رواية كاملة

لمحة نيوز

تاني يوم الصبح بعد دفنة مراتي، ابني اللي عنده تمن سنين مسك دراعي جامد، وقرب من ودني وقال بصوت واطي
بابا دي مش ماما.
في الأول افتكرت إن الحزن هو اللي بيتكلم على لسانه.
يمكن طفل صغير مش مستوعب إن أمه ماتت، فبيحاول ينكر الحقيقة بأي شكل.
لكن لما سألته، أشار لتفصيلة صغيرة جدًا في الست اللي كانت في التابوت
تفصيلة محدش في الدنيا تقريبًا كان ممكن يعرفها غيرنا إحنا الاتنين.
اتصلت بدار المناسبات والدفن.
وبعدها على طول كلمت الظابطه اللي كانت ماسكة التحقيق في حادثة موت مراتي، سارة عبدالرحمن.
لأن ابني آدم ماكانش بيقول إن أمه شكلها اتغير.
هو كان بيتكلم عن حاجة محددة
حاجة المفروض تكون موجودة في جسم أمه، لكنها ماكانتتش موجودة.
مراتي مريم ماتت من تلات أيام في حادثة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.
ومن ساعتها، آدم تقريبًا ما نطقش كلمة.
كان قاعد قدامي على ترابيزة المطبخ بنفس التيشيرت اللي نام بيه امبارح، بيحرك المعلقة جوه طبق الكورن فليكس من غير ما ياكل.
وأنا قاعد قصاده ببص لفنجان القهوة اللي برد من زمان.
ورقة ترتيبات العزا والدفنة كانت لسه مطوية جنب إيدي.
ماقدرتش أرميها.
حتى وأنا مش عارف ليه.
شنطة آدم كانت معلقة على ضهر الكرسي.
السوستة كانت مفتوحة شوية، وبان منها تيكيت أخضر صغير.
مريم هي اللي كانت خيطاه هناك بإيديها.
كانت بتقول إن ابنها عنده موهبة غريبة في إنه يضيّع حاجته حتى لو الحاجة في إيده.
بصيت للشنطة
وبعدين بصيت لآدم.
وقلتله
آدم إنت كنت تقصد إيه امبارح لما قلتلي إن دي مش ماما؟
المعلقة وقفت في نص الطبق.
فضل ساكت كام ثانية.
وبعدين قال
بابا الست اللي كانت في التابوت مش ماما.
قربت منه وقعدت جنبه.
طب قولي عرفت إزاي؟
فضل يحك برجله العارية في رجل الكرسي، وعينيه في الأرض.
وبعدين رفع وشه وقال
ودنها.
اتخضيت.
ودنها؟ فيها إيه؟
الشمال.
فضلت باصص له وأنا مش فاهم.
وبعدين
افتكرت.
مريم كان عندها علامة صغيرة جدًا في شحمة ودنها الشمال.
حَتّة صغيرة ناقصة من طرف الشحمة.
عملتها وهي عندها سبعتاشر سنة، لما الحلق بتاعها اتعلق في باب عربية واتشد جامد.
علامة صغيرة لدرجة إن أي حد يشوفها عمره ما ياخد باله منها.
إلا لو كان عارف إنها موجودة.
آدم كان عارف.
من وهو صغير، لما كان ينام على الكنبة ومريم تشيله تطلعه أوضته، كان بيحط خده على كتفها ويمسك ودنها بإيده.
وأوقات كان يقعد يلعب في الحتة الصغيرة دي بإصبعه.
وأنا كمان
كنت شفتها آلاف المرات.
بس يوم الدفنة، ما بصتش على ودنها.
أنا كنت مركز في وشها.
في المكياج اللي كان غريب عليها.
في عينيها المقفولة.
في إيديها المتحطوطة فوق بعض، واللبس اللي أنا وأختها اخترناه لها.
آدم كان مركز في حاجة تانية خالص.
الست اللي كانت في التابوت ماكانش عندها العلامة دي.
قالها بصوت واطي.
حسيت إن معدتي اتقبضت.
مسكت موبايلي فورًا.
الساعة كانت 812 الصبح.
اتصلت بدار الرحمة للدفن والتجهيز في مصر الجديدة.
ألو؟
أيوه، معاك نادية.
نادية، أنا كريم منصور جوز مريم منصور.
سكتت لحظة.
أيوه يا أستاذ كريم، ربنا يصبرك
قاطعتها.
أنا محتاجكم توقفوا أي إجراء أو ورق متعلق بجثمان مراتي فورًا.
سكتت.
وبعدين قالت بحذر
يا أستاذ كريم بس حضرتك عارف إن
ماتحركوش أي حاجة.
صوتي كان هادي بشكل غريب.
ماتغيروش أي ورقة. ماتعدلّوش أي بيانات. وماترمواش أي مستند أو حاجة تخص الاستلام والتسليم.
بس يا أستاذ، مرات حضرتك اتدفنت خلاص.
قفلت عيني لحظة.
أنا عارف.
وسكت شوية، وبعدين قلت
أنا كنت واقف هناك بنفسي.
أنا ماكنتش محتاج أشوف الجثمان تاني.
أنا كنت محتاج أعرف
مين استلمه؟
مين نقله؟
مين أكد إن الجثمان ده بتاع مراتي؟
مين مضى على الاستلام؟
ومين كان مسؤول عنه قبل ما يوصل لدار الدفن؟
قفلت المكالمة.
وبعدها على طول اتصلت بالظابطة سارة عبدالرحمن، اللي كانت مسؤولة عن التحقيق في الحادثة.
حكيتلها كل حاجة.
ماقلتّش إن مراتي اتبدلت.
ومااتهمتش حد.
وماطلعتش أي نظرية من دماغي.
قلت لها بس إن ابني لاحظ علامة صغيرة في ودن أمه المفروض تكون موجودة
لكن الست اللي اتدفنت مكانها ماكانتش عندها العلامة دي.
سمعتني للآخر.
وبعدين قالت
كريم، الجثمان اتعرف عليه رسمي قبل ما يوصل لدار الدفن.
يعني إيه؟
يعني إن احتمالية إن يحصل خطأ في الهوية ضعيفة جدًا.
ضعيفة مش مستحيلة.
سكتت.
قلت
يبقى راجعي الموضوع.
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت
ابعتلي عنوان دار الدفن.
بعتلها.
الساعة 941 بالظبط، كانت سارة واقفة قدام باب دار الرحمة.
دخلت وهي وشها جاد جدًا.
المكان كان ريحته خليط غريب من الورد الصناعي، المطهر، وقهوة بقالها ساعات على السخان.
كان فيه جنب مكتب الاستقبال طبق صغير مليان لبان بالنعناع للناس اللي جاية تعزي.
مديت إيدي وخدت واحدة.
حطيتها في جيبي.
ومافتحتهاش لحد دلوقتي.
نادية خرجت تستقبلنا ووشها باين عليه الإرهاق.
سارة ما ضيعتش وقت.
قالت
عايزة سجلات الاستلام الأصلية.
نادية ردت
حاضر.
الأصلية، مش صور.
نادية بصت لها لحظة، وبعدين دخلت ناحية المكاتب اللي ورا.
رجعت بعد كام دقيقة وهي شايلة ملف رمادي سميك.
حطته قدام سارة.
كان مكتوب عليه
مريم منصور.
تاريخ الميلاد.
رقم المحضر.
بيانات نقل الجثمان.
استمارة التسليم.
سارة بدأت تقلب الورق.
ورقة
ورا ورقة
مرة.
وبعدين رجعت تقلبهم تاني.
وفجأة وقفت عند ورقة معينة.
إيدها ثبتت.
قالت
الساعة كام الجثمان وصل عندكم؟
نادية بصت في الورقة.
أربعة وستة وعشرين دقيقة الفجر.
سارة أشارت على خانة التوقيع.
مين مضى على الاستلام ده؟
نادية قالت اسم الراجل.
سارة كتبته في نوتة صغيرة.
وبعدين سألت
فين بطاقة التعريف الأصلية اللي كانت متعلقة بكيس نقل الجثمان؟
نادية اتوترت.
المفروض إنها بتتخلص بعد تجهيز الجثمان.
سارة رفعت عينيها لها.
المفروض؟
أيوه يعني المفروض تتعدم بعد التحضير.
طب هاتيها.
نادية اترددت.
وبعدين اختفت ورا الباب.
المرة
 

تم نسخ الرابط