رواية كاملة

لمحة نيوز


جدًا.
وفجأة فهمت.
الفرح ما كانش هو الهدف.
الفرح كان مجرد وسيلة.
هم كانوا محتاجين يضخوا فلوس في الشركة.
ويستخدموا مناسبة الفرح عشان يطلعوا فواتير ومصاريف وهمية.
وبعدين يحطوا الالتزام المالي على شخص عنده قدرة على الدفع.
أنا.
لأنهم كانوا عارفين إن اسمي الوظيفي، ومركزي، وحسابي البنكي، وسمعتي المالية...
كل ده هيخلي الناس تصدق إن المبلغ فعلًا عليّ.
لكن كان فيه شيء لسه ناقص.
مين صاحب الفكرة؟
كنت فاكرة إنه كريم.
لحد ما المحامي وراني نسخة من أول مسودة عقد.
المسودة كانت مكتوبة قبل الفرح بخمسة شهور.
وفيها اسم المسؤول المالي.
مريم عبد الرحمن.
من أول يوم.
يعني الموضوع ما بدأش لما الفرح اتغيّر.
الموضوع كان مخطط له من البداية.
وفي أسفل الصفحة كان فيه اسم الشخص اللي طلب إعداد العقد.
والاسم كان
أبويا.
قعدت ساكتة.
مش مصدقة.
كل مرة كنت بقول لنفسي إن كريم هو اللي بيستغلني.
طلع أبويا عارف.
أو على الأقل مشارك.
وده كان أصعب من أي مبلغ.
لأن الغريب اللي يحاول ينصب عليك تتوقع منه أي حاجة.
لكن أبوك؟
المفروض يكون آخر شخص تخاف منه.
قررت أواجههم.
لكن مش في البيت.
اتصلت بأبويا.
بابا، ممكن تيجي بكرة عندي؟
ليه؟
عايزة أخلص موضوع الفلوس.
صوته اتغير.
خلاص هبعت لك رقم الحساب.
لأ.
أمال؟
تعال إنت وكريم ونورهان.
سكت.
ليه كلنا؟
قلت
عشان عندي حاجة مهمة عايزة أقولها لكم.
تاني يوم، دخلوا مكتبي.
أبويا.
كريم.
نورهان.
والغريب إنهم دخلوا وهم مبتسمين.
كأنهم جايين يستلموا شيك.
حطيت قدامهم ملف.
وقلت
قبل ما نتكلم عن ال٤٦٨ ألف، عندي سؤال.
كريم قال
اسألي.
فتحت أول ورقة.
مين وقّع هنا؟
بص كريم للورقة.
إنتِ.
قلت
غلط.
وحطيت التقرير قدامهم.
التوقيع مزور.
نورهان بدأت تتوتر.
أبويا قال
مريم، ما تعقديش الموضوع.
حطيت ورقة تانية.
ودي؟
سكت.
ورقة تالتة.
ودي؟
وبعدين حطيت كشف التحويلات.
ودي فلوس الشركة.
ماحدش اتكلم.
قلت
أنا مش هطلب من حد يفسر لي ليه اسمي اتكتب في العقود.
لأن عندي تفسير.
وبصيت لكريم.
إنت استخدمت صورة بطاقتي وصورة توقيعي اللي أنا بعتهم لك.
كريم حاول يتكلم.
ميرو، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة...
قاطعته
لأ. الموضوع بالضبط زي ما أنا فاهمة.
وبعدين بصيت لأبويا.
وإنت كنت عارف.
أبويا وشه اتغير.
أنا كنت بحاول أساعد أخوك.
قلت
على حسابي؟
إنتِ أختك الكبيرة.
ضحكت.
لأ يا بابا.
وسكت لحظة.
أنا مش بنك.
كريم ضرب بإيده على الترابيزة.
إحنا كنا هنرجع لك الفلوس!
قلت
إمتى؟
ما ردش.
بعد عشر سنين؟
سكت.
ولا بعد ما الشركة تكسب؟
نورهان بدأت تبكي.
وقالت
مريم، أنا ما كنتش عايزة الموضوع يوصل لكده.
بصيت لها.
بس إنتِ كنتِ شريكة.
هزت راسها.
كريم قال لي إنك موافقة.
قلت
وصدقتيه؟
قالت
هو أخوك.
ابتسمت.
وأنا أخته برضه.
ثم أخرجت آخر ورقة.
وحطيتها قدامهم.
دي أهم ورقة.
كريم أول ما شافها، وشه شحب.
أبويا قرب منها.
إيه دي؟
قلت
تسجيل مكالمة بين كريم ومدير الشركة.
كريم انتفض.
إنتِ سجلتيني؟
قلت
المكالمة مش بيني وبينك.
وسكت.
المدير هو اللي بعتها للمحامي بعد ما عرف إن فيه تزوير.
وفي التسجيل، كان صوت كريم واضحًا
مريم عمرها ما هتراجع التفاصيل. أول ما بابا يكلمها هتدفع. هي طول عمرها بتشيل عننا.
الصمت اللي حصل بعدها كان أطول من أي خناقة.
أبويا بص لكريم.
إنت قلت كده؟
كريم ما ردش.
بصيت لأبويا.
دلوقتي فهمت ليه كنت واثق إني هدفع؟
ما ردش.
قلت
لأنكم عارفين إني طول عمري بحل مشاكلكم.
وبعدين وقفت.
بس المشكلة إنكم نسيتوا حاجة.
كريم قال
إيه؟
قلت
أنا بحل المشاكل.
ابتسمت.
مش بشتريها.
خرجوا من مكتبي من غير ما ياخدوا جنيه.
لكن القصة ما خلصتش هنا.
بعد أسبوع، وصلني إخطار رسمي إن الشركة بدأت إجراءات قانونية ضدي للمطالبة بالمبلغ.
واضح إنهم كانوا فاكرين إني هخاف.
لكن المحامي كان جاهز.
قدمنا أصل التحويلات.
وصور المستندات.
وتقرير التزوير.
والرسائل.
والتسجيل.
والأهم...
أثبتنا إن بعض الخدمات المذكورة في الفواتير لم تُقدّم أصلًا.
بعد شهور من التحقيق، اتضح إن جزءًا من الأموال اللي اتدفعت تحت بند الفرح اتنقل لحسابات مرتبطة بالشركة.
وبدأت الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عن التزوير والمستندات.
أما ال٤٦٨ ألف جنيه...
فما دفعتش منها جنيه واحد.
والأغرب إن القاعة نفسها تراجعت عن مطالبتها لي بعد ما ظهر لها إن التوقيع غير صحيح.
لكن أكتر حاجة وجعتني ما كانتش التحقيقات.
كانت أمي.
بعد كل ده بشهرين، جت لي لوحدها.
قعدت قدامي وقت طويل من غير ما تتكلم.
وبعدين قالت
أبوكي كان بيقول إنك مهما حصل مش هتسيبيه.
بصيت لها.
وأنا فعلًا ما سبتهوش.
أمال ليه عملتي كده؟
قلت
عشان ما ينفعش أسيب نفسي عشانه.
دموعها نزلت.
إنتِ قاسية.
هزيت راسي.
يمكن.
وسكت.
بس أنا تعبت من إن طيبتي تتفهم كأنها واجب.
ما جاوبتش.
وقبل ما تمشي، قالت
كريم عايز يكلمك.
قلت
لما يبقى عايز يصلح اللي عمله، مش لما يبقى عايز يبرر.
مرت سنة.
العيلة اتفرقت.
كريم خسر الشركة، ودخل في تسويات والتزامات قانونية.
نورهان انفصلت عنه بعد ما اكتشفت إنه كان مخبي عنها ديون تانية.
وأبويا؟
ما بقاش يطلب مني فلوس.
مش لأنه اتغير فجأة.
لكن لأنه عرف إن مريم القديمة...
مش موجودة.
أما أنا، فاحتفظت بالورقة اللي بدأت منها كل الحكاية.
عقد الفرح.
حطيته في درج مكتبي.
مش عشان أفتكر الوجع.
عشان أفتكر حاجة أهم
إن أكبر غلطة عملتها في حياتي ما كانتش إني ساعدت أهلي.
كانت إني صدقت إن مساعدتهم معناها إني لازم أدفع ثمن كل أخطائهم.
وبعد سنة كاملة، وأنا خارجة من الشغل، لقيت رسالة من كريم.
فتحتها.
كان كاتب
أنا عارف إنك يمكن مش هتسامحيني، بس عايز أقول لك إنك كنتِ صح.
فضلت باصة للرسالة شوية.
وبعدين قفلت الموبايل.
ما رديتش.
مش لأن قلبي حجر.
لكن لأن بعض الأبواب لما تتقفل...
مش لازم تتفتح تاني لمجرد إن الشخص اللي وراها ندم.
ركبت عربيتي.
وشغلتها.
وفي طريقي للبيت، عدّيت من نفس المنطقة اللي فيها قاعة الفرح.
بصيت لها للحظة.
وافتكرت اليوم اللي وصلت فيه، ولقيت المكان فاضي.
وقتها كنت فاكرة إن
أسوأ حاجة حصلت لي...
إني ما حضرتش فرح أخويا.
لكن بعد سنة، فهمت الحقيقة.
أنا ما ضيعتش فرح أخويا.
أنا كسبت نفسي.
وال٤٦٨ ألف جنيه؟
ما دفعتهومش.
لكنهم كلفوني حاجة أغلى بكتير...
سنين من الثقة في ناس كنت فاكرة إنهم مستحيل يؤذوني.
ومع ذلك...
لأول مرة في حياتي، ما حسيتش إني خسرت.
لأني وأنا سايقة بعيد عن القاعة...
ما كنتش راجعة من فرح ما حضرتوش.
كنت راجعة من آخر مرة سمحت فيها لحد يكتب اسمي على فاتورة...
أنا ما اشتريتهاش.

 

تم نسخ الرابط