رواية كاملة
المحتويات
قط.. رأت الڠضب لأجلها، لا عليها.
اسمه كريم الجبالي.. تاجر خضار وفاكهة في سوق العباسية.. كان يسكن في شقة مستأجرة بشارع بورسعيد، لكني مش عارفة هو نقل ولا لاء.
كتب الاسم في دفتر صغير كان معه، ثم نظر إليها بتركيز
وخالتكِ.. اسمها وفاء مبروك؟ هي اللي وافقت على الزواج؟.
نعم.. هي اللي باعتني.. باعتني مقابل مبلغ بسيط، وخلتني أدفع الثمن وحدي كل هذه السنين.
سكت سليم للحظة، ثم قال بثبات
اطمئني.. كل من شارك في إيذائكِ، سيدفع ثمن فعله.. والثمن هنا ليس مالاً، بل هو ما يستحقه كل ظالم.. وسترين ذلك بنفسكِ قريباً جداً. أما أنتِ.. فلا تعودي للعمل مرة أخرى، ولا تقلقي من أي شيء.. سأرتب لكِ مكاناً آمناً حتى تلدي، وسأوفر لكِ كل ما تحتاجينه أنتِ والطفل.. ولن يحتاجكِ أحد لشيء إلا إذا أردتِ أنتِ.
حاولت أن تعترض، أن تقول إنها لا تريد الصدقة، إنها تعودت أن تعيش من عمل يديها، لكنه قطع حديثها برفق
هذه ليست صدقة يا نادية.. هذا حقكِ، وحق من وعدتِ بحمايته.. وأنا أفي بالعهود.
خرج من الغرفة وتركها في حالة من الذهول، لم تدرِ هل هي في حلم أم واقع، لكن ما شعرت به من أمان لم تشعر به طوال حياتها، جعلها تسترخي لأول مرة، وتنام نوماً عميقاً لم تعرفه منذ سنين طويلة.
الجزء الرابع
لم يمضِ سوى يومان، وكان فريق سليم قد جمع كل التفاصيل، بل وأكثر مما طلبه، فقد عرفوا كل كبيرة وصغيرة عن كريم الجبالي، كيف يضرب زوجاته السابقات، وكيف يتعامل مع العمال عنده، وكيف كان يرسل الأموال لخالتها وفاء بانتظام مقابل الصمت عن معاناة نادية، بل ووجدوا أنه كان يخطط لقټلها بعد الولادة، ليأخذ الطفل ويتخلص منها، لينتهي كل شكوكه وينال ميراثها المزعوم من عائلته.
عندما قرأ سليم هذه التفاصيل، لم يغضب فقط، بل شعر برغبة عارمة في أن يمسك هذا الرجل بنفسه ويعريه أمام الجميع، ليرى الناس حقيقته البشعة التي كان يخفيها خلف ستار التجارة والكرم المزعوم.
أرسل فوراً لاستدعاء كريم الجبالي، تحت ذريعة طلب توريد كميات كبيرة من الخضار والفاكهة لفنادق شركته، وهو طلب يعتبر فرصة ذهبية لا يمكن لأي تاجر أن يرفضها، وبهذا سيضمن مجيئه بنفسه دون أي شكوك.
وبالفعل، لم يتأخر كريم، فما أن وصلته الدعوة حتى جهز نفسه بأفضل ما يملك، وارتدى أجمل ملابسه، وسارع بالتوجه لمقر شركة الهواري في وسط القاهرة، متصوراً أنه سيدخل في صفقة ستجعل منه أغنى من ذي قبل، ولم يدرِ أنه ذاهب لمواجهة قدره المحتوم.
دخل مكتب سليم، ومد يده ليصافحه بابتسامة واسعة، لكن سليم لم يقف، ولم يمد يده، بل ظل جالساً خلف مكتبه، ينظر إليه بنظرة قاسېة، تكاد تثبته مكانه، حتى تجمدت يد كريم في الهواء، وبدأت تظهر عليه علامات الارتباك والخۏف.
أهلاً وسهلاً يا سليم بيه.. تشرفت بيك جداً.. سمعت إنك عاوز كميات كبيرة، وأنا جاهز أقدم لكِ أفضل الأسعار وأجود الأنواع..، بدأ يتحدث بسرعة، محاولاً إخفاء توتره.
قاطعه سليم بصوت هادئ لكنه أشد وقعاً من الصواعق
لست هنا لأتكلم عن الخضار ولا الفاكهة يا كريم.. أنا جاي أسألك عن نادية مبروك.. زوجتك.
لون وجه كريم شاحب فجأة، وارتجفت شفتاه، وحاول أن يتملص
نادية؟.. دي.. دي هربت مني من زمان.. مش عارف فين راحت.. ومش ليا علاقة بيها من يوم ما سابت البيت.. دي إنسانة مش مسؤولة، ومش عارفة قيمة العشرة، و...
اكف عن الكذب، صړخ سليم فجأة، وضړب بقبضته
على المكتب بقوة هزت ما عليه من أوراق وأقلام. أعرف كل حاجة.. أعرف كيف ضړبتها، وكيف أهنتها، وكيف تركتها جائعة وحامل، وكيف خططت لقټلها وطفلها.. كل خطوة كنت بتخطيها، وكل كلمة كنت بتقولها، كانت مسجلة وموثقة.. ولا تحاول إنكار شيء.
تراجع كريم خطوة لورا، وبدأت عيناه تدمعان من الخۏف، واڼهارت ابتسامته المزيفة، فظهر وجهه القبيح الحقيقي
يا فندم.. أرجوكِ.. ده كلام كڈب.. الست دي مچنونة، بتقول أي حاجة عشان تبرر هروبها.. أنا.. أنا كنت بحبها، وكنت أعاملها أحسن معاملة...
أحسن معاملة تظهر في علامات الضړب اللي في إيديها؟ والچرح اللي في وجهها؟ والخۏف اللي مالي قلبها منك؟، رد سليم وهو يقف ويتقدم منه، فارتد كريم حتى اصطدم بالحائط خلفه. أنت ما تعرف معنى الحب يا وضيع.. ولا تعرف معنى الرجولة.. أنت مجرد جبان يضرب من لا يستطيع الدفاع عن نفسه.. وصدقني.. أنا مش هسمح لكِ تضيع في العقاپ أبداً.
أشار سليم بإصبعه نحو الباب، فدخل رجلان من حراسه، وأمسكا بكريم من ذراعيه، بينما كان ېصرخ ويتوسل وېهدد، لكن أحداً لم يلتفت لكلامه.
هذه مجرد البداية، قال سليم وهو ينظر إليه وهو يجرونه للخارج. ستواجه القضاء بكل ما فعلته، وستعيش في السچن بقية عمرك، تتذكر كل ليلة ما فعلته بامرأة مسكينة لم تؤذِ أحداً في حياتها.
وبعد أن انتهى من أمره، اتصل بمحاميه، وأمره بمتابعة القضية حتى النهاية، وعدم قبول أي تسوية أو تنازل، ثم طلب إحضار وفاء خالة نادية، التي كانت تظن أن أمرها قد انتهى، وأنها نجحت في التخلص من عبء ابنة أختها مقابل حفنة من النقود.
عندما وصلت وفاء، دخلت مكتب سليم بخطى واثقة، متوقعة أنها ستكسب شيئاً ما، لكن ما أن سمعت التهم، ورأت الأدلة، حتى اڼهارت هي الأخرى، واعترفت بكل ما فعلته، بكل خيانتها وطمعها، وكيف باعت راحة ضميرها مقابل رخيص، وكيف ظلت تتباهى بقرارها الذي أنقذها من عناء رعاية نادية.
كنت أظنها مجرد بنت ضعيفة مش هتقدر ترد لي حقي.. وكنت أظن إن الزواج ده هيجعلها سعيدة، قالت وهي تبكي بدموع التماسيح.
أنتِ كنتِ تعرفين تماماً من هو الراجل، وكنتِ تعرفين أنه مش سعيدها، بل سيجعلها تعيش في چحيم.. وكنتِ تفعلين كل ده عشان الفلوس، رد سليم ببرود. الخېانة من الأقارب هي أقسى أنواع الظلم.. وسأضمن لكِ أنكِ ستعيشين بقية حياتكِ تندمين على ما فعلتِه، وستعرفين قيمة ما ضيعته من أمانة وذمة.
أصدر تعليماته بتسليمها للنيابة كشريكة في الإيذاء والابتزاز، ليكون جزاؤها ما تستحقه، وهكذا انتهى دور كل من ساهم في معاناة نادية، لتبدأ مرحلة جديدة، لا مكان فيها للظلم ولا للخوف.
الجزء الخامس
بعد أيام قليلة، شعرت نادية بآلام الولادة المبكرة، فتم نقلها فوراً لمستشفى خاص تحت إشراف أطباء مختصين، وبقيت سليم في انتظار خارج غرفة العمليات، لا يغادر المكان ولا يهدأ له بال، وكأنه ينتظر ولادة قريبة له، وليس لامرأة تعرفها منذ الطفولة.
مرت الساعات بطيئة كأنها سنين، حتى خرج الطبيب في النهاية بابتسامة مشرقة، وأخبره أن المولود بخير، وأن الأم تجاوزت الخطړ، وأنها أنجبت طفلاً ذكراً يتمتع بصحة جيدة وقوة.
دخل سليم للغرفة، ورآها مستلقية على السرير، شاحبة لكنها تبتسم، وبجانبها طفل صغير يلفه غطاء أبيض، ينام بسلام، وكأنه لم يمر بكل ما مر به من مخاطر قبل ولادته.
اقترب منها ببطء، ونظر للطفل، ثم نظر لها، وقال بصوت دافئ مليء بالفرح
مبروك يا نادية.. طفل جميل.. يستحق كل ما تعبتِ من أجله.
دمعت عيناها من السعادة، ومدت
يدها لتلمس يد سليم، وهي تقول
شكراً.. شكراً لإنك جيت في
متابعة القراءة