رواية كاملة
أمي ما دخلتش هنا أصلًا؟
الصمت نزل على المكان.
محمود فتح الملف التاني.
كان فيه جدول بأسماء مرضى.
عشرات الأسماء.
وبجانب كل اسم رقم وتاريخ.
لكن أغلب الأسماء كان جنبها نفس الملاحظة
تم تحويل العينة للمعمل المركزي.
محمود عقد حاجبيه.
دي مش تحاليل مرضى.
اللواء حسام سأله
إزاي؟
دي سجلات عينات.
وقلب الصفحات بسرعة.
وفجأة وقف.
كان اسم أمه موجودًا.
وتحته مباشرة اسم امرأة تانية.
سعاد عبدالسلام.
محمود اتجمّد.
سعاد كانت خالته.
اللي ماتت وهي عندها ستة وعشرين سنة.
ومن سنين طويلة، العيلة كلها مقتنعة إنها ماتت بسبب تسمم دوائي.
محمود همس
مستحيل
نادية رجعت خطوة.
محمود، اقفل الملف ده.
رفع عينه لها.
إنتِ عرفتي اسمه منين؟
سكتت.
محمود قرب منها.
أنا ما قلتش اسم الملف.
بدأت علامات التوتر تظهر على وشها.
وفي اللحظة دي، رن تليفون اللواء حسام.
رد.
سمع ثواني قليلة، وبعدها قال
إيه؟
سكت.
وبعدين بص لمحمود.
فيه عربية إسعاف وصلت المستشفى من غير مريض.
محمود استغرب.
يعني إيه؟
السواق بيقول إن حد اتصل بيه وقال له ياخد حالة طارئة من المشرحة.
اللواء بص ناحية الباب.
بس مفيش حد طلب إسعاف.
قبل ما حد يتحرك
سمعوا صوت خطوات سريعة في الممر.
ممرض ظهر وهو بيجري.
يا فندم!
في إيه؟
حد دخل غرفة الأرشيف القديمة.
محمود حس بقلبه بيضرب.
مين؟
الممرض هز راسه.
مش عارف بس شوفنا واحد لابس بالطو أبيض خرج منها وجري على السلم الخلفي.
محمود جري.
واللواء حسام وراه.
وصلوا للأرشيف.
الباب كان مفتوح.
جوا، كانت الملفات مرمية على الأرض.
وفي النص
كان فيه صندوق حديد مفتوح.
محمود بص جواه.
كان فاضي.
إلا من صورة واحدة.
صورة قديمة بالأبيض والأسود.
فيها أربعة أشخاص واقفين قدام المستشفى سنة 1996.
محمود أخد الصورة.
بص للوجوه.
وجه أمه.
وجه خالته سعاد.
وجه طبيب شاب.
و
وجه امرأة يعرفه كويس جدًا.
نادية الشناوي.
محمود اتصدم.
إنتِ كنتِ هنا؟
نادية وقفت عند الباب.
وشها فقد كل ألوانه.
اللواء حسام بص للصورة.
دكتورة نادية إنتِ كنتِ شغالة هنا من تلاتين سنة؟
قالت بسرعة
لا.
محمود قلب الصورة.
كان مكتوب خلفها
فريق التمريض مستشفى المنصورة العام 1996.
وتحت الأسماء
كان اسم نادية كاملًا.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر سطر
المسؤولة عن بنك الدم نادية الشناوي.
محمود حس إن الدنيا بتلف بيه.
أمه كانت بتقول طول عمرها إن اللي حصل لها زمان كان غلطة علاج.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
كان فيه تلاعب في عينات الدم.
والأسوأ
إن أمه ما كانتش الضحية الوحيدة.
خالته سعاد كانت أول واحدة حاولت تفضح اللي حصل.
وعشان كده ماتت.
محمود بص لنادية
إنتِ قتلتي خالتي؟
صرخت
إنت مجنون؟!
لكن صوتها كان مهزوز.
اللواء حسام رفع إيده.
محدش يتحرك.
في اللحظة دي، دخل رجل مسن للمكان.
كان ماسك عصاية.
والكل سكت.
محمود بص له.
دكتور فؤاد؟
كان الدكتور فؤاد واحد من أشهر الأطباء اللي اشتغلوا في المستشفى قديمًا.
نظر لمحمود وقال
أنا اللي حطيت الملفات في البالوعة.
الكل اتصدم.
محمود قرب منه.
ليه؟
الدكتور فؤاد تنهد.
لأنهم كانوا هيموتوا النهارده.
مين؟
كل واحد يعرف الحقيقة.
وأشار إلى نادية.
وأنا عارف إنهم اكتشفوا إنك وصلت للملفات.
نادية صرخت
كذاب!
لكن الدكتور فؤاد أخرج فلاشة من جيبه.
الفلاشة دي فيها تسجيل صوتي من سنة 1996.
اللواء حسام أخدها.
تسجيل إيه؟
تسجيل الاجتماع اللي حصل بعد وفاة سعاد.
شغّل التسجيل.
خرج صوت قديم متقطّع من السماعة.
صوت رجل
لو العيلة سألت، نقول إنها ماتت بسبب التسمم.
وصوت امرأة
وفاطمة؟
الرجل
فاطمة لازم تسكت.
وبعدها صوت نادية الشابة
ولو ما سكتتش؟
الرجل رد
ابني هيعرف يتصرف.
محمود اتجمّد.
ابن مين؟
الدكتور فؤاد بص له.
مدير المستشفى وقتها.
محمود همس
مين؟
الدكتور فؤاد قال
والد نادية.
اللواء حسام بص لنادية.
لكنها لم تنكر.
بدأت تبكي.
أنا ما كنتش أعرف كل حاجة.
محمود صرخ
بس كنتِ عارفة إن أمي اتأذت!
كنت صغيرة!
لكنك رجعتي هنا بعد تلاتين سنة وبقيتي مديرة!
نادية سكتت.
وهنا حصلت المفاجأة الأكبر.
الدكتور فؤاد قال
مش نادية هي اللي بدأت كل ده.
محمود بص له.
أمال مين؟
رفع الدكتور عينه ناحية الباب.
كان واقف شخص لم ينتبه له أحد.
رئيس قسم الحسابات بالمستشفى.
محمود اتعرف عليه فورًا.
كان الرجل اللي بيوقّع على كل مصاريف علاج أمه.
الرجل اللي كان كل مرة يسهّل له جلسات الغسيل الكلوي.
قال الرجل بهدوء
أنا.
محمود اتراجع خطوة.
إنت؟
ابتسم.
والدك كان معانا.
محمود اتصدم.
أبويا مات من عشرين سنة.
عارف.
أمال إيه علاقته؟
الرجل قرب.
أبوك كان واحد من الأطباء اللي اكتشفوا إن فيه تجارب غير قانونية بتتعمل على مرضى من غير علمهم.
محمود لم يستوعب.
تجارب؟
كانوا بياخدوا عينات دم وأنسجة من مرضى معينين، ويبيعوا النتائج لشركة أدوية خاصة.
اللواء حسام قال
ووالد محمود عرف؟
وحاول يفضحهم.
محمود بص للصورة القديمة.
وأمي؟
الرجل قال
أمك ما كانتش مجرد مريضة.
سكت لحظة.
كانت أول شخص اكتشف إن أخوها مات بسبب تجربة دوائية اتعملت عليه من غير علمه.
محمود حس بدموعه بتنزل.
وعشان كده حاولوا يقتلوها؟
حاولوا يسكتوها.
وإنت؟
الرجل ابتسم.
أنا كنت واحد منهم.
الصمت كان قاتلًا.
ثم قال
لكن بعد تلاتين سنة قررت أصلّح اللي عملته.
وأخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
البالوعة اللي لقيت فيها الملفات دي مش صدفة.
محمود بص له.
إنت اللي قلتلي أحطها هناك؟
لا.
أمال مين؟
الرجل أشار للدكتور فؤاد.
هو.
الدكتور فؤاد قال
لأن الأرشيف بيتفتش، والخزنة اتفتحت، والملفات كانت هتختفي.
اللواء حسام أخذ المفتاح.
والمفتاح ده؟
الرجل قال
لخزنة موجودة في مكتب المدير القديم.
ذهبوا جميعًا إلى المكتب.
فتح اللواء الخزنة.
في الداخل كان هناك صندوق أسود.
وعليه اسم
فاطمة حمدي عبدالسلام.
محمود فتحه.
وجد عشرات الأوراق.
لكن فوقهم ورقة واحدة.
قرأها.
ثم بدأ يبكي.
كانت رسالة من والده لأمه.
مكتوب فيها
لو حصل لي حاجة، خدي بالك من محمود. ما تخليش حد يقنعه إننا كنا ضعفاء. إحنا خسرنا ناس كتير، بس الحقيقة لازم تعيش بعدنا.
محمود ضم الورقة لصدره.
لأول مرة منذ سنين، فهم