شفت حماتي بالصدفة في السوق مع واحدة صاحبتها حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
عارف إن مدخراتنا كلها شايلاها لمستقبل العيال، وإحنا يدوب معانا الفلوس اللي شايلاها في الحساب عشان يوسف لما يتخرج ونجهز له حاجة. وشه اتغير شوية بس حاول يداري ما هو يوسف لسه قدامه سنتين جامعة يا مريم، وبعدين يوسف راجل يعتمد على نفسه، إنما دينا بنت وضعيفة ومحتاجة ضهر. ويوسف مش ابنك برضه يا أحمد ولا إيه؟ مش ده اللي بتقوله دايماً؟ سكت ثواني وبص في الكباية طبعاً يا مريم... طبعاً ابني، بس إنتي عارفة الظروف. عموماً الفلوس في البنك بأمان، وربنا يسهل لما ييجي وقتها.
تاني يوم الصبح، نهى طلبت مني نروح البنك. رحنا البنك الأهلي اللي فيه الحساب المشترك. طلبت كشف حساب مفصل لآخر تلات شهور مختوم بختم البنك. الموظف طبع الكشف، وبصيت للأرقام... الرعب الحقيقي ظهر على الورق. الحساب اللي كان فيه اتنين مليون وتلتمية ألف جنيه، متبقيش فيه غير تمانين ألف جنيه بس! أحمد سحب في الأول ٥٠٠ ألف، وبعدها بأسبوع سحب ٤٨٠ ألف نقدي، وحول لماما سعاد ٨٠٠ ألف جنيه على دفعتين، وحول لحسابه الشخصي المنفصل باقي المبالغ على فترات متباعدة. كل ده في خلال شهرين، في الوقت اللي كان بيجيلي فيه البيت يقولي الأسعار غليت يا مريم، لازم نقتصد شوية في مصاريف البيت!
نهى بصت لكشف الحساب، وابتسمت ابتسامة باردة حلو أوي، التحويلات لحساب والدته دي إثبات دهب. التحويلات البنكية دي بتثبت حركة الأموال وخروجها من الوعاء المشترك للغير بدون وجه حق تجاري أو التزام مدني، وده بيقوي موقفنا جداً في دعوى استرداد أموال وتبديد، بس مش هنتحرك بيها دلوقتي، لسه مشهد النهاية متقفلش. والمشهد إيه يا نهى؟ أحمد هيكلم مامتك يحدد ميعاد مع المشتري لكتابة العقد المبدئي ودفع العربون، إحنا هنسيبه لحد ما يوصل للمرحلة دي بالظبط.
وفعلاً، بعد تلات أيام، أحمد جالي البيت وهو مش سايعاه الفرحة مريم! مامتك باركت خلاص، لقيتلها بيعة لقطة للشقة، اتنين مليون وستمية وخمسين ألف كاش، والمشتري هيدفع عربون ٢٠٠ ألف بكرة في شقة مامتك، والمتبقي عند كتابة العقد النهائي بعد أسبوع في الشهر العقاري! عملت نفسي مخضوضة بجد يا أحمد؟! وماما وافقت؟! وافقت يا ستي، مش بقولك مامتك بتثق فيا؟ أنا رتبت كل حاجة، وهنروح بكرة الساعة ٦ المغرب نكتب العقد الابتدائي مع المشتري، وقايل لمامتك إنك هتكوني معانا عشان تطمني. طبعاً هاجي، دي شقة أبويا وشقة أمي، لازم أكون موجودة.
في الليلة دي، مريم القديمة كانت بتموت، والست اللي مش بتسمح لحد يدوس على كرامتها وحق ولادها كانت بتولد من جديد. نسقت مع نهى كل خطوة، واتفقت مع اتنين محامين من زمايلها يكونوا موجودين تحت البيت في الوقت المحدد.
تاني يوم، الساعة جت ستة إلا ربع. كنت أنا وأحمد في تاكسي رايحين على الهرم. أحمد كان لابس أحسن بدلة عنده، وشايل شنطة أوراق جلد شيك، عمال يتصل بأمه في الموبايل ويبعتلها رسايل، وأنا جنبه شفت طرف رسالة منها أول ما العربون يتدفع، خود مريم واخرجوا واقفل مع الراجل لوحدك عشان متشوفش الفلوس.
وصلنا عمارة ماما. طلعنا في الأسانسير القديم، فتحت ماما الباب، وكانت لابسة إسدالها وقاعدة هادية بشكل غريب. بعد خمس دقايق، رن الجرس، ودخل المشتري، راجل محترم ومعاه سمسار. قعدوا في الصالون، وأحمد كان متصدر المشهد، بيتكلم كأنه صاحب البيت، كأنه الآمر الناهي أهلاً يا حاج، نورت، إحنا اتفقنا على اتنين مليون وستمية وخمسين، العربون ٢٠٠ ألف، والباقي شيك مقبول الدفع عند التسجيل والتسليم. المشتري طلع ظرف كبير فيه الفلوس وحطه على الترابيزة تمام يا أستاذ أحمد، وده عقد الاتفاق المبدئي، بس مين اللي هيمضي؟ الحاجة أمينة صاحبة الملك طبعاً.
أحمد أخد القلم وابتسم، وبص لأمي اتفضلي يا أمي امضي هنا، وأنا هستلم العربون أشيله في الحفظ والصون عندي في الخزنة لحد ما نخلص باقي الإجراءات.
أمي مدت إيدها ومسكت القلم، وفجأة سابت القلم على الترابيزة وبصت لأحمد طب وبالنسبة للمليون وتلتمية ألف يا أحمد يا
ابني؟ هتحطهم في الوديعة اللي قولتلي عليها بإسمك برضه؟
وش أحمد جاب ألوان، بص لأمي بسرعة وبصلي وهو مرتبك جداً إيه يا أمي الكلام ده دلوقتي؟ نبقى نتكلم في الحاجات العائلية دي بعدين، المشتري مستعجل.
وقفت أنا من مكاني. الصوت كان هادي جداً، والهدوء ده كان يرعب أكتر من الصريخ. لا يا أحمد، نتكلم دلوقتي. المليون وتلتمية دول اللي هتاخدهم من شقة أمي، هتحطهم مع المليون ونص اللي سحبتهم من حسابنا عشان تشتري شقة مدينة نصر لدينا بنتك؟
الصالة اتقلب فيها الهوا لتلج. المشتري والسمسار بصوا لبعض، وأحمد قام وقف، وشه بقى أحمر زي الدم، وعينيه بقت تدور في الأركان مريم! إنتي اتجننتي؟! إيه التخاريف دي؟! إنتي بتقولي إيه قدام الناس الغريبة؟!
طلعت من شنطتي فايل بلاستيك ورزعته على الترابيزة قدام المشتري وقدامه التخاريف دي هي كشوفات حساب البنك الأهلي، اللي بتثبت إنك سحبت مليون وسبعمية ألف جنيه من شقايا وتعب سنيني وحولتهم لحساب أمك سعاد وحسابك الشخصي. والتخاريف دي كمان هي التسجيل الصوتي اللي سجلتهولك أمي وإنت بتقنعها تبيع بيتها وتديك باقي الفلوس بحجة الوديعة عشان تسرقها هي كمان!
أحمد اتسمر، بص لأمي اللي كانت بتبصله بقرف، وبص للفايل، صوته بدأ يتهز إنتي... إنتي بتجسسي عليا؟ أنتي بتعملي فيا أنا كده؟! أنا اللي بعمل فيك؟! إنت اللي جيت على ابني، وقولت لأمك ده ابن راجل تاني ومش ملزم بيه، إنت اللي جيت على الست الكبيرة دي وكنت عايز ترميها في الشارع وتاكل حقها، وجاي تقولي بتجسس عليك؟!
المشتري مسك فلوسه وسحب الظرف بسرعة من على الترابيزة وقال وهو بيتراجع للباب يا جماعة ربنا يصلح حالكم، إحنا ناس ملناش في المشاكل دي، البيعة دي ملغية وربنا يعوض عليكم. خرج المشتري والسمسار وقفلوا الباب وراهم، وفضلنا إحنا التلاتة في الصالون.
أحمد انهار، وبدأ يتنرفز ويقرب مني ورقة البنك دي هتبليها وتشربي ميتها! ده حسابي ومن حقي أسحب منه! وأنا مغلطتش، بنتي أولى من الغريب، وإنتي ملكيش مليم عندي، ولو فتحتي بؤك هطلقك وأسيبك على الحديدة إنتي وابنك!
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح بمفتاح احتياطي، ودخلت نهى ومعاها المحضر ومحامي تاني، نهى كانت شايلة أوراق رسمية وبصت لأحمد بنظرة كلها ثقة وقالت تطلق مين يا أستاذ أحمد؟ دي مدام مريم هي اللي رفعت ضدك النهاردة الصبح قضية تبديد أموال مشتركة، وإنذار على يد محضر للحجز التحفظي على حساباتك وحسابات والدتك الست سعاد، ده غير بلاغ رسمي للأموال العامة مدعم بالتسجيلات الصوتية وكشوفات حركة الأموال.
أحمد رجع خطوة لورا، وبص للتسجيلات اللي طلعتها نهى، حس إن الأرض بتتهز تحته، كل شبكة الأكاذيب اللي بناها وقعت فوق دماغه في لحظة واحدة.
قربت منه، وبصيت في عينيه من مسافة سنتيمترات، قولتله بصوت واطي ومسموع الفلوس اللي راحت لأمك هترجع بالقرش، وبنتك شقتها اللي في عين شمس هتقعد فيها ومش هتشوف غيرها، أما إنت... فمن اللحظة دي ملكش مكان في بيتي، ولا ليك ابن اسمه يوسف، واعتبر تمن سنين اللي عشتهم معايا كأنهم ماتوا وادفنوا النهاردة.
أحمد فضل باصصلي وهو مذهول، مش مستوعب إن الست الطيبة الهادية اللي كان بيستغفلها، هي اللي حفرتله الحفرة ورمته فيها بالقانون وبالأدب ومن غير ما تعلي صوتها في الشارع.
سيبته واقف في مكانه مصدوم، ومسكت إيد أمي وبوستها، وأنا عارفة إن المعركة لسه مخلصتش، بس الضربة الأولى كانت في مقتل، واللعبة اللي بدأوها بخبث... انتهت فصولها الأولى بشروق الحقيقة.
الجزء الثالث والأخير
فضل أحمد واقف في وسط صالون بيت أمي، وشه مخطوف كأن الدم هرب من عروقه كلها مرة واحدة. الورق اللي رمته نهى على الترابيزة كان ليه صوت أعلى من صوت أي خناقة. الأختام الزرقا بتاعة المحكمة، وإشعار الحجز التحفظي، واسم أمه سعاد اللي مكتوب في عريضة الدعوى... كل ده خلى جبروته اللي كان داخل بيه يتبخر في ثواني.
مريم... إنتي بتهزري صح؟ ده لعب عيال، انتي فاكرة الورقتين دول هيخوفوني؟ أنا جوزك! قالها وهو بيحاول يستجمع شوية من ثقته الميتة، بس صوته كان بيتهز وريقه ناشف.
ردت عليه نهى بابتسامة محامي باردة، وهي بتعدل نضارتها ده مش لعب عيال يا أستاذ أحمد، دي دعوى خيانة أمانة وتبديد أموال مشتركة، مرفقة بشهادات تحويلات بنكية موثقة من الحساب المشترك لحساب الوالدة، ومعاها جنحة تدليس ونصب بموجب التسجيلات اللي بتثبت نيتك للاستيلاء على
متابعة القراءة