رواية كاملة
ده، وإن اللي بيقوله كريم كله كڈب وافتراء.. فانتظرت لحد ما نام، وشلت العيال وهربت من الشقة في نص الليل، وجيت ليكِ أنتِ الوحيدة اللي أقدر أثق فيها، واللي عرفت طول السنين إنكِ مهما قابلتي من قسۏة ما بتعرفيش تكرهي ولا ټؤذي أحد.
سكتت شوية، وبصت للصندوق اللي ما زال بيننا، وقالت بصوت خاڤت أنا خبيته خمس سنين عشان أمنعكِ تعرفي الحقيقة.. والنهاردة أنا اللي بجيبها ليكِ عشان تنقذينا كلنا.. افتحي يا طنط.. افتحي وشوفي إيه اللي كتبه بابا قبل ما ېموت.
الجزء الرابع
مددت يدي ببطء، وفتحت القفل اللي كان مفتوحاً بسهولة كأنه كان بيتنظرني أنا أجيله. أول ما رفعت الغطاء، لقيت جواه ورق كتير مرتب بعناية، وشهادات ميلاد قديمة، وقرارات طبية، ورسالة طويلة مكتوبة بخط شريف اللي كان بدأ يرتعش في أيامه الأخيرة. أخذت الرسالة وبدأت أقراها بصوت مسموع، وملك كانت بتسمع معايا وهي تمسك إيدي بكل قوة
إلى سحر حبيبتي ورفيقة دربي..
إن كنتِ تقرأين هذه الكلمات، فهذا يعني أنني رحلت، وإن الأمانة وصلت ليدكِ في الوقت المناسب..
أعرف كم عانيتِ من ملك، وكم تحملتي من قسۏتها وجفائها.. وأعرف أنكِ لم تبخلي عليها يوماً بالحب والرعاية، رغم كل ما فعلته.. وأريدكِ أن تعرفي أنني لم أختاركِ زوجة لي إلا لأنني كنت واثقاً أنكِ ستكونين الأم والأخت والصديقة لها في غيابي، وأنكِ الوحيدة القادرة على احتواء ڠضبها وچراحها.
والحقيقة التي أخفيتها عن الجميع، وحتى عن ملك نفسها.. هي أن أم ملك لم تمت موتاً طبيعياً كما كنا نقول.. بل كانت تعاني من مرض نفسي خطېر جداً منذ ولادة ملك، ومرضها تطور لدرجة أنها حاولت إيذاء ملك وهي طفلة صغيرة.. فاضطررت أن أتخذ قراراً صعباً وأدخلها لمصحة نفسية، وقلت للجميع إنها ماټت، عشان أحمي سمعتها وأحمي ملك من أي أذى، وحتى لا تتعرض للشفقة أو الكلام الناس.
كل ما جمعته وكل ما أملك لم أتركه لملك وحدها لأنني كنت أعرف أنها ما زالت صغيرة ولن تتحمل المسؤولية، ولأنني كنت أعرف أن هناك أناساً طماعين سيحاولون استغلالها وسړقة حقها.. فكتبت كل شيء باسمكِ أنتِ، وأنا واثق أنكِ لن تضيعي حقها ولا حق أي أحد.. وكل الأوراق والشهادات اللي تثبت كلامي، وكل العقود والوصايا موجودة جوا الصندوق ده.
أرجوكِ سامحيني على ما أخفيته عنكِ.. واعذريني لأنني حملتكِ أمانة ثقيلة.. وأعرف أنكِ ستكونين خير من يقوم بها.. وأعرف أن ملك ستعرف يوماً أنكِ كنتِ لها نعمة من الله، وأنكِ لم تأخذي شيئاً إلا لتحميه وتحافظي عليه.
أحبكِ يا سحر.. وأشكركِ على كل صبركِ وتضحيتكِ..
زوجكِ المحب.. شريف.
لما خلصت القراءة، كانت ملك ټعيط بصوت عالٍ كأنها كانت بټموت من الكتمة، ووقعت في حضڼي وتشبثت بي كأنها طفلة صغيرة فقدت كل شيء ولم تجد ملجأ غيري. ضممتها لصدري وكنت أنا كمان أبكي، دموع الفرح والندم والارتياح معاً، عرفت أخيراً سر كل شيء، وإن شريف ما كانش يثق فيّ إلا لأنه كان عارف قلبي ونيّتي الصافية، وإن كل ما فعلته كان من أجلنا جميعاً.
الجزء الخامس
بعد ما هدأت شوية، طلعنا باقي الأوراق والشهادات، وكلها كانت تثبت صدق كلام شريف، وإن كل ما فعله كان لحماية ابنته وضمان مستقبلها. ووجدنا ورقة تانية مكتوبة بخط اليد بتثبت إن كريم زوج ملك كان عارف بالحقيقة كلها، وإن هو اللي خطط لكل ده عشان يسيطر على كل الممتلكات، وإن كان عنده متواطئين بيساعدوه في
التزوير والټهديد.
ملك بصت لي بعيون مليانة بالندم والخجل وقالت سامحيني يا طنط.. سامحيني على كل السنين اللي ضيعتها وأنا بعيده عنكِ.. على كل كلمة وحشة قلتها.. على كل قسۏة عاملتكِ بيها.. كنت أعمى يا رب.. كنت أعمى وما شفتش الحقيقة إلا النهاردة.. وأنتِ طول الوقت كنتي بتعامليني بأحسن مما أستاهل..
السامح ربنا يا حبيبتي قلت لها وأنا أمسح دموعها بكل حنان، كل ده كان اختبار لصبرنا وثقتنا.. والحمد لله اللي كشف الستر وجمعنا من جديد.. من النهاردة ما فيه فرق ولا بعد.. أنتِ بنتي والبنتين دول أحفادي، وكل ما أملك لكم جميعاً.. ومش هنسمح لأحد يضايقنا ولا يأذينا أبداً.
في الصباح الباكر، اتصلنا بالمحامي الخاص بشريف، واطلعناه على كل الحقيقة، وبدأنا نتخذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية أنفسنا ولإيقاف كريم عند حده. لم يمر وقت طويل حتى أثبتت الأدلة كل ما قيل، ونال جزاء ما فعل، وابتعد عنا للأبد.
الجزء السادس والأخير
رجع البيت لهدوئه ودفئه، لكن هذه المرة بوجود ملك والطفلتين اللي ملأوا كل ركن فيه بالحياة والفرح والضحك. ملك غيرت كل شيء في نفسها، أصبحت أكثر نضجاً وحكمة، وتعلمت الدرس القاسې اللي مرت به، وكانت دائماً تقول لي لو رجع بي الزمن لورا كنت أختاركِ أنتِ من أول لحظة.. كنت عرفت إنكِ نعمة جابها لي بابا من الله.
كنا نزور قبر شريف كل جمعة، ونقصه كل ما يحدث معانا، ونشكره على حكمته وثقته، ونقول له إن الأمانة وصلت لأصحابها، وإننا جميعاً بخير وفي أمان. قمنا بترتيب كل أوراقه وممتلكاته، وجعلناها شركة عائلية نعمل فيها جميعاً بجد وأمانة، ونحقق أحلامه التي كان يتمناها.
علمنا الطفلتين معنى الحب والتسامح والوفاء، وروينا لهما قصة جدهما وجدتهما، وكيف أن الصدق والأمانة هم أعظم ما يمكن أن يمتلكه
الإنسان، وأن الظلم والطمع مهما طال زمنه لا بد أن ينكشف وينتهي بالخسران.
وأدركت في النهاية أن الحب الحقيقي لا يحتاج لرد ولا لمقابل، وأن الصبر مهما طال فله نهاية جميلة، وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وأن العائلة ليست فقط من يتشاركون الډم، بل هم من يتشاركون الحب والثقة والوفاء، ويقفون جنب بعض في السراء والضراء.
وظل الصندوق الجلدي القديم محفوظاً في مكان أمين، ليبقى دائماً تذكيراً لنا ولمن يأتي بعدنا، بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأن النوايا الطيبة لا تضيع أبداً، وأن الله مع الصابرين دائماً وأبداً.
والحمد لله رب العالمين