رواية كاملة

لمحة نيوز


لماذا كان والده دائمًا يقول له
ما تخافش من الحقيقة حتى لو كانت هتوجعك.
وفجأة
دخلت ممرضة مسرعة.
يا دكتور محمود!
رفع رأسه.
والدتك في المستشفى!
قلبه وقع.
حصلها إيه؟
جالها هبوط مفاجئ.
خرج محمود يجري.
لكن قبل ما يوصل، سمع صوت أمه من داخل الغرفة.
محمود
دخل.
كانت فاطمة على السرير، مرهقة، لكنها واعية.
جلس بجانبها وأمسك يدها.
ماما إنتِ كنتِ عارفة؟
نظرت له طويلًا.
ثم قالت
كنت مستنية اليوم ده من تلاتين سنة.
محمود دمعت عينه.
ليه ما قولتيليش؟
ابتسمت بحزن.
عشان كنت عايزاك تعيش مش تموت زي أبوك.
بابا مات بسببهم؟
أمه سكتت.
ثم قالت
أبوك ما ماتش في حادثة.
محمود اتجمّد.
إيه؟
العربية اللي مات فيها اتقطعت فراملها.
لم يستطع الكلام.
لكن قبل أن يسألها عن المزيد، قالت
بس في حاجة أهم.
إيه؟
الشخص اللي كان بيحميهم طول السنين
أشارت ناحية الباب.
كان اللواء حسام واقفًا.
وقالت
لسه عايش.
محمود بص له.
اللواء حسام فهم.
أخرج ورقة من جيبه.
عشان كده أنا كنت مصمم أحضر التفتيش بنفسي.
ثم وضع الورقة أمام محمود.
كان عليها اسم واحد.
المسؤول السابق عن ملف المستشفى في الوزارة.
الرجل الذي أغلق كل الشكاوى سنة 1996.
والذي ظل في منصبه حتى تقاعد منذ عامين.
لكن المفاجأة
إن محمود يعرفه.
كان عمه.
أخو والده.
محمود بص للواء حسام.
عمي؟
اللواء هز رأسه.
هو آخر شخص في السلسلة.
لكن قبل أن يستوعب محمود الصدمة، رن هاتف اللواء.
رد.
استمع لثوانٍ.
ثم قال
قبضنا عليه.
محمود سأل
فين؟
اللواء نظر له.
كان بيحاول يهرب من البلد.
وبعدها بأيام، بدأت التحقيقات.
تم القبض على نادية، ورئيس الحسابات، وعدد من المتورطين.
أما الدكتور فؤاد فسلّم كل المستندات الأصلية للنيابة.
وتبيّن أن المستشفى كان يخفي شبكة قديمة للتلاعب في ملفات المرضى والعينات الطبية، وأن وفاة خالة محمود ووالده لم تكن كما أُعلن وقتها.
لكن المفاجأة التي هزت القضية كلها كانت تقرير المعمل.
العينات القديمة أثبتت أن أم محمود لم تكن مصابة بالفشل الكلوي بسبب مرض طبيعي
بل بسبب مادة دوائية أُعطيت لها عمدًا ضمن التجارب القديمة.
ومع ذلك
لم تنته الحكاية عند السجن.
بعد أشهر، صدر الحكم.
وسقطت كل التهم القديمة.
أما محمود، فرفض أي منصب أو ترقية عرضتها عليه الوزارة.
واختار أن يكمل عمله كجرّاح.
لكن قبل ما يرجع لغرفة العمليات، عمل حاجة واحدة.
راح للمشرحة.
وقف قدام البالوعة اللي بدأت منها كل الحكاية.
ابتسم وقال
الغريب إنكم كنتوا فاكرين إنكم دفنتوا الحقيقة هنا.
ثم وضع وردة صغيرة بجوارها.
بس الحقيقة عمرها ما بتموت.
وفي نفس اليوم، زار أمه.
كانت حالتها الصحية اتحسنت بعد ما توقفت الأدوية اللي كانت بتسبب لها المضاعفات، وبدأت إجراءات علاج جديدة تحت إشراف أطباء مستقلين.
جلست فاطمة بجانبه وقالت
أبوك كان هيبقى فخور بيك.
محمود ابتسم.
وأنا فخور بيكي.
ليه؟
عشان استحملتي تلاتين سنة وما بعتيش الحقيقة.
ضحكت فاطمة وقالت
أنا ما استحملتش عشان نفسي.
أمال عشان مين؟
نظرت له.
عشانك.
سكت محمود.
ثم ضحك وسط دموعه.
وفي اليوم التالي، علّق محمود صورة والده وخالته في مكتبه.
وتحتها كتب جملة واحدة
بعض الحقائق قد تتأخر ثلاثين سنة لكنها لا تموت.
أما البالوعة التي حاولوا يدفنوا فيها أسرار المستشفى
فأصبحت بعد القضية رمزًا داخل المستشفى نفسه.
لأن كل شخص كان يعرف الحكاية صار يمر بجانبها ويتذكر
إن أخطر شيء يمكن أن يدفنه الإنسان هو الحقيقة.
والأغرب
إن مديرة المستشفى كانت فاكرة إنها لما أجبرت محمود ينزل ينظف البالوعة، كانت بتحاول تهينه قدام لجنة التفتيش.
لكنها من غير ما تعرف
هي بنفسها كانت بتدفعه ناحية المكان الوحيد اللي فيه الدليل القادر على إسقاطها.
وفي النهاية، لم يكن محمود هو الذي خسر كرامته أمام الجميع.
بل كانت هي التي كشفت، أمام اللجنة نفسها، أنها كانت تخاف من شيء واحد فقط
أن يفتح أحدهم البالوعة.

 

تم نسخ الرابط