رواية كاملة
المحتويات
يتهز هزة خفيفة مكنش عارف يسيطر عليها أستاذ شريف، الإخطار ده يخص الدعوى القضائية المرفوعة بالطعن في الذمة المالية وإخفاء أرصدة بقصد التهرب من أحكام قضائية واجبة النفاذ، وجنحة تقديم مستندات مزورة لجهة قضائية رسمية.
المأذون، وكان راجل عجوز دقنه بيضا ولابس قفطان، رفع نضارته الطبية لفوق جبهته، بص للراجل، وبص للدفتر المفتوح قدامه، وبعدين سحب الدفتر بهدوء ناحية صدره، كأنه بينأى بنفسه عن المصيبة اللي بتتشكل قدامه.
نهى صوتها طلع أخيرًا، صوت حاد، رفيع، ومخنوق بالغيظ إيه التهريج ده؟! بابا، طلع الراجل ده بره! إنت مين أصلاً عشان تهجم علينا كده؟ كلموا الأمن يا جماعة! أمن القاعة فين؟! إزاي حد يدخل كده في وسط كتب الكتاب؟
اهدي يا مدام. صوت المحضر كان واطي بس رنان، خلى نهى تسكت غصب عنها الأمن شاف الإذن الرسمي بره وسمح بالدخول. الورقة دي تخص العريس، والإجراء ده رسمي بقوة القانون.
شريف حاول يبلع ريقه، بس ريقه كان ناشف تماماً. شفته بتتحرك بس مفيش صوت طالع منها لأول ثانية، وبعدين بص للمحضر وابتسم ابتسامة صفرا باهتة، نوع الابتسامات اللي كان بيعملها لما يتزنق في كدبة قدامي زمان يا فندم أكيد فيه تشابه أسماء، تشابه أسماء مش أكتر. أنا لسه مخلص كل قضايا الأحوال الشخصية ومسوي كل أموري، ومعايا أحكام باتة بنفقة بنتي وكل مليم بدفعه بموجب إنذار عرض على يد محضر. الورق اللي معاك ده غلط، غلط خالص.
المحضر مسك الدوسيه الورقي اللي في إيده، دوسيه لونه أصفر مقفول بدوبارة بيضا، فك الدوبارة بروقان يحرّق الدم، وطلع ورقة رسمية متدبسة في كشف حساب طويل، متني كذا تانية، ومطبوع عليه شريط فسفوري أحمر. الورقة دي بالذات، أنا كنت عارفاها كويس أوي؛ ده إذن كشف السرية المصرفية الصادر بقرار من النائب العام بناءً على المذكرة اللي نهاد محاميتي اشتغلت عليها تلت شهور متواصلين في محكمة الأسرة والنيابة العامة.
المحضر فرد الورقة على التربيزة، بالظبط فوق الخانة الفاضية اللي كانت نهى المفروض تمضي فيها كزوجة بعد شريف. شاور بصباعه على سطر مكتوب بالبنط العريض، وقاله بصوت رخيم سمعه كل اللي واقفين في الدايرة الأولى حوالين الكوشة
ست كلمات بس عايزك تقراهم بصوت عالي يا أستاذ شريف.. رد عليا بخصوص الست كلمات دول، وبلاش نكبر الموضوع أكتر من كده قدام المعازيم حساب رقم سبعة، باسم شركة النيل للتوريدات.
لما الجملة طلعت من بق المحضر، شريف وشه اتقلب أصفر زي الكركم، وفجأة عرق بارد طفح على جبينه، كأن حد دلق عليه جردل تلج.
شركة النيل للتوريدات..
الاسم ده مكنش مجرد اسم تجاري، ده كان الصندوق الأسود بتاع شريف. الاسم اللي قعد خمس سنين يأسسه في الدرى، باسم حد من قرايبه الصوريين، عشان يحول عليه نص مستخلصات التكييفات المركزية اللي كان بيعملها لمولات التجمع والشيخ زايد. الشركة اللي يوم ما قعدنا في مكتب التسوية في محكمة الأسرة، حلف قدام الخبير وقدام ربنا إنه ميعرفش عنها حاجة، وإنها مجرد شركة منافسة بتاكل عيشه في السوق، وإنه بيخسر ومبيطلعلوش في الشهر أكتر من اتناشر ألف جنيه بيصفوا بعد مصاريف العمال والإيجار، وإن حتى الألفين جنيه بتوع نفقة بنته فريدة بيستلفهم من طوب الأرض!
شريف حاول يمد إيده عشان ياخد الورقة من على التربيزة، بس صوابعه كانت مرتعشة بطريقة واضحة جداً للمعازيم اللي بدؤوا يقربوا أكتر ويتساسروا.
نهى بصت للورقة، وبصت لوش شريف، وابتدت ملامح الذعر الحقيقي تزحف على
عينيها شريف؟ إيه الورقة دي؟ إيه الكلام ده يا شريف؟ أنت مش قولتلي إنك خلصت كل حاجة مع مريم ومبقاش في أي قواضي ولا مشاكل؟
شريف ماردش عليها. كان باصص في الورقة، عينه بتجري بين الأرقام. المبالغ اللي كانت مرصودة في الكشف الملحق مكنتش أرقام عادية.. ملايين. أرباح سنين، تحويلات بالدولار وبالجنيه، شيكات مقبولة الدفع، وكلها كانت بتتحرك في حسابات متجمدة من يومين بس بأمر تحفظ رسمي.
أمي هنا مقدرتش تمسك نفسها، دخلت في النص وزقت كتف شريف بخفة وهي بتزعق ما تنطق يا بني آدم! إيه الفضايح دي في وسط الناس؟! المعازيم بيتفرجوا علينا! أنت جايب لنا مصيبة في يوم فرح بنتي؟!
وفجأة، وفي وسط الفوضى دي كلها، شريف رفع راسه.
عينه مسابتش الورقة وطلعت تدور في القاعة، مكنش بيبص لأمي، ولا لأبويا، ولا حتى لنهى اللي كانت بتعيط عياط هستيري والميكب بتاعها بدأ يسيح على خدودها. عينه قطعت القاعة كلها، وراحت مباشرة على العمود الرخام الضخم اللي في آخر الصالة.
عينيه اتقابلت مع عيني.
أنا مكنتش بتحرك. فضلت قاعدة مربعة إيدي، لابسة فستاني الأسود البسيط اللي أمي قالتلي البسيه عشان متبانيش في الصور ومتاخديش اللقطة من أختك. بصيتله في عينيه مباشرة بنظرة باردة وهادية ومستقرة، زي بحر ميت مفيش فيه موجة واحدة. الابتسامة المكسورة اللي كنت شايلها طول السنين اللي فاتت اتبدلت بنظرة شخص قاعد بيتفرج على لعبة الشطرنج وهي بتنتهي ب كش ملك متوقعة ومحسوبة بالمللي.
شريف فتح بقه، وأول كلمة طلعت منه كانت اسمي مريم...
الكلمة دي لفتت نظر الصالة كلها. نهى لفت وشها بسرعة ناحية العمود، وأمي لفت، وأبويا اتسمر مكانه.
أنا قمت من مكاني بهدوء شديد. صوت كعبي على الأرضية الرخام كان هو الصوت الوحيد المسموع، خطوات رتيبة، منتظمة، مفيهاش أي تردد. مشيت من ورا العمود، وطلعت لنص الممر الطويل المفروش بالورد الأبيض والريش اللي كانت أختي متباهية بيه، الممر اللي كنت ممنوعة أمشي عليه عشان مكسرش فرحة العروسة.
بنتي فريدة كانت واقفة على جنب، ماسكة سبت الورد الأوف وايت ومرعوبة، عنيها متعلقة بيا. أول ما قربت منها، مسحت على شعرها بحنية، ومديت إيدي ليها تعالي يا فريدة، هاتي إيدك يا حبيبتي.
فريدة سابت سبت الورد يقع على الأرض، الورد اتنثر تحت رجليا، ومسكت في إيدي وجريت استخبت ورا ضهري. نهى شافت المنظر، وصرخت فيا بانهيار إنتي؟! إنتي اللي ورا المصيبة دي يا مريم؟! أنتي غيرانة مني؟! جاية تخربي فرحتي عشان شريف اختارني أنا وسابك أنتي بعد العمر ده كله؟! أنتي مش قادرة تشوفي أختك مبسوطة؟!
أمي قربت مني وهي بتنهج، عينيها بتطق شرار، رفعت صباعها في وشي كعادتها من وإحنا أطفال أنتي إيه يا شيخة؟ إيه السواد والغل اللي مالي قلبك ده؟! أنتي مش أخت، أنتي عقربة! تبيعي أختك الصغيرة وتفضحيها قدام نسايبها والمعازيم عشان حتة ورقة؟ مكنش عشمي فيكي كده! طول عمرك أنانية وبتبصي للنعمة اللي في إيد غيرك!
أبويا كان وراها، وشه كان مكسور، بس عينه فيها خذلان، قالي بصوت مرتعش ليه يا مريم؟ ده أنا جيتلك بنفسي وقولتلك راعي خاطر أبوكي وأمك ومتبوظيش الليلة.. تعملي فينا كده قدام الناس؟ الفضايح دي مش هتتلم!
أنا وقفت في نص الكوشة، قدامهم كلهم. بصيت لأمي، وبعدين بصيت لأبويا، وآخر نظرة كانت لنهى، اللي كانت بتبصلي بغل مخلوط بدموع ذل حقيقي.
سواد؟ غل؟ رديت عليهم بنبرة هادية جداً، مفيهاش ذرة انفعال واحدة السواد ده هو الفلوس اللي بنتك المحترمة كانت بتتباها بيها من الصبح. الخاتم اللي
متابعة القراءة