رواية كاملة
المحتويات
في إيدها، والفستان اللي مستورداه من برة، والقاعة اللي دافعين فيها دم قلبهم، وشهر العسل اللي في المالديف.. ده كله مش بفلوس شريف، دي فلوس بنتي فريدة. الفلوس اللي حلف قدام القاضي إنه مبيملكهاش عشان يديني ألفين جنيه نفقة لبنته ميكفوش تمن كتب مدرستها ومصاريف علاجها!
شريف حاول يصرخ، بس صوته طلع مخنوق ومتحشرج إنتي مجنونة! الورق ده مزور! أنتي بتلفقيلي تهمة عشان تنتقمي مني! أنتي مريضة نفسياً!
المحضر القضائي اتدخل بصرامة، وحط إيده على كتف شريف بثقل التزم الأدب يا أستاذ وصوتك ميعلاش. النيابة أصدرت قرارها بناءً على تقرير الخبراء وتحريات مباحث الأموال العامة اللي استمرت أكتر من ست شهور. وأنت مطلوب رسمياً بكرة الساعة تسعة صباحاً في سراي نيابة الشؤون المالية والتجارية للتحقيق، ومعاك أمر منع من السفر ساري من ساعة واحدة بس، والتحفظ على كافة أموالك وأرصدتك العقارية والنقدية وشركاتك، بما فيها شركة النيل وشركة التكييفات، لحد ما يتم الفصل في رد المبالغ المهربة ودفع الغرامات والتعويضات المدنية المؤقتة.
الجملة نزلت زي المرزبة على دماغ شريف. قعد على الكرسي بتاعه كأنه اتقطم نصين. وشه دفنه بين كفوفه، وبدأ ينهج بصوت مسموع، أنفاس سريعة كأنه هيجيله أزمة قلبية. كل الهيبة، وكل النفخة الكدابة اللي كانت عامية عيون الكل، ادشدشت في دقايق معدودة على بلاط القاعة.
نهى بصتله وهو واقع كده، وبصت للورق اللي على التربيزة، وبعدين مسكت دراعه وهزته بعنف، كأنها بتصحي ميت شريف! رد عليا! الحسابات دي فيها كام؟! يعني إيه منع من السفر؟! يعني مفيش مالديف؟! يعني الشقة اللي في التجمع اللي قولتلي هكتبهالك باسمك دي عليها حجز؟! رد عليا يا شريف
متبقاش جبان!
شريف زق إيدها بقرف وعصبية، وصوت زعيقه رج القاعة اخرسي بقى! اخرسي! مفيش زفت، مفيش حاجة! خربت على دماغي ودماغك! أنتي فاكرة الفلوس دي كانت بتطبع؟! دي فلوس شقايا اللي الهانم محاميتها كشفتها فلس فلس!
نهى اتراجعت لورا خطوتين كأن حد ضربها بالقلم، بصت للفستان، وبصت للناس اللي كانوا بيصوروا بالموبايلات من ورا، وبصت لأمي وبدأت تصرخ وتلطم على خدودها بهستيريا فرحي باظ! اتفضحت يا ماما! الفرح باظ والناس بتتفرج عليا!
أمي وقفت محتارة، مش عارفة تطبطب على نهى ولا تروح تهجم على شريف ولا ترجع تشتمني أنا. لفت وشها ليا وعيونها كلها غضب أعمى مبسوطة أنتي كده؟ ارتاحتي لما دمرتي حياة أختك وكسرتي قلبها في ليلة دخلتها؟ أنتي فاكرة إنك كده كسبتي؟ إنتي خسرتينا للأبد يا مريم! خسرتي أهلك!
أنا ابتسمت، ابتسامة خفيفة وصافية طالعة من قلبي لأول مرة من سنين طويلة أنا مخسرتش حد يا أمي.. أنتم اللي بعتوني من زمان، من يوم ما قررتوا إن كرامتي وحقي وحق بنتي فريدة تمنهم رخيص قدام ضحكة نهى وفرحتها. أنتم اللي قولتولي تعالي على نفسك، وأنا جيت على نفسي لحد ما لقيتني بداس بالرجلين. بس فريدة؟ بنتي محدش هيدوس عليها ولا هياكل حقها عشان أختي تلبس ألماز وتعيش في وهم هي مش قده.
بصيت للمأذون، اللي كان قاعد مراقب المشهد بحزن وأسى، وسألته كتب الكتاب تم يا مولانا؟ العقد اتسجل خلاص؟
المأذون بص في الدفتر، وبعدين بص لشريف ونهى وهز راسه بنفي العريس مضى، لكن العروسة مكملتش توقيعها ولا الصيغة الشرعية اكتملت، والشهود ممضوش.. الدفتر ده مش هيتقفل رسمي الليلة دي، ولا يصح شرعاً ولا قانوناً في الوضع ده.
المأذون لم حاجته، حط قلمه في جيبه، وقفل الدفتر الكبير بصوت رزعة كان ليها صدى عالي في الصالة. شال شنطته وقام وقف، بص لأبويا وقال جملة واحدة بس قبل ما يمشي ربنا يعوض عليكم ويصلح حالكم.. الفلوس الحرام مبيتبناش عليها بيوت يا حاج.
القاعة بدأت تفضى في دقايق. المعازيم، اللي كانوا من شوية بيسقفوا ويغنوا، بدؤوا ينسحبوا واحد ورا التاني، وكل واحد باصص في الأرض وشايل تليفونه بيحكي للموجة اللي برة عن الفضيحة اللي حصلت. أهل العريس نفسهم، اللي كانوا قاعدين في أول صفوف، قاموا وسابوا الكوشة من غير حتى ما يسلموا على ابنهم، كأنهم بيهربوا من مركب بتغرق ومفيهاش ولا طوق نجاة.
نهى رمت نفسها على الكنبة المدهبة اللي في الكوشة، تاج الطرحة وقع من على شعرها ومال على جنب، وبقت تعيط بصوت عالي ومنهار، صوت طفلة اتكسرت لعبتها ومش قادرة تستوعب إن الحفلة خلصت. وشريف فضل قاعد مكانه، باصص للورقة اللي على التربيزة ومش قادر حتى يرفع عينه في عين أي حد.
أنا مسكت إيد فريدة كويس. ضغطت على صوابعها الصغيرة عشان أطمنها، ولفيت ضهري للكوشة وللصالة كلها.
وأنا ماشية رايحة ناحية الباب، خطواتي كانت خفيفة، كأن جبل كان محطوط على كتافي ونزل مرة واحدة. كنت حاسة بكل نفس باخده، نفس نضيف مفهوش ريحة قهر ولا ظلم.
وقبل ما أعدي عتبة القاعة، وقفت ثانية واحدة، وبصيت ورايا للمرة الأخيرة. شفت المحضر وهو بيحط إيده على كتف شريف وبيديله إشعار الحضور الإجباري، وشفت أمي وأبويا واقفين مذهولين وسط الكراسي الفاضية والورد المرمي على الأرض.
رفعت راسي، وخرجت للهوا الساقع برة القاعة، وأنا عارفة كويس أوي إن الليلة دي مكنتش نهاية القصة، دي يدوبك كانت أول صفحة في حساب طويل لسه هيتفتح، ولسه فيه أسرار تانية شريف وأختي ميعرفوش إني مجهزاها ليهم في المحكمة بكرة الصبح.
الهوا برة القاعة كان ساقع، بيلسع في الوش زي شفرة حلاقة، بس لأول مرة من سنين أحس إن الهوا ده بيدخل صدري ينضفه من سمّ كان راكد فيه. الشارع اللي قدام بوابة القاعة كان زحمة عربيات بتلف وترجع، كلاكسات متوترة، وأصوات معازيم طالعين يجروا كأنهم بيهربوا من حريقة. تليفونات مشغولة، رنات، وكلهم بيسجلوا فويسات، بيحكوا لأصحابهم وقرايبهم عن الفضيحة اللي حصلت في فرح نهى وشريف.
فريدة كانت ماسكة في إيدي اليمين بكل عزمها، صوابعها الصغيرة متلجة، وراسها مرفوعة بتبصلي بعيون فيها خوف طفولي بس فيها برضه نوع من الراحة الغريبة ماما.. إحنا خلاص مش هنرجع هناك تاني؟ وطيت على ركبتي، نزلت لمستوى طولها، مسحت بإيدي التانية على خدها الناعم، وشيلت خصلة شعر شاردة نزلت على جبينها من التوكة الأوف وايت لأ يا قلب ماما. إحنا خلصنا خلاص. اللي جوة ده مكانش مكاننا من الأول.
أجرت تاكسي من قدام البوابة. ركبنا ورا، وفريدة سندت راسها على كتفي وغفت من كتر التعب والتوتر، وسبت الورد كان واقع في الصالة ورا، خلاص اتبخر ومبقاش له وجود. وأنا باصة من شباك التاكسي على أعمدة النور في شارع التسعين اللي بتجري لورا، تليفوني في الشنطة مبطلش زن.
شاشة التليفون كانت بتنور وتطفي باسم ماما، وبعدها مكالمة من بابا، وبعدها رسائل واتساب بتهديدات صريحة من أرقام قرايب عمري ما سمعت صوتهم إلا في المواسم إنتي إزاي تعملي كده في أختك؟، مش مسامحينك ليوم الدين، فضحتونا وخليتوا سيرتنا على كل لسان. قفلت الشاشة بزرار الباور، وحطيت التليفون على وضع الصامت، ورجعته جوا الشنطة. السكوت اللي في قلبي كان أقوى من دوشة الدنيا كلها.
وصلنا شقتي الصغيرة في
متابعة القراءة