رواية كاملة
المحتويات
قوليلي بنتي دي عملت إيه؟
طارق جوزي، اللي كان لسه ماسك إيدي تحت السفرة، شد على صوابعي براحة كأنه بيديني إشارة أحسب خطواتي، بس لما بص في عيني وشاف التصميم والوجع اللي كتماه من شهور، ساب إيدي براحة وسند ضهره للكرسي وهو مستعد للي هيحصل.
أنا مش ناكرة جميل، ولا عمري كنت خرابة بيوت، بس ميرفت داست على أوجع نقطة في حياتي.. دخلت في شرفي، وقللت من طفل لسه مشفش النور ودعينا ربنا ليالي عشان يجي للدنيا. اللي يدخل البيت برجله ويهد الجدران على صحابها، يستحمل بقى لما السقف يقع فوق دماغه.
اتنفست نفس عميق، وابتديت أتكلم بنبرة واضحة ومخارج حروف موزونة، وكل حرف كان بيخرج كأنه رصاصة في اتجاه ميرفت فاكرة يا ستي، في نص شهر طوبة اللي فات.. لما انتي وقعتي في الحمام وجالك دور البرد الشديد اللي رقدك في السرير أسبوعين ومكنتيش قادرة حتى تشيلي راسك من على المخدة؟
ستّي هزت راسها ببطء، وشبح الذكرى ظهر على وشها أيوة.. فاكرة.. لما الدكتورة قالت ده التهاب رئوي وكنت بغيب عن الوعي من السخونية.
تمام.. كملت وأنا باصة لميرفت اللي وشها بقى أصفر ليموني وعيونها جاحظة وبتتوسلني بالعين من غير ما تقدر تنطق في الأيام دي، عمتي ميرفت نزلت جري بحجة إنها رايحة تجيب علاج غالي مش موجود غير في صيدلية معينة في وسط البلد. بس هي مكنتش رايحة تجيب علاج يا ستي.. عمتي كانت واخدة معاها التوكيل العام القديم اللي انتي كنتي عملاهولها لما رجلك كانت مكسورة من سنتين، ومعاه بطاقتك الشخصية.. وراحت على الفرع الرئيسي.
أمي شهقت شهقة مكتومة وحطت طرحتها على بؤها، بينما إسلام أخويا بدأ يفهم الخيوط وعينيه برقت بغضب، صوته طلع غليظ ومكتوم توكيل إيه ده اللي تروح بيه البنك وانتي عيانة ومتبهدلة كده؟!
ميرفت قاطعت بصوت مهزوز وبتقاوح بوقاحة أنا.. أنا كنت بسحب فلوس المستشفى والعلاج! هو أنتم ناسيين مصاريف دكاترتها والأدوية المستوردة؟ ده جزاتي إني شيلت الليلة وسهرت جنبها؟! عايزين تعملوا مني حرامية عشان صرفت على أمي؟
مصاريف مستشفى إيه وأدوية إيه اللي تتصرف بدي الطريقة يا ميرفت؟! صرخت فيها وأنا بشاور عليها بصباعي إنتي فاكراني مش عارفة إن العلاج كله طارق جوزي اللي جابه على حسابه ومن معارفه في نقابة الصيادلة؟ ومفيش جنيه واحد خرج من جيبك ساعتها؟ انتي روحتي البنك لحاجة تانية خالص.. انتي كسرتي الوديعة اللي ستي مأمناكم بيها، ومش بس كده.. انتي عملتي كارثة أكبر بكتير ومفكرة إن الورق مش هيتكلم!
ميرفت وقفت على حيلها فجأة لدرجة إن الكوباية وقعت واندلقت على مفرش السفرة الأبيض، العصير الحمر فرّش على القماش كأنه بقعة دم، وصرخت بهستيريا ودموعها نزلت كدابة! والله العظيم بتتبلى عليا! انتي بتعملي كده ليه يا ندى؟! عايزة تفرقي بيني وبين أمي وأختي عشان انتي حقودة ومغلولة من زمان؟ ماما متسمعيش منها دي بتلعب بيكي وبتمثل عشان تصرف نظرك عن قلة أدبها هي وجوزها!
في اللحظة دي، ستّي كريمة محركتش عينها عن وش ميرفت. بصتلها بنظرة كأنها بتشوفها لأول مرة في حياتها.. نظرة خذلان تقطع القلب. وقفت ستّي براحة، ورغم كبر سنها ووجع مفاصلها، كانت واقفة جبل، وقالت بصوت واطي بس يرن زي الرعد الوديعة؟ وديعة أرض أبوكم اللي بايعينها؟.. انتي هببتي إيه يا ميرفت؟
ميرفت اتراجعت خطوة لورا وخبطت في ضلفة النيش، الزجاج والخزف اتهزوا وطلعوا صوت شخللة مخيف. رفعت إيديها الاتنين بتحاول تدافع عن نفسها، بس الكلام اتلخبط في لسانها يا ماما اسمعيني بس.. أنا كان عليا ضيقة.. إنتي مش فاهمة، البيت كان هيتخرب.. هفهمك والله العظيم كل مليم هيرجع..
قطعت كلامها وقولتلها ببرود مش هيرجع.. لإنك أصلاً مسحبتيش الفلوس كاش في إيدك يا عمتي.. انتي حولتيها في نفس الدقيقة لحساب شخص تاني خالص.. شخص لو ستي عرفت هو مين، مش بس هتطردك من البيت.. دي هتبرى منك لآخر يوم في عمرها.
الصالة كتمت، النفس اتقطع، والعيون كلها اتعلقت بيا.. وميرفت حطت إيديها على وشها وانهارت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا وبتصرخ لأ يا ندى.. لأ وحياة الغالي عندك ابوس إيدك لأ!
يتبع
الصالة كانت بتغلي على نار هادية، والمشهد اتحول من لمّة عيلة على فطار أول يوم في الشهر الكريم لمحكمة تفتيش كل أركانها بتهتز بالفضايح. ميرفت كانت قاعدة في الأرض ساندة ضهرها على النيش الخشب، عبايتها اتمرمطت في عصير الخشاف المدلوق على البلاط، وصوت شهقاتها وطالع زي حشرجة الموت. مفيش دموع حقيقية، كان خوف صرف، رعب الوشوش اللي بتتقلع عنها الأقنعة فجأة فتلاقي نفسها عريانة تماماً قدام حقيقتها القبيحة.
ستّي كريمة محركتش صباع واحد، ولا حتى مدت إيدها تسند بنتها اللي بتمثل الانهيار. كانت باصة لميرفت بعينين جامدة مفيش فيها دمعة واحدة، بس الوجع اللي كان طالع من ملامحها كفيل يهد جبال. السنين اللي عاشتها ستّي تربي وتكبر وتشيل شقا أبوهم الله يرحمه وتصون القرش الأبيض لليوم الأسود، كلها كانت بتعدي قدام عينيها في شريط سريع ومر. رفعت راسها وبصتلي، وعينها البنية الدبلانة من الزمن بتطلب مني الحقيقة كاملة من غير أي رتوش.
كملي يا ندى. صوت ستّي طلع واطي بس كان بيشق سكوت الأوضة كأنه موس. انتي بدأتي حبل الكلام، متسيبيهوش معلق. انطقي وقولي مين الشخص ده؟ وبنتي ميرفت ودّت شقايا وتعب السنين لمين؟
أمي سمر قربت من ستّي بخطوات بطيئة، وحطت إيدها على كتفها وهي بتعيط بحرقة يا أمي عشان خاطري اهدي.. الضغط هيعلى عليكي وسكرك هيسقط، تعالي ندخل جوة ونتفاهم بالراحة، بلاش كلام قدام الصغيرين.. ده رمضان يا أمي والناس صايمة.
إسلام أخويا انتفض من مكانه فجأة، ووشه كان محتقن بالدم وعروق رقبته ناطة، صرخ في أمي بنبرة عصبية مقدرش يكتمها صغيرين مين يا ماما؟! انتي لسه شايفة إننا صغيرين ولازم نتداس بالجزم ويتخرب بيوتنا ونسكت عشان ست ميرفت تفضل عايشة دور الهانم الشريفة؟! بنك ووديعة وتحويلات وإحنا قاعدين زي المغفلين! انطقي يا ندى، متسكتيش، كملي وخلي العيلة دي تنضف من قرفها بقى!
طارق جوزي مسك كتف إسلام وهداه براحة اهدى يا إسلام، متعلّيش صوتك على والدتك، كل حاجة هتتعرف بالعقل والأصول. طارق بصلي وهز راسه بهدوء، نظرة كان معناها خلاص، مفيش مجال للرجوع، الحقيقة لازم تتقال كلها ومفيش حد يلومك بعد كده.
أنا وقفت، سندت إيدي على حرف السفرة وحسيت بتقل بطني والبيبي اللي في حشاي بيتحرك حركة خفيفة كأنه بيطمني. بصيت لميرفت اللي كانت بتدفن وشها في ركبها وبتندب بصوت واطي منك لله يا ندى.. خربتي بيتي.. منك لله يا شيخة.
ضحكت ضحكة وجع، وقولتلها بصوت صافي مسموع لكل اللي في الصالة أنا اللي خربت بيتك يا عمتي؟ ولا انتي اللي بيتك مخروب من يومه بالكدب والسرقة والغل؟ فاكرة لما جيتيلي البيت من تمن شهور؟ فاكرة لما كنتي راكعة على ركبتك في صالوني زي ما انتي راكعة دلوقتي كده وبتبوسي إيدي عشان مقولش لأمي ولا لستّي؟ فاكرة حكايتك اللي لفتيها
متابعة القراءة