحكة عالية وطبيعية جدًا.
وسمعتها بتقول:
— أنا أصلًا زهقت من فيلم شاي الزنجبيل ده! بس أحمد بيقول إن الموضوع قرب يخلص خلاص.
جسمي كله اتجمد.
وقفت مكاني.
إيدي اتلجت.
وفي اللحظة دي، رجلي خبطت في طرف الباب.
دخلت.
في أقل من ثانية، نادية رجعت تمددت وسط المخدات.
وشها بقى شاحب.
ونَفَسها بقى تقيل.
بصتلي وقالت:
— يا حبيبتي يا سلمى... إنتِ ملاك.
ابتسمت لها.
وقربت وعدلت لها البطانية.
وما قلتش ولا كلمة.
في الليلة دي، اتصلت بأختي نهى، وكانت ممرضة واشتغلت فترة في رعاية الحالات الحرجة.
حكيتلها كل حاجة.
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
— سلمى، أنا مش هقدر أقولك إن واحدة بتدعي إنها في آخر مراحل المرض من غير ما أشوف تقاريرها. بس اللي بتحكيهولي مش شبه خالص حالة واحدة في أيامها الأخيرة.
سكتت.
— في حاجة غلط هنا.
من يومها...
بدأت أخلي بالي من كل تفصيلة.
كل كلمة.
كل حركة.
كل مرة أحمد يدخل أوضة نادية.
وكل مرة هما الاتنين يفتكروا إني مش واخدة بالي.
وبعد أسبوع...
حصلت الحاجة اللي قلبت كل حاجة.
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
صحيت على صوت باب البيت وهو بيتقفل.
مديت إيدي جنبي.
أحمد مش موجود.
قمت من السرير ومشيت ناحية الشباك.
ولما بصيت من ورا الستارة...
اتجمدت.
نادية.
نفس الست اللي قبلها بست ساعات كانت محتاجة تمسك في دراعي عشان توصل للحمام...
كانت بتعدي الجراج بسرعة.
لابسة فستان أسود شيك.
شعرها معمول.
ميكاب كامل.
وكعب عالي.
ولا أثر لأي تعب.
أحمد كان مستنيها عند عربيته.
ركبت.
وقبل ما العربية تتحرك...
مالت عليه وباسته.
فضلت واقفة مكاني.
ما صرختش.
ما نزلتش أواجههم.
لكن لما العربية اتحركت...
بصيت تحت.
لقيت فردة كعب سودا واقعة جنب الرصيف.
نزلت.
خدتها.
ورجعت البيت.
ما نمتش طول الليل.
وفي الصبح...
عملت القهوة زي كل يوم.
حطيت الفطار على السفرة.
واستنيت.
نادية دخلت وهي بتجر رجليها.
وبمجرد ما شافت فردة الكعب...
وشها اتغير.
الكوباية وقعت من إيدها واتكسرت.
أحمد بصلي.
— في إيه يا سلمى؟
حطيت فردة الكعب في نص السفرة.
وبصيت لنادية.
— خلي بالك يا نادية...
وبصيت على رجليها.
— على حالتك الصحية دي، المفروض ما تعمليش حركات مفاجئة كده.
سكتوا.
ولا واحد فيهم عرف يقول كلمة.
دخلت أوضتي.
وقفلت الباب.
لكن بدل ما أبكي...
طلعت ورقة.
وكتبت:
"السؤال مش: ليه أحمد خرج معاها؟ السؤال الحقيقي: هما عايزين مني إيه؟"
وفجأة...
افتكرت حاجة.
قبل دخول نادية بيتنا بشهرين تقريبًا، أحمد كان طلب مني ملف قديم.
قال:
— محتاج أشوف عقد الشقة.
سألته:
— ليه؟
قال:
— المحامي طلب صورة منه.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي...
فتحت الدرج.
الملف كان مكانه.
لكن عقد الملكية الأصلي...
اختفى.
اتصلت بأحمد.
— إنت خدت عقد ملكية الشقة؟
— لأ.
— متأكد؟
— أيوه.
قفلت.
وبعدها بدقائق، سمعت صوت نادية وهي بتتكلم في التليفون.
قربت من الباب.
سمعتها:
— هي لسه هنا.
سكتت.
— أيوه، بدأت تشك.
وبعدين:
— ما تقلقش... أحمد مش هيقول لها حاجة.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— المهم العقد الأصلي يطلع من البيت قبل ما تفهم هو ليه مهم.
رجعت أوضتي.
وقلبي بيدق.
العقد.
يبقى الموضوع كله له علاقة بالشقة.