بعد سبع سنين حكايات بسمه
مين؟
فريد أخذ نفسًا.
اسمه سامح.
ياسين عقد حاجبيه.
سامح مين؟
سامح الديب.
الاسم جعل ياسين يسكت.
قلت
مين ده؟
فريد رد
شريك والدك القديم.
ياسين قال
لكن والدي قال إنه مات من زمان.
فريد هز رأسه.
هو اللي خلانا نفتكر كده.
سكتنا.
ثم قال
سامح كان مسؤول عن جزء حساس جدًا من الشركة. ولما اكتشف إن والدك عايز يخرج من الصفقة، حاول يضغط عليه.
ياسين سأله
وإيه علاقة الأطفال؟
فريد قال
لأن والدك اكتشف إن سامح كان بيستخدم بيانات طبية لأشخاص قريبين من الشركة.
اتسعت عيني.
بيانات طبية؟
أيوه.
ياسين فهم فجأة.
ملفات الحمل.
فريد أومأ.
بالضبط.
جلست على طرف السرير.
كل حاجة بدأت تركب في بعضها.
الطبيب.
المستشفى.
تغيير ملف نور.
السوار.
الغرفة 317.
سامح.
لكن بقي سؤال واحد.
ليه نور؟
فريد لم يجب.
ياسين بص إليه.
لازم تقول.
فريد قال
لأن نور اتولدت في نفس اليوم اللي والدك كان بيحاول يهرب فيه بملف مهم.
ملف إيه؟
ملف فيه أسماء الأشخاص اللي كانوا بيبيعوا معلومات سرية.
ثم نظر إلي.
والدك خبّى الملف داخل سوار نور.
شهقت.
جوه السوار؟
هز رأسه.
السوار كان فيه شريحة صغيرة جدًا.
ياسين قال
يعني السوار نفسه كان مجرد وسيلة لإخفاء البيانات؟
أيوه.
نظرت إلى صورة نور.
وأنا كنت فاكرة إنه مجرد سوار مستشفى.
فريد قال
وكان لازم تفضلي فاكرة كده.
فجأة، سمعنا صوت سيارة تتوقف تحت العمارة.
ثم صوت أمينة من الصالة
تارا!
خرجنا بسرعة.
أمينة كانت واقفة عند الشباك.
فيه عربية وقفت.
ياسين بص لتحت.
سامح.
الرجل كان واقف بجانب السيارة.
لكنه لم يكن وحده.
كانت بجانبه امرأة.
تقدمت المرأة خطوة، ورفعت رأسها نحو شقتي.
عرفتها فورًا.
الممرضة.
اللي كانت موجودة يوم ولادة الأطفال.
تجمدت.
دي هي.
ياسين قال
متفتحيش الباب.
لكن المرأة رفعت هاتفها.
وبعد ثوانٍ، وصلني اتصال.
رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
صوتها كان هادئًا.
تارا أنا عارفة إنك عايزة تعرفي الحقيقة.
قلت
فين السوار؟
ضحكت بهدوء.
معايا.
قلبي وقع.
إنتِ اللي أخدتيه؟
لأ.
سكتت.
أنا اللي خبّيته.
فين؟
في مكان ما حدش يقدر يوصل له.
ليه؟
قالت جملة خلتني أرتعش
لأن أم ياسين كانت بتدور عليه عشان تسلمه لسامح.
نظرت إلى أم ياسين.
كانت واقفة بعيدًا، ووجهها شاحب.
ياسين سألني
مين؟
قلت
الممرضة.
سمع صوتها.
ثم قالت
ياسين لو عايز تشوف السوار، تعالى لوحدك.
قلت فورًا
لأ.
لكنها ردت
تارا، اسمعيني.
إيه؟
السوار مش أهم حاجة.
سكتت لحظة.
الأهم إنني أعرف مين اللي بدّل سوار نور يوم الولادة.
بصيت لياسين.
ثم سألت
مين؟
صوتها انخفض
والدتك.
أم ياسين أغمضت عينيها.
وياسين استدار إليها ببطء.
لكن قبل أن ينطق، قالت الممرضة
وهي ما كانتش لوحدها.
ثم أغلقت الخط.
ساد الصمت.
ياسين نظر لأمه.
كنتِ مع مين يوم ولادة نور؟
أم ياسين لم ترد.
اقترب منها.
ماما كنتِ مع مين؟
رفعت عينيها إليه.
وبصوت مكسور قالت
مع الشخص اللي كان لازم أحميكم منه.
ثم سمعنا طرقًا على الباب.
ثلاث طرق.
وبعدها صوت رجل من الخارج
ياسين افتح.
كان صوت سامح.
لكن المفاجأة
إن صوتًا آخر جاء من خلفه.
صوت رجل مسن.
وأنا كمان يا ابني.
ياسين تجمد.
لأن الصوت الثاني
كان صوت والده لم أكن أعرف أيهما أخطر
سامح الواقف خلف الباب
أم الصوت الذي لم يكن من المفترض أن أسمعه مرة أخرى.
ياسين ظل واقفًا مكانه، ووشه شاحب.
ثم قال
افتحوا.
فريد أمسك ذراعه.
استنى.
لكن الباب اتفتح من نفسه.
دخل رجل مسن ببطء.
كان يشبه والد ياسين بشكل لا يُصدق.
لكن ياسين ظل يحدق فيه دون أن يتحرك.
الرجل قال
كبرت يا ابني.
ياسين همس
أنت؟
الرجل ابتسم.
أنا أبوك.
لم أستطع الكلام.
أم ياسين كانت تبكي.
وفريد وقف بعيدًا وكأنه كان يعرف كل شيء.
جلس الرجل، ثم قال
أنا ما متش. زيفنا وفاتي لأن سامح كان بيحاول يقتلني بسبب الملف.
نظر إلى نور.
ولما اتولدت، عرفت إن السوار اللي في إيدها هو المكان الوحيد الآمن لإخفاء الدليل.
ياسين قال
وإنت خليت أمي تخدع تارا؟
هز رأسه.
غلطنا.
ثم نظر إليّ.
كان لازم نخبرك بالحقيقة.
قلت بغضب
كان ممكن أموت وأنا بهرب بأولادي!
خفض عينيه.
عارف.
ساد الصمت.
ثم أخرج السوار من جيبه.
السوار الذي اختفى منذ سبع سنوات.
وضعه أمامي.
ده حقك.
أخذته بيد مرتعشة.
لكن قبل أن أقول شيئًا، دخل سامح.
فريد وقف أمامه.
انتهى كل شيء يا سامح.
سامح ابتسم.
لأ.
ثم نظر إلى ياسين.
الملف معايا.
ياسين قال
والملف الحقيقي عندي.
وأخرج الفلاش ميموري.
تغير وجه سامح.
في تلك اللحظة فهمت.
كل ما حدث خلال سبع سنوات كان سباقًا على دليل.
وليس على أطفالي.
أو هكذا ظننت.
سامح اندفع ناحية ياسين، لكن فريد أمسكه.
وبعد دقائق، وصلت الشرطة التي كان ياسين قد اتصل بها قبل فتح الباب.
تم القبض على سامح، ومعه الأدلة التي كشفت شبكة التلاعب بالملفات والابتزاز.
أما أم ياسين، فاعترفت بكل شيء.
اعترفت إنها أخبرتني بكذبة جعلتني أهرب، لأنها كانت تخشى أن يصل سامح إلى الأطفال.
لكنها أخطأت.
أخطأت لما حرمت ياسين من أولاده.
وأخطأت لما جعلتني أعيش سبع سنوات وأنا أعتقد أنني كنت وحدي.
أما والد ياسين، فظهر أمام القضاء بكل ما لديه من أدلة، وانتهت السنوات الطويلة من الاختباء.
بعد أيام، رجعت للبيت.
وقفت أمام الباب.
كان ياسين واقفًا في الجهة المقابلة من الشارع.
لكن هذه المرة لم يكن غريبًا.
كان أبًا يرى أولاده لأول مرة كما ينبغي.
آدم خرج إليه.
ثم ليان.
ثم نور.
ياسين انحنى أمامهم.
ظل للحظات لا يعرف ماذا يقول.
ثم قال
أنا آسف إني اتأخرت عليكم.
نور حضنته.
ليان ضحكت.
أما آدم فقال بمنتهى الجدية
بس إحنا زعلانين منك شوية.
ضحك ياسين لأول مرة من قلبه.
تستاهلوا كل حق تزعلوا مني عشانه.
وقفت بعيدًا وأنا أراقبهم.
ثم اقترب مني.
تارا.
نظرت إليه.
نعم؟
أنا مش هطلب منك ترجعيلي.
سكت.
ولا هطلب منك تنسي السبع سنين.
ثم أضاف
أنا بس عايز فرصة أكون أب لأولادي ولو يوم بيوم.
نظرت إلى آدم وليان ونور.
ثم قلت
الأطفال مش جايين يعوضوا اللي ضاع.
هز رأسه.
عارف.
وإحنا مش هنرجع زي زمان.
عارف.
ولو في يوم رجعنا نتكلم عننا هيكون بعد ما نصلح اللي اتكسر.
ابتسم.
موافق.
مرّت شهور.
الأطفال بدأوا يقضوا وقتًا مع والدهم، لكن بيتنا ظل بيتهم الأساسي.
وياسين لم يعد الرجل الذي يرسل الهدايا بدل وجوده.
بقى يحضر مباريات آدم.
ويقرأ مع ليان.
ويترك نور تختار له ربطة العنق التي يلبسها في الاجتماعات.
أما أنا
فبدأت حياتي من جديد.
افتتحت مكتب التصميم الذي حلمت به وأنا في الثامنة والعشرين.
وفي يوم افتتاحه، دخل ياسين ومعه الأطفال.
قدم لي باقة ورد صغيرة.
وقال
المرة دي جاي بنفسي من غير مساعد، ومن غير اجتماع طارئ.
ضحكت رغمًا عني.
وبصيت لأولادي الثلاثة.
كانوا بيضحكوا مع بعض.
وقتها فهمت إن السبع سنين ما كانتش النهاية.
كانت مجرد الطريق الطويل اللي رجعنا في آخره للحقيقة.
أما العمارة التي اشتراها ياسين أمام بيتي؟
لم يعد يسكن فيها وحده.
حوّل الدور الأرضي إلى مقر لمؤسسة خيرية لحماية الأطفال وحقوقهم.
أما الطابق الذي كان مكتبه فيه
فتركه لي.
وقال
عشان كل مرة تبصي من الشباك، تفتكري إنك مش هربتي من حياتك
إنتِ أنقذتيها.
وفي المساء، وقفت أمام النافذة.
نظرت للشارع.
ياسين كان واقفًا مع أولاده الثلاثة.
رفع عينه لي.
ابتسم.
وأنا ابتسمت.
لأول مرة منذ سبع سنين
لم أحتج أن أخفي شيئًا.
لأن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.