رواية كاملة

لمحة نيوز

اللي يدوسلك على طرف، تدوسي على رقبته بالقانون والأصول، مش بالردح وقلة القيمة. سيبتيهم في غيظهم، وخليتي الواد هو اللي يجري وراكي ويشيل الليلة كلها.
محمود أخويا ضحك بصوته كله وهو بيعدل شاله شوفتي أم أحمد وشها كان قالب إزاي؟ والله كان ناقصها شوية وتولع في المندرة! بس جدعة، متسلميش بسهولة يا خيتي، خليكي هنا معززة لحد ما المفتاح يبقى في إيدك والشيكات متوثقة، غير كده متخطيش خطوة برا دارنا.
أسبوعين كاملين قعدتهم في بيت أبويا، أسبوعين مروا عليا كأنهم نقاهة بعد سنين من الشقا والعبودية المقنعة. كنت بصحى على نسيم الفجر، أشرب شاي بحليب مع أمي، أساعدها في خبيز البيت بمزاجي وبحب، مش بغصب وقهر. التليفون مكنش بيبطل رن من أحمد، كان بيتصل في اليوم عشرين مرة، يبعت رسايل فيها صور شقق نزل عاينها في مناطق راقية وقريبة من شغله شوفي دي يا أميرة... دي فيها بلكونة كبيرة تطل على جنينة زي ما كنتي بتتمني. طب شوفي دي، المطبخ بتاعها واسع ومفتوح وأمريكاني مش هتحتاجي فيه حاجة.
كنت برد ببرود وهدوء لما تخلص ورقها وتفرشها، هبقى أشوفها على الطبيعة.
وفي الأسبوعين دول، الأخبار كانت بتوصلي من صاحبتي من قلب بيت العيلة، والحال عندهم كان يصعب على الكافر حماتي من يوم رجوعها من البلد دخلت في نوبة غضب مبتهداش، بناتها التلاتة بقوا في وش المدفع مباشرة. الشقة الكبيرة اللي كنت بمسحها ليل نهار وألمع عفشها، بقت ترابها يغمي العين. المطبخ اللي كنت بطلعه بيبرق بعد كل عزومة، اتملى دهون ومواعين مكدسة، وريحته بقت زفارة لا تطاق.
نهى، أخته اللي كانت بتقولي وشي يتحرق من صهد الفرن، دخلت المطبخ تعمل صينية بطاطس، حرقت الأكل وولعت في حلة ألومنيوم ورمتها في الحوض وقعدت تلطم وتقول أنا مش خدامة، جوزوني وخلصوني!، وأختها التانية اتخانقت مع أمها خناقة سمعت الشارع كله عشان حماتي طلبت منها تنزل السوق في عز الضهر تشتري خضار، قالتلها كنتي بتبعتي أميرة في الحر، اشمعنى أنا دلوقتي عايزاني أتبهدل وسط البياعين؟!
وحماتي المسكينة، اللي كانت فاكرة نفسها ملكة زمانها وبتتحكم في الكل، لقت نفسها فجأة ملزمة تقوم تطبخ وتغسل على كبر سنها، ورجلها اللي كانت بتشتكي منها زمان بقت توجعها بجد من الوقفة، وابنها الصغير ساب البيت وبقى يقضي يومه كله في القهوة وعند صحابه هربان من الجحيم والقلة اللي شافها في البيت.
أما أحمد... فأحمد كان عايش في برزخ. كان بين نارين، نار أمه اللي بتزن في ودنه ليل نهار دي لوت دراعك وكسرت هيبتي، دي مكنتش تسوى قرشين وخليتها هانم!، ونار الواقع اللي شافه بعينه، شاف إن البيت من غير أميرة كان عبارة عن خرابة عايشين فيها شوية كسالى، وإن مراته اللي كانت صابرة سنين هي اللي كانت ساندة البيت وحامياه من الانهيار، وإن خسارتها كانت هتبقى أكبر غلطة في حياته.
في نهاية الأسبوع التاني، جه أحمد الصعيد تاني، بس المرة دي مكنش معاه وسايط ولا كبارات، جه لوحده، شايل شنطة صغيرة في إيده ولابس بدلته ومستعد. قعد مع أبويا ومحمود، وطلع الورق عقد إيجار شقة خمس سنين مدفوع مقدمها سنة كاملة في حي هادي ونضيف، بعيد عن بيت أمه بتلات مواصلات. شيك بنكي بقيمة دهبي اللي اتباع، متوثق في البنك وله رصيد يغطيه. إيصال أمانة بمؤخر الصداق الجديد اللي اتفقوا عليه مع الحاج عبد الرازق.
محمود راجع الورق كلمة كلمة، وأبويا بص لأحمد وقال العفش اللي فوق في الشقة القديمة؟ أحمد رد بسرعة وعينه في الأرض العفش نصه نزلته النهاردة الصبح في عربية نقل ووديته الشقة الجديدة، والباقي كله جديد على زوق أميرة، هتنزل معايا ننقيه حتة حتة، وأمي وإخواتي ملمسوش حاجة من حاجتها.
أبويا بصلي وهز راسه قومي يا بتي، البسي عبايتك وسافري مع جوزك، وراسك تفضل مرفوعة للسما، لو اتلوت رقبته في يوم من الأيام، باب دار أبوكي مفتوح ليكي على مصراعيه.
قومت جهزت شنطتي، وودعت أمي اللي دعتلي بدموع الفرح
والستر، وركبت مع أحمد العربية. طول الطريق كان الصمت سيد الموقف، أحمد كان كل شوية يبصلي بطرف عينه، يحاول يمسك إيدي، بس كنت بسحبها بهدوء وأبص من الشباك على الطريق الزراعي. كسر هو السكوت وقال بصوت مخنوق مش هتسامحيني يا أميرة؟ والله العظيم كنت أعمى، الشيطان عمى قلبي، بس والله لما البيت فضي عليا حسيت إن روحي اتسحبت مني، عرفت قيمتك وعرفت إنك كنتي شايلاني وشايلة أهلي فوق طاقتك وإحنا مكناش بنحمد ربنا على النعمة.
بصيتله ورديت ببرود قاطع المسامحة مش كلمة بتتقال يا أحمد، المسامحة أفعال بتتشاف. الشرخ اللي في قلبي محتاج سنين عشان يلتئم، إنت مهنتنيش لوحدك، إنت خليت اللي يسوى واللي ميسواش يتفرج على كرامتي ويهزأني. أنا راجعة عشان شارية بيتي وعيالي اللي هيجوا، وراجعة عشان أخدت حقي تالت ومتلت، بس أميرة القديمة اللي كانت بتضحي وتيجي على نفسها عشان ترضي الكل دي... ماتت ودفنتها في بلدنا قبل ما أركب معاك العربية.
أحمد بلع ريقه وهز راسه بيأس اللي تشوفيه يا أميرة، المهم إنك معايا وتحت سقفي، وأنا هثبتلك كل يوم إنك اخترتي صح.
وصلنا الشقة الجديدة، كانت في عمارة نضيفة، في الدور التالت، فيها أسانسير وهواها بحري يشرح القلب. دخلت الشقة، لقيت عفشي القديم مترتب وممسوح، وفيه صالون جديد مودرن كان حاطه في الصالة، والمطبخ واسع وفيه كل الأجهزة الحديثة اللي اتحرمت منها سنين وأنا بخدم تحت.
حطيت شنطتي، وقعدت على الكنبة وأنا بتنفس براحة حقيقية لأول مرة. حسيت إن القيود اللي كانت رابطة رقبتي اتفكت، مفيش حد هيصحيني الفجر عشان أخبز، مفيش حد هيرميني قدام صهد الفرن والشمس تحرق جلدي، مفيش حد هيتأمر عليا بكوباية شاي ومواعين وهو قاعد ياكل شيبسي ويضحك.
مر أول شهر في الشقة الجديدة، وكانت العيشة جنة وهدوء مكنتش أحلم بيهم. أحمد كان بينزل شغله ويرجع يلاقي بيته منظم، أكله سخن، وهدومه مكويه، مكنش بيسمع صوت نكد ولا خناقات، وكان حاسس بالفرق الشاسع بين الاستقرار اللي هو فيه وبين وجع الدماغ اللي كان عايش فيه في بيت العيلة.
بس الشيطان مابيموتش... وحماتي مكانتش من النوع اللي يسكت على هزيمته بسهولة.
بعد شهر ونص، كان يوم جمعة، كنت مجهزة الغدا وقاعدين أنا وأحمد بنتفرج على التلفزيون في هدوء، وفجأة جرس الباب رن رنات متتالية وسريعة، كأن فيه حريقة في العمارة. أحمد استغرب وقام يفتح، وأنا قومت وقفت وراه عند طرقة المطبخ.
أول ما الباب اتفتح، دخلت حماتي ووراها بناتها التلاتة، نهى وأخواتها، لابسين ومتشيكين، ودخلوا يزقوا في الباب كأنهم داخلين زريبة مش بيت ناس ليهم خصوصيتهم!
حماتي بصت للشقة بعين كلها حسد وغل، بصت للسيراميك اللي بيلمع، للنجف، وللفرش الجديد، وبصتلي وأنا واقفة بكامل أناقتي وبشرتي رجعت نضرة ورايقة بعد ما بعدت عن صهد الفرن والشقا.
ما شاء الله، ما شاء الله! حماتي قالتها بصوت عالي وهي بتلوح بإيديها، أهو الهوانم عايشين في النعيم وإحنا اللي سيبتونا في الخرابة ناكل في بعضنا! أدي الشقة اللي فلوس ابني طارت عليها عشان خاطر ست الحسن والجمال!
أحمد وشه اتخطف، اتوتر وبصلي برعب كأنه خايف أنفجر وألم هدومي وأمشي، بس أنا المرة دي كنت هادية جداً، ابتسمت ابتسامة باردة مفيهاش ذرة ارتباك، وقفت مربعة إيديا وقولت أهلاً يا حماتي... اتفضلوا، بس يا ريت بالراحة على الباب والجرس، البيت هنا له أصوله مش زي تحت.
نهى أخته لوت بوزها وقعدت على الصالون الجديد ورجل على رجل أصول إيه يا مرات أخويا؟ دا بيت أخونا ومن حقنا ندخله في أي وقت، ولا إنتِ مفكرة نفسك هتمنعينا عنه؟ دا إحنا أهل البيت!
مشيت بهدوء، قعدت على الكرسي المقابل ليهم، وحطيت رجل على رجل بكل ثقة بيت أخوكم على عيني وراسي، بس ده بيتي أنا ومملكيتي أنا، والبيت اللي ملوش استئذان وميعاد محدد، ملوش كرامة، وحضراتكم جايين من غير اتصال ولا كلمة، بس يلا... كرم الضيافة واجب برضه.
حماتي رمت شنطتها على الترابيزة وقالت بغيظ قومي يا هانم هاتي لنا حاجة نشربها، ولا خلاص مبقتيش تعرفي المطبخ بعد ما اتفرعنتي؟ ونهى اختك عايزة فنجان قهوة مظبوط، وأنا رجلي وجعاني وعايزة كباية ينسون سخنة.
كانت فاكرة إنها بحركتها دي هترجع تفرض سيطرتها عليا في بيتي، وتكسر القواعد اللي حطيتها، وتبين لبناتها إنها لسه الآمرة والناهية، وبصت لأحمد كأنها بتتحداه يفتح بقه.
أحمد
بص في الأرض واتوتر، كان باين إنه مكسوف من أسلوبها بس مش قادر يزعق لأمه في أول زيارة ليها.
أنا وقفت، مروحتش على المطبخ، روحت وقفت جمب أحمد، حطيت إيدي على كتفه وبصيت لحماتي وقولت بمنتهى الهدوء والبرود اللي حرق دمها أنا هنا ست البيت يا حماتي، مش شغالة ولا خدامة بطلب. لو داخلين بيتي ضيوف باحترامكم، أحمد بنفسه هو اللي هيقوم يدخل المطبخ يعمل لأمه وأخواته اللي يشربوه ترحيباً بيكم، لكن أنا... إيدي متتمدش في خدمة حد بيعاملني بأسلوب الأوامر والتعالي. إنتوا نسيتوا الاتفاق في المندرة قدام الحاج عبد الرازق ولا أفتكرلكم؟
حماتي وشها احمر، قامت وقفت وصرخت إنتِ بتخليه هو اللي يخدمنا؟! بتخلي الراجل يدخل المطبخ وإنتِ قاعدة هانم متفرجة؟! شوفت يا أحمد خيبتك؟! شوفت مراتك بتقل منك إزاي قدامنا؟!
أحمد في اللحظة دي
حس إن مفيش مفر، حس إنه لو رضي بكلام أمه، بيته هيتخرب للمرة التانية ومش هيشوف ضفر أميرة تاني، افتكر بهدلة الأسبوعين اللي فاتوا، وافتكر كلام الحاج عبد الرازق وكلام محمود في البلد.
رفع راسه، وبص لأمه بعين فيها حزم مكنش موجود زمان، وقال بصوت عالي لأول مرة في وشه أمه أمي! كفاية بقى لحد هنا! أميرة مغلطتش في حاجة، ده بيتها وله احترامه، وإنتوا داخلين تكسروا فرحتنا وتتأمروا عليها كأننا لسه في الشارع تحت! اللي يشرب حاجة هنا يشربها بأدب واحترام لصاحبة البيت، ولو مش عاجبكم طريقتها، يبقى الشاي والقهوة هعملهم أنا بإيدي، بس مراتي محدش هيوجهلها أمر ولا كلمة تهينها في بيتي!
الصمت نزل على الأوضة زي تلج نزل على نار والعة. نهى نزلت رجلها من على رجل وبصت لأخوها بذهول تام، مش مصدقة إن أحمد حبيب أمه اللي كان بيمشي بكلمتها بيقف في وشها عشان مراته. حماتي لسانها اتشل، عينيها وسعت من الصدمة، إيدها بدأت ترتعش بجد من القهر إنت... إنت بتقول لأمك كده يا أحمد؟! بتبعني عشانها؟!
أنا مابيعكيش يا أمي، إنتِ أمي وعلى راسي ورجلك فوق راسي أخدمك بروحي ودمي، بس في حدود، في بيتي هنا مراتي هي الملكة، ومحدش هيدوسلها على طرف تاني، اللي عملتوه زمان هو اللي وصلنا لهنا، وبدل ما تيجوا تباركوا وتصلحوا النفوس، جايين تولعوا الدنيا من جديد؟!
أنا كنت واقفة باصة للمشهد، حسيت برد الاعتبار الحقيقي، حسيت إن السنين اللي راحت والتعب اللي شيلته والظلم اللي عشته قدام صهد الفرن والشمس رجعلي كرامتي أضعاف مضاعفة. الراجل اللي كان زمان بيصدق كدبهم وبيزعق فيا عشان يرضيهم، بقى درع وسيف بيحميني وبيصد عني غلهم.
حماتي حست إن خلاص، السحر انقلب على الساحر، إن سيطرتها على ابنها انتهت للأبد، وإن الشجرة اللي كانت بتستظل بيها اتكسرت من جذورها بسبب طمعها وظلمها. مسكت شنطتها بإيد بتترعش، وبصت لبناتها وقالت بصوت مكسور ومخنوق قوموا... قوموا بينا من هنا، ملناش مطرح في البيت ده، بكره الزمن يلف بيك يا أحمد وتعرف إن مفيش حد بينفع غير الأم، وبكره مراتك توريك النجوم في عز الضهر!
خرجت حماتي بتجر رجليها، وبناتها وراها مطاطيين روسهم مكسوفين، نزلوا على السلم في صمت تام، مفيش ضحك الشيبسي ولا التريقة بتاعة زمان.
أحمد قفل الباب وراهم بهدوء، سند ضهره على الباب ورجع راسه لورا وتنهد تنهيدة كأن جبل انزاح من على صدره. بصلي بعيون مليانة ندم وصدق، قرب مني ومسك إيدي الاتنين وباسهم حقك عليا يا أميرة، ارتاحتي كده؟ عرفتي إنك عندي بالدنيا كلها؟
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية، ابتسامة مسحت كل أثر للحزن والمرار، وهزيت راسي وقولت دلوقتي بس يا أحمد... بيتنا اتعمر بجد.
مرت السنين بعد اليوم ده، وحياتنا مشيت في هدوء واستقرار. خلفت ولدين زي القمر، ملوا عليا حياتي، وبقيت عايشة في بيتي معززة مكرمة، ملكة متوجة بكرامتي وأصلي. حماتي مرضت بعد فترة، ورقدت في سريرها بعد ما بناتها كل واحدة فيهم اتجوزت وسابتها لوحدها، وكانوا بيجوا يزوروها في المناسبات بس ويسبوها في مرضها وتعبها.
وفي يوم مرضها الشديد، نزلت معاها بأصلي، روحت زورتها في بيت العيلة القديم. دخلت الأوضة لقيتها نايمة هزيلة وضعيفة، أول ما شافتني عيونها دمعت بالندم، مسكت إيدي وقالتلي بصوت واطي ومبحوح سامحيني يا بنتي... بناتي اللي دلعتهم وظلمتك عشانهم رموني، وإنتِ اللي جيتي تطمني عليا.
بصيتلها بهدوء، حطيت إيدي على راسها وقولت مسامحاكي يا حماتي لوجه الله، عشان ربنا مابيرضاش بالظلم، وعشان علمني إن الحق بيرجع لأصحابه ولو بعد حين، وإن اللي يزرع شوك مبيحصدش غير جرح، واللي يزرع كرامة وصبر بيحصد عز وشرف.
خرجت من البيت القديم، بصيت للسطح وللشمس الحامية اللي كانت زمان بتحرق وشي، وابتسمت وأنا ماشية ماسكة إيد ولادي وجوزي جمبي ساندني. عرفت ساعتها إن الصبر على الظلم مبيكونش ضعف، لكن بيكون حكمة لحد ما تيجي اللحظة اللي تاخد فيها حقك بالقوة والأصول، وإن الست اللي تصون كرامتها ومتفرطش في حقها، بتجبر الدنيا كلها تحترمها غصب عنها.

تم نسخ الرابط