رواية كاملة
المحتويات
الجمعيات اللي بقبضها من شغلي التريكو والأونلاين عشان نسدد ديون فرحك؟ ولا خير الخدامة الببلاش اللي بتشيل وسخ البيت كله من الصبح لليل؟! خير إيه؟! إنت لو جبت خدامة باليومية تدفع لها دم قلبك ومش هتعاملك بالذوق اللي كنت بعاملهم بيه!
إنتِ اتفرعنتي خلاص؟! صرخ فيا ورفع إيده، للحظة افتكرت إنه هيمد إيده عليا، بس وقفت ثابتة وعيني في عينه لو الإيد دي اترفعت، كل حاجة بيني وبينك هتنتهي في نفس اللحظة، ومش أنا اللي هخرج من البيت ده مطاطية الراس، دا أنا هخرج وفاضحاكم قدام البلد كلها باللي بتعملوه فيا.
إيده نزلت بالتدريج، بس وشه كان مشوه بالغضب طب مفيش نزول تحت تاني، وأمي دي رجلك فوق راسها، وتنزلي دلوقتي حالا تبوسي راسها وتعتذري وتغسلي المواعين وتغرفي لأخويا، ورجلك فوق رقبتك!
مش هيحصل يا أحمد. رديت بهدوء قاطع. بقولك هتنزلي! قولتلك في الأحلام... موتني هنا، ومش نازلة أعتذر عن ذنب معملتوش، ومش نازلة أخدم حد قادر يخدم نفسه.
ضرب بإيده على الدولاب، وشتم بأقذر الألفاظ، ولف وشه وخرج ورزع الباب وراه ونزل لأمه تحت. سمعت صوته وهو بيتكلم معاهم، كانت الأصوات مش واضحة قوي، بس كان واضح إن فيه خناقة تحت تانية، لأن نهى كانت بتعيط وصوت حماتي علي تاني تدعي عليا منك لله يا شيخة، فرقتي بين الواد وأمه، خربتي البيت وعمرتي في جهنم!
قعدت على الكنبة، قلبي بيدق بسرعة رهيبة، بس كان فيه إحساس غريب بدأ يتملك مني... إحساس بالقوة. الخوف اللي كان بيسيطر عليا كل السنين دي اتكسر. كنت دايما بخاف من زعل حماتي، بخاف من غضب جوزي، بخاف من كلام الناس واللقب مطلقة... بس اكتشفت إن الخوف ده هو السجن اللي كنت حابسة نفسي جواه بمزاجي، وإنهم كانوا بيتغذوا على ضعفي.
طلعت تليفوني، ورنيت على أخويا الكبير، محمود. محمود راجل صعيدي أصيل، ملوش في اللف والدوران، ومن زمان كان بيحس إني مش مرتاحة بس مكنتش برضى أحكيله عشان ما أعملش مشاكل بين العيلتين.
ألو... إزيك يا محمود. أهلاً يا أميرة، مال صوتك يا بتي؟ فيه حاجة؟ صوتك مبحوح كأنك بتبكي. بلعت ريقي وحبست غصتي محمود... تعالى خدني. أنا خلاص جبت آخري، ومش هقعد في البيت ده دقيقة واحدة زيادة.
محمود مسألش في التليفون عملوا إيه؟، هو عارف أخته صبورة وعمرها ما هتقول الكلمة دي إلا لما تكون السكينة وصلت للعظم مسافة السكة يا خيتي، نص ساعة وأكون تحت بيتك، جهزي شنطة هدومك وملكش دعوة بحد.
قفلت معاه، وقومت بمنتهى الهدوء والترتيب. جبت شنطة سفر كبيرة، فتحتها وحطيت فيها كل هدومي المهمة، كل أوراقي الرسمية قسيمة الجواز، شهادات ميلادي وشهادات ولادي، دهبي اللي فاضل، وفلوس شغلي اللي كنت محوشاها. ما خدتش حاجة مش بتاعتي، حتى الحاجات اللي اشترينها سوا للبيت سبتهالهم يشبعوا بيها.
وأنا بلم حاجتي، سمعت صوت رنة تليفون أحمد في الصالة تحت، وصوته وهو بيتكلم مع حد... فجأة لقيت الباب بيتفتح، دخل أحمد ووراه حماتي وبناتها! أيوه، طالعين وراه كأنهم داخلين زفة أو محكمة، عايزين يتفرجوا على كسرتي وهو بيجبرني أعتذر.
حماتي وقفت في وش الباب، حاطة إيدها في وسطها، وعينها بتبص على الشنطة المفتوحة على السرير أهو شوفت يا اخويا الهانم؟ بتلم هدومها عشان تلوي دراعك! مفكرة نفسها هتهددنا بالخروج؟ الباب يفوت جمل يا عينيا، وإحنا نزوجوك سيد سيدها وبكرة الصبح!
نهى أخته دخلت وراها وهي بتبتسم بمياعة سيبها تمشي يا أحمد، دي ناكرة للجميل، مفكرة نفسها دكتورة وإحنا مش قد المقام.
أحمد كان وشه أصفر، شاف الشنطة اتصدم... مكنش متوقع إن الموضوع يوصل لكده، كان فاكر إني هعيط وأقفل على نفسي الباب كالعادة لحد ما أصالحهم إنتِ بتعملي إيه يا أميرة؟! هتمشي تروحي فين؟ متخربيش بيتك بإيدك وتسمعي كلام شيطانك!
بصيت لحماتي الأول، وبعدين بصيت لبناتها، وبعدين ركزت عيني في عين أحمد البيت ده اتخرب يوم ما دخلتوه الظلم، يوم ما اعتبرتوني جارية بتخدمكم وإنتوا قاعدين تتدلعوا، وأنا سكت وقولت عشان خاطر جوزي، بس جوزي طلع أول واحد يبيعني ويصدق فيا الكدب.
حماتي شهقت وضربت على صدرها كدب يا قليلة الحيا؟! أنا بكدب؟! شوفت يا أحمد لسانها؟ شوفت بتتهمني بإيه قدامك في بيتك؟!
أيوه بتكدبي! صرخت فيها وأنا بشاور بصباعي، خلتها ترجع ورا وتخبط في بنتها، بتكدبي وألف كدب كمان! مش إنتِ اللي قولتلي اطلعي اشوي السمك عشان وش بنتك ميتحرقش من الصهد؟ مش إنتِ اللي سيبتي الرز والسلطة عليا بعد ما نزلت مهدود حيلي؟ مش بنتك هي اللي قالتلي حطي براد الشاي وانتي بتغسلي المواعين؟ ولا لما قولت لأ روحتي تألفي حكاية من خيالك وتقولي لجوزي رميت الأكل وزعقت فيكي؟! انطقي... دا ربنا شايفك وسامعك وهيقف بينا وبينه يوم الحساب، احلفي بالله إن ده حصل!
حماتي وشها بهت، لسانها اتعقد لثانية لأنها مكنتش متوقعة المواجهة المباشرة دي قدام أحمد، بس سرعان ما استرجعت مكرها ولفت وشها لأحمد وقالت شايف؟! بتستجوبني في بيتي! بتعلي صوتها عليا وعايزاني أحلف عشان واحدة زي دي؟! طلقها يا أحمد، طلقها لو ليك راجل في البيت ده ومترضاش لأمك الإهانة!
أحمد بقى مشتت، باصص لأمه وباصص ليا، عيونه كانت بتقول إنه عارف إني مكدبتش، التفاصيل اللي قولتله عليها دقيقة وعارف إن أمه وبناتها ميعملوش غير كده، بس عزة نفسه الرجولية المزيفة وكبرياء أمه كان حاجز بينه وبين الحق أميرة... اعتذري لأمي دلوقتي وقفلي
الشنطة دي، وبلاش فضايح.
ضحكت بصوت عالي اعتذر؟ على جثتي يا أحمد.
في اللحظة دي، سمعنا صوت كلاكس عربية تحت، وبعدها صوت راجل بيهز العمارة كلها من تحت يا أمييييرة! انزلي يا خيتي أنا مستنيكي تحت!
صوت محمود أخويا. حماتي وبناتها اتخضوا، بصوا لبعض برعب... هما عارفين عيلة محمود، عارفين إن أبويا وإخواتي رجالة صعايدة مابيهزروش في حق بناتهم، وإن محمود بالذات مابيتفاهمش بالعياط واللف والدوران، بيتفاهم بالحق والقوة.
أحمد وشه اتخطف إنتِ... إنتِ كلمتي أخوكي؟! مدخلة أهلك بينا ليه؟!
عشان لما جوزي ميبقاش ضهري، يبقى أهلي هما ضهري وسندي اللي عمري ما اتكسر بيهم. قفلت سوستة الشنطة برزعة قوية، وشيلتها في إيدي.
حاول أحمد يقف في طريقي ويمسك إيدي عشان يمنعني مش هتخرجي من هنا، الشنطة دي مش هتتحرك!
سيب إيدي يا أحمد بدل ما أنده لمحمود يطلع يجيبك من قفاك قدام أهلك كلهم، وساعتها مش هتعرف تبص في وش حد في الحارة تاني!
نظرة التحدي اللي في عيني كانت كفيلة تخليه يرخي إيده غصب عنه. عدا خطوة لورا وهو بيتنفس بصعوبة. حماتي لسانها اتلجم، وبناتها جريوا يستخبوا وراها كأنهم فئران جحور لما سمعوا صوت راجل من أهلي.
نزلت على السلم بخطوات ثابتة، صوت كعبي كان بيرن على درجات السلم رنة حرية وكرامة. فتحت باب العمارة وخرجت، لقيت محمود واقف ساند ضهره على عربيته النصف نقل، لابس جلابيته وهيبته تملى المكان، كان باصص لفوق على البلكونة، وشاف أحمد لما طلع يبص منها.
محمود جه عليا بسرعة، أخد مني الشنطة حطها في العربية، وبص في وشي حد مد إيده عليكي يا بتي؟ حد نطق معاكي بكلمة عيبة؟
هزيت راسي وقولت محدش يقدر يا محمود، بس خلاص... البيت ده مبقاش يلزمني.
محمود رفع راسه لفوق، وبص لأحمد اللي كان واقف في البلكونة وأمه وراه متدارية ورا الستارة، وقال بصوت جهوري سمّع الشارع كله أختنا دخلت بيتكم بكرامتها وبأصولها وبدهبها، واللي ميعرفش قيمة الجوهرة، ترجع لصايغها يحفظها ويصونها! والرجولة مش على الحريم يا بن الناس، الحساب بيني وبينك في الميعاد!
فتحت باب العربية وركبت، ومحمود دور العربية ومشينا. بصيت في مراية العربية الجانبية... شوفت الشارع بيصغر، وشوفت العمارة اللي عشت فيها سنين من التعب والقهر بتبعد وتتلاشى، حسيت لأول مرة من سنين إني قادرة أتنفس هوا نضيف، صهد الفرن والشمس اللي كانوا على وشي الصبح اتبدلوا بنسمة هوا باردة مسحت كل العرق والوجع.
وصلنا بيت أبويا في البلد، أول ما دخلت لقيت أمي مستنياني بفارغ الصبر على الباب، حضنتني ودخلتني في صدرها... بكيت ساعتها، مش حزن على اللي فات، لكن راحة إني رجعت لحضن الأمان اللي مستحيل يخوني أو يستغلني.
قعدنا كلنا، وحكيت لمحمود وأبويا وأمي على كل اللي حصل من طقطق لسلامو عليكم. محمود كان قاعد بيغلي، وأبويا الراجل العجوز الحكيم كان بيهز راسه بأسى ويقول البيت اللي ملوش كبير تحكمه النسوان المايلة، يخرب ولو كان مبني من
متابعة القراءة