رواية كاملة

لمحة نيوز


يوقفهم، بدأوا يضغطوا عليه.
ونجلاء كانت واحدة منهم.
لكن أبويا كان أذكى مما تخيلوا.
سجل كل شيء.
المكالمات.
الاجتماعات.
التحويلات.
والاتفاقات.
وساب التسجيل في الفلاشة.
لكن كان فيه جزء أخطر.
في التسجيل، ظهر صوت نجلاء بوضوح.
كانت بتقول
محمود لو مات، الولد هو المشكلة.
وصوت رجل آخر رد
الورق كله هيبقى باسمك.
ثم قالت
ولو سأل عن حسام؟
الرجل ضحك.
حسام نفسه مش عارف إن نص الشركة اتحول باسمه من سنين.
وقتها فهمت.
حسام ما كانش شريكهم.
أبويا كان مجهز له نص الشركة عشان يحمي حقي.
القضية استمرت سنة.
وخلالها نجلاء حاولت تهرب.
لكنها اتقبض عليها قبل ما تسافر.
والأوراق والتسجيلات أثبتت التزوير والاختلاس.
أما أخطر مفاجأة...
فكانت تقرير المستشفى.
أبويا لم يمت بسبب مرضه فقط.
كان فيه دواء اتاخد بجرعة خاطئة قبل وفاته بأيام.
والتحقيق أثبت إن نجلاء كانت آخر شخص دخل له الدواء.
لكن لأنها حاولت تمسح الأدلة، احتاج الأمر وقتًا طويلًا لإثبات مسؤوليتها.
وفي النهاية...
صدر الحكم.
نجلاء خسرت كل ما حاولت تسرقه.
والأموال رجعت للشركة.
والبيت رجع لي قانونيًا.
أما أنا...
فكان عمري وقتها أربعة عشر سنة.
مرت الأيام.
وكبرت.
درست.
وحسام فضل جنبي.
والحاجة فاطمة...
فضلت أعتبرها أمي التانية.
لحد ما وصلت للجامعة.
وفي أول يوم ليا في كلية التجارة، دخلت مكتب حسام.
قلت له
أنا عايز أشتغل في الشركة.
ضحك.
أنت لسه صغير.
قلت
أبويا تعب عشان يبنيها.
وإنت عايز تهدها؟
ضحكت.
لأ. عايز أحافظ عليها.
بصلي فترة طويلة.
وبعدين قال
بقيت شبهه قوي.
بعد سنوات، بقيت أنا المسؤول عن جزء كبير من الشركة.
وفي يوم، كنت في مكتبي لما وصلتني رسالة.
ما كانش فيها غير صورة قديمة.
صورة أبويا.
وتحتها جملة
دلوقتي عرفت ليه أبوك اختارك إنت؟
قلبي دق.
رقم مجهول.
اتصلت فورًا.
لكن محدش رد.
بعدها وصلت رسالة تانية
فيه حاجة أبوك ما قالهاش لحسام.
فضلت باصص للشاشة.
وبعدين وصلت آخر رسالة
اسأل عن أمك.
لأول مرة منذ سنين...
فتحت صندوق أمي القديم.
كانت فيه حاجات بسيطة.
صور.
خطابات.
سلسلة.
وشهادة وفاة.
لكن بين الأوراق لقيت ظرفًا ما شفتوش قبل كده.
فتحت الظرف.
جواه رسالة بخط أمي.
قرأتها وأنا مش قادر أصدق.
محمود، لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا متأكدة إن نجلاء عرفت بالحقيقة.
وقفت.
الحقيقة؟
كملت.
ياسين مش ابنك البيولوجي...
إيدي ارتعشت.
لكن السطر اللي بعده كان هو الصدمة
...لكنه ابنك بكل معنى الكلمة.
كملت القراءة.
اتضح إن أمي كانت قد تعرضت لمشكلة أثناء الحمل، وإن محمود كان عارف كل شيء قبل ولادتي.
لكنه اختار يربيني ابنه أمام الدنيا كلها.
والأهم...
كان فيه سبب.
كان أبويا الحقيقي متوفى قبل ولادتي، ومحمود كان أقرب شخص لأمي وقتها.
كتب في آخر الرسالة
محمود، أنا عارفة إنك هتحبه كأنه ابنك، وعارفة إنك مش هتفرق بينه وبين أي طفل منك.
وبالفعل...
ما فرقش.
ولا يوم.
قفلت الرسالة.
وعيطت.
مش عشان عرفت إني مش ابنه بالدم.
عيطت لأن الرجل اللي فقدته وأنا عندي عشر سنين...
طلع شايل أسرارًا ضخمة عشان يحميني.
وكان آخر شيء كتبه لي
سامحني يا ابني.
فهمت أخيرًا معنى الكلمة.
هو ما كانش بيعتذر لأنه سابني.
كان بيعتذر لأنه كان عارف إن الدنيا ممكن تسيبني لو هو مات.
فحاول يجهزني.
بعدها بأيام، روحت قبره.
وقفت قدام قبره وقلت
أنا عرفت كل حاجة يا بابا.
سكت لحظة.
وعرفت إنك ما كنتش محتاج تكون أبويا بالدم عشان تكون أبويا.
حطيت الورقة فوق قبره.
وإنت ما سبتنيش.
ابتسمت وسط دموعي.
إنت سبتلي ناس تحميني.
حسام كان واقف بعيد.
والحاجة فاطمة كانت جنبي.
بصيت لهم.
وفهمت إن العيلة مش دايمًا هي الناس اللي بيتكتب اسمهم في شهادة الميلاد.
العيلة هي اللي تلاقيها واقفة جنبك لما الدنيا كلها تمشي.
بعد سنوات، رجعت لنفس البلد.
نفس الطريق الترابي.
نفس المكان اللي نجلاء سابتني فيه وأنا طفل.
لكن المرة دي...
كنت نازل من عربية الشركة.
وقفت في نفس المكان.
بصيت للطريق الطويل.
افتكرت طفل صغير كان ماشي هنا وهو خايف وعطشان، ومش عارف هينام فين.
ابتسمت.
لأن الطفل ده...
ما ماتش.
كبر.
واتعلم.
ونجح.
وبدل ما يفضل طول عمره يسأل
ليه اتساب؟
بقى عارف الإجابة.
لأن اللي سابه كان شخص واحد.
لكن اللي أنقذه...
كانوا كتير.
وقبل ما أركب العربية، سمعت صوت ست كبيرة بتنادي من بعيد.
لفيت.
كانت واحدة من أهل البلد.
قالت
إنت مش ياسين ابن محمود؟
ابتسمت.
أيوه.
قالت
أبوك كان راجل محترم.
بصيت للطريق.
وقلت
عارف.
ثم ركبت العربية.
وأنا لأول مرة ما حسيتش إني فقدت أبويا.
حسيت إنه لسه موجود.
في كل قرار باخده.
في كل حد بساعده.
وفي كل مرة أشوف طفل لوحده...
وأفتكر نفسي.
ومن يومها، بقيت أخصص جزءًا من أرباح الشركة لمساعدة الأطفال اللي فقدوا أهلهم، خصوصًا اللي ما عندهمش حد يسأل عليهم.
لأنني كنت أعرف كويس...
إن أسوأ حاجة مش إن الطفل يخسر أبوه.
أسوأ حاجة...
إنه يصدق إن بعد أبوه ما بقاش له حد.
وأنا كنت محظوظًا.
لأن أبويا، قبل ما يموت، ترك لي أكثر من ورقة ورقم.
ترك لي طريقًا للنجاة.
وتركني مع أشخاص عرفوا قيمتي قبل ما أعرفها أنا.
أما نجلاء...
فخسرت البيت والمال والشركة، وقضت سنواتها تواجه نتيجة اختياراتها.
وفي النهاية، لم تأخذ مني شيئًا.
لأنها كانت فاكرة إن الثروة هي اللي تخلي الإنسان قوي.
لكنها اكتشفت متأخر جدًا...
إن أغلى ميراث تركه محمود لي لم يكن المال.
كان الحقيقة.
وكانت آخر جملة كتبتها أمي في رسالتها
الدم يصنع القرابة... لكن الحب هو اللي يصنع الأب.
ومن يومها...
ما ناديتش حسام باسمه.
ناديته
عمي.
وناديت الحاجة فاطمة
أمي.
أما محمود...
ففضل طول عمري
أبويا.
حتى لو ما كانش دمه في عروقي.
لأنه كان أول شخص في الدنيا اختارني...
وآخر شخص حاول يحميني حتى بعد ما مات.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط