رواية كاملة
شريف عبدالغني يرافقه صديقه سامح ومشتري آخر غريب، وبدت على وجوههم علامات الثقة المطلقة والغرور. شريف كان يفرك يديه فرحاً بالثروة الهائلة التي ستدخل جيوبه في دقائق معدودة، وكان يقول لسامح بصوت عالٍ نسبياً
المرأة الغبية دي في الشغل دلوقتي.. على ما تفهم وتسأل، يكون العقار اتسجل والشيكات اتحولت لحسابي في بنك تاني. خلصنا خلاص!
تقدّم شريف نحو موظف التوثيق، وأخرج التوكيل العام من حقيبته، وقال بثقة
مساء الخير يا فندم، جايين نخلص عقد بيع نهائي لأرض ومبنى بمنطقة... بصفتي الوكيل الحصري للمالكة.
نظر موظف التوثيق إلى الأوراق، وبدأ يقلب صفحات النظام الإلكتروني، وفجأة ظهر على شاشة الحاسوب تنبيه أحمر عريض. رفع الموظف رأسه وقال بجدية
أنا آسف يا فندم.. التوكيل ده عليه إيقاف فوري بموجب أمر قضائي صادر من محكمة بنها الابتدائية، بناءً على دعوى بطلان واسترداد قدمتها المالكة الأصلية السيدة هالة منصور، ومرفق معها بلاغ رسمي برقم صادر من النيابة العامة بتهمة النصب وإساءة استغلال التوكيل.
تغير لون وجه شريف تماماً، وتراجعت ابتسامته لتدخل في وجهه صدمة عمياء. تلفت حوله بهستيرية وقال بصوت مرتجف
إيقاف إيه وبلاغ مين؟! ده مستحيل! هي أصلاً ما تعرفش حاجة!
في تلك اللحظة، انفتح باب الشهر العقاري على مصراعيه، ودخل أحمد مهران بخطوات واثقة، يرافقه هالة منصور مرفوعة الهامة، وعمر الذي كان يمشي بجانب أمه بابتسامة نصر صغيرة وواثقة، وخلفهم ضابط شرطة برفقة اثنين من أمناء الشرطة.
نظر أحمد مهران إلى شريف الذي تجمّد مكانه كالمنحوتة، وقال بصوت حاد جهوري ملأ القاعة
تعرف يا شريف.. الغباء قانوناً مش مبرر، بس الاستغلال جريمة عقوبتها السجن. أهلاً بك في أول محطة من محاكمتك.
الجزء الختامي عودة الأمان والبداية الجديدة
مرّت الأشهر سريعاً كأنها حلم ثقيل وانقشع.
تم إلغاء التوكيل المشبوه بقرار قضائي نهائي، ورجعت ملكية بيت جدته الكبيرة الحاجة فاطمة وأرض بنها رسمياً إلى اسم هالة منصور من دون أي منازع. أما شريف عبدالغني، فأُحيل إلى المحاكمة الجنائية بتهم النصب والاحتيال واستغلال صفة الزوجية للتدليس، وصدر ضده حكم بالسجن المشدد مع ردّ الاعتبار القانوني.
في مساء يوم دافئ بعد انتهاء كل الأزمات، كان أحمد مهران يجلس في صالون منزل هالة وعمر في مدينة بنها. كانت الشاي يُقدم في أكواب زجاجية مزخرفة، ورائحة الكيك المنزلي الذي صنعت بيد هالة تملأ المكان بالدفء العائلي.
نظر أحمد إلى عمر الذي كان يراجع دروسه بجد واجتهاد على الطاولة المجاورة، ثم التفت إلى هالة التي بدت ملامح الإرهاق والتعب قد انزاحت تماماً عن وجهها ليحل محلها السلام والراحة، وقال بابتسامة هادئة
عمر ده مش مجرد ولد ذكي يا هالة.. ده بطل حقيقي. لو ما كانش جرى في المطر يومها ووقف قدام مكتبي، كان زمان البيت ضاع وكل تعبك راح في سويعات.
ابتسمت هالة وهي تنظر بحنان إلى ابنها، ثم رفعت عينيها إلى أحمد وقالت بامتنان عميق
وأنت يا أحمد.. ظهرت في الوقت المناسب تماماً، كأن ربنا بعتك لينا رحمة بعد كل العذاب ده. شكراً لأنك ما نسيتش الماضي، وشكراً لأنك أنقذت سند ابني وأماني.
رفع أحمد فنجان الشاي وقال بابتسامة صافية
الماضي ما بيموتش يا هالة.. والناس الأصيلة زيكم بتفضل في القلب مهما طال الغياب. البيت رجع لأصحابه، وعمر بقى راجل من قبل أوانه، ودي هي البداية الحقيقية لحياة جديدة تستحقوها.
عمّ الهدوء الدافئ المكان، وعلمت هالة أن الأمان الذي تركته أمها الراحة في تلك الورقة الصغيرة قد عاد ليزين جدران البيت إلى الأبد، وأن الظلم مهما طال ليله، فلابد بعده من شمس نهار جديد.