رواية كاملة
المحتويات
ما أعمل أي صوت.. قربت من باب الأوضة، وفتحته سنة صغيرة جدًا.
لقيت كريم واقف في الضلمة عند مدخل الطرقة.. وماسك التليفون على ودنه، وبيتكلم بصوت واطي ومكتوم.
قربت أكتر وحبست أنفاسي.. سمعت صوت حماتي من السماعة التانية عالي وخبيث
كل حاجة جاهزة، الدكتورة مستنيانا على تسعة الصبح.
وبعدين سمعت كريم بيرد عليها بهدوء يقشعر البدن
أيوه يا أمي.. رتبي مع الدكتورة، وبكره الصبح قبل ما ندى تفتح عينها.. هتكون ليان عندك تحت ونخلص الموضوع.
في اللحظة دي.. الدنيا اسودت في عيني وإيديا تلجت تمامًا.
فهمت إن تهديد حماتي مكنش مجرد كلام، وإن جوزي باع بنته بدم بارد عشان يكسرني..
وإن الليلة دي، ممكن تكون آخر ليلة بنتي تنام فيها سليمة وفي حضني.. إلا لو أنا قلبت الترابيزة عليهم كلهم!
حكايات_منال_علي
رجعت بضهري على طراطيف صوابعي، كتمت نَفَسي بإيدي الاتنين عشان حتى صوت شهقتي ما يطلعش ويحس بيا.
دخلت الأوضة، قفلت الباب بالترباس براحة شديدة من غير ولا تكة صوت، وسندت ضهري على الخشب ونزلت على الأرض.. ركبي مكنتش شيلاني.
الدموع كانت نازلة سخنة تكوي خدي، بس في ثانية واحدة.. الدموع دي نشفت.
الخوف اتقلب لغليان، والضعف اللي كان مخليني أترعش اتبخر وحل مكانه غضب أعمى.
كريم؟ جوزي وسندي وأبو بنتي؟ يبيع ضناه بالرخص ده عشان يثبت لأمه إنه راجل ويمشي كلمته عليا؟!
عايز يسلم لحمه ودمه لمشرط يشوهها ويموت براءتها، وهي طفلة جسمها ضعيف مش مستحمل حتى دور برد؟!
بصيت على ليان.. كانت نايمة شبه الملايكة
همست لنفسي وصرت على أسناني
على جثتي.. والله لو فيها روحي، ما حد هيلمس شعرة منك يا ليان.
بصيت في الساعة المعلقة على الحيطة.. كانت الفجر.
قدامي خمس ساعات بالظبط قبل ما الكابوس يبدأ.. خمس ساعات لازم أتحرك فيهم زي الشبح.
بدأت أفكر بعقل بارد حكايات_منال_علي
أنا لو استنيت الصبح ونزلت في ميعادي، كريم هياخد البت بالقوة وحماتي تحت هتكون مجهزة كل حاجة.
ولو صرخت واستغثت في الشارع، حماتي هتطلع وتقول دي مجنونة وعيلة ومصلحة البنت، والناس في منطقتنا ممكن يطاطوا ويسكتوا ويقولوا دي عادات وأهلها أدرى بيها.
لازم أتصرف قبل طلوع النور.. ولازم أكون سابقة بخطوة.
قومت على حيلي، طلعت شنطة ضهر صغيرة من فوق الدولاب.
حطيت فيها شهادة ميلاد ليان، بطاقتي، الدهب بتاعي اللي شايلاه من سنين، وكل الفلوس الكاش اللي كنت محوشاها في درجي.. مسبتش ولا مليم.
وحطيت غيار واحد ليا وغيارين لليان وجاكت تقيل عشان البرد.
بس كان ناقصني أهم حاجة.. الدليل ومكان الدكتورة.
لو هربت من غير ما أعرف هم رايحين فين، حماتي ممكن تروح مع مرات أخوها لبنت خال ليان وتكمل الجريمة، وغير كده كريم ممكن يتهمني بخطف البنت ويسود عيشتي.
سمعت صوت كريم بره في الصالة وهو بيقفل النور وبيدخل أوضتنا التانية ينام.
استنيت ربع ساعة كاملة.. لحد ما صوت شخيره المنتظم رجع ملى الممر.
فتحت باب أوضة ليان، وخرجت حافية على طراطيف رجليا.
البيت كان ضلمة كحل.. دخلت الأوضة اللي نايم فيها كريم، قلبي كان بيدق في وداني زي الطبلة.
التليفون كان محطوط على الكومودينو جمب راسه.
مديت إيدي بالراحة.. صوابعي كانت بتترعش، سحبت التليفون من جمب المخدة بكل حذر.
كريم اتقلب فجأة وطلع صوت ضيق ونفخ.. اتجمدت في مكاني ونفسي اتقطع، فضلت واقفة زي الصنم لدقيقة كاملة لحد ما غرق في النوم تاني.
أول ما اتطمنت، مسكت التليفون وفتحت شاشته ببصمة وشه وهو مغمض، ودخلت فوراً على سجل المكالمات ورسايل
الواتساب.
لقيت آخر شات بينه وبين أمه.. كانت بعتاله فويس نوت ورسالة فيها اسم وعنوان
عيادة د. سوسن، شارع ...، الدور التاني فوق الصيدلية.. الميعاد محجوز باسمي الساعة 9 بالدقيقة، جهز البت وتعالى من غير ما البومة التانية تحس!
فتحت تليفوني وصورت الشاشة، وحولت الفويس نوت والرسايل على رقمي، ومسحت أثر التحويل من تليفونه عشان ما يشكش في حاجة حكايات_منال_علي
رجعت التليفون مكانه بهدوء، ورجعت أوضتي وقفلت الباب ورايا.
قعدت على السرير وأنا بنهج..
عيادة دكتورة سوسن.. تمام أوي يا حماتي.
طلعت تليفوني، وعملت أول حركة هتقلب الموازين.
رنيت على أخويا أحمد.. أحمد أخويا راجل جدع ودمه حامي، وكان الوحيد من أهلي اللي بيفهم يعني إيه ختان بنات ويعني إيه جريمة يعاقب عليها القانون.
التليفون رن أربع مرات قبل ما يرد بصوت نايم ومخضوض
ألو.. ندى؟ في إيه يا بنتي رامة في الفجر كده؟! إنتِ كويسة؟!
اتكلمت بصوت واطي ومخنوق، بس حاسم
أحمد.. اسمعني كويس ومتسألش كتير دلوقتي. كريم وحماتي متفقين الصبح ياخدوا ليان يختنوها في عيادة من ورايا، وكريم حبسنا في الشقة وهددني.
لقيت صوته اتغير في ثانية وصحي تماماً، وقال بغضب زلزل السماعة
إيه الجنان ده؟! هو اتجنن في عقله ولا أمه خرفت؟! إنتِ فين دلوقتي؟ أنا جاي أكسر البيت على دماغهم!
قلت بسرعة
لأ.. إياك تيجي هنا دلوقتي يا أحمد! لو جيت هتعمل خناقة وكريم هيعند وأمه هتداري، وهيبوظوا كل حاجة.. إحنا لازم نوديهم في داهية بالقانون وبالفضيحة اللي تكسر عينهم وميقدروش يرفعوا عينهم فيا تاني.
أحمد سكت ثانية وقال
عايزاني أعمل إيه؟
عايزاك تجيلي بالعربية تقف على أول الشارع الرئيسي بعيد عن عين البواب وعين شباك حماتي.. ومتقفلش تليفونك. وقبل ما تتحرك، اتصل بخط نجدة الطفل 16000 وبلغهم ببلاغ استغاثة عاجل بجريمة هتحصل الساعة 9 الصبح بالاسم والعنوان اللي هبعتهولك.. وأنا هتصرف هنا.
أحمد رد بحزم
ربع ساعة وهكون على أول الشارع.. مستني إشارتك يا ندى، وخلي بالك من نفسك ومن البت.
قفلت معاه، والساعة بقت 430.. الفجر كان بدأ يدن.
المشكلة الكبيرة بقى
باب العمارة الرئيسي تحت مقفول بالترباس والمفتاح الكبير مع عم رجب البواب، وشباك أوضة حماتي باصص على مدخل العمارة بالظبط.. أي حركة أو صوت مفاتيح، حماتي نومها خفيف زي القطط وهتطلع تقف في وشي.
لو حماتي شافتني نازلة بشنطة وليان في إيدي في الوقت ده.. كل حاجة هتضيع.
بصيت على ليان اللي لسه نايمة، وقعدت أفرك إيديا بتفكير سريع..
لو هربت دلوقتي وقفشوني عند البوابة، هتتحول لخناقة وأنا الطرف الأضعف.. بس لو خرجت بطريقة تانية؟
فجأة لمعت في دماغي فكرة مجنونة.. فكرة فيها مخاطرة، بس هي طوق النجاة الوحيد.
روحت على المطبخ، شربت بق مية عشان أبل ريقي الناشف، وبدأت أجهز مسرح الجريمة اللي هيلبسهم في الحيط.
كريم نايم وفاكر إنه مسيطر ومربط كل الخيوط مع أمه.. ميعرفش إن الست لما بتدافع عن ضناها، بتتحول لوحش مبيشوفش قدامه!
صحيت ليان براحة، حطيت إيدي على بقها وهمست في ودنها بحنان
لي لي.. حبيبة ماما، اصحي براحة ومطلعيش أي صوت خالص.. دي لعبة سرية بنلعبها مع بعض.
البنت فتحت عيونها بنعاس وبصتلي باستغراب، بس أول ما شافت عيوني بتضحكلها ارتاحت وهزت راسها.
لبستها الجاكت التقيل والكوتشي، ولبست أنا عبايتي وطرحتي، وشيلت شنطة الضهر على كتفي.
شيلت ليان على دراعي وخرجت من باب الشقة فوق.. نزلت السلم درجة درجة، من غير ما ألبس جزمتي في رجلي، شايلها في إيدي التانية عشان ميطلعش ولا همسة خبط على الرخام.
وصلت للدور الأرضي.. شقة حماتي على اليمين، والمدخل على الشمال.
فجأة.. سمعت صوت طقطقة زرار النور جوه شقة حماتي، وصوت كحّة جاية من ورا الباب!حكايات_منال_علي
اتسمرت في مكاني.. ضهري لزق في الحيطة تحت بير السلم، وقلبي كاد يقف
متابعة القراءة