رواية كاملة

لمحة نيوز


عمر من يده ودخلا من بوابة الشهر العقاري الرئيسية. حارس الأمن، وبمجرد أن رأى الأستاذ أحمد مهران، ابتسم وهتف احتراماً
أهلاً يا أستاذ أحمد، خير يا فندم؟
أشار أحمد إلى عمر بثقة مفرطة
ده ابني يا عم محمود، كان ناسي ورقة مهمة وجايبها لي بنفسه، اتفضل يا بطل.
دخلا إلى القاعة الكبرى، وجلس أحمد على أحد المقاعد الجلدية، وأجلس عمر بجانبه، ثم طلب له كوب شاي ساخن من الكافتيريا القريبة ليدفئ جسده الصغير المرتعش، وقال له
احكي لي يا عمر... بالراحة خالص. شريف جوز أمك ناوي على إيه بالظبط وبكرة الساعة كام؟
قصّ عمر بحماس وانفعال كل ما سمعَهُ في المطبخ ورقة التوكيل التي أمضتها أمه من دون قراءة، مكالمة شريف مع صاحبه سامح، أرض بنها التي تبلغ مساحتها ألفي متر، والبيت الذي ورثته الحاجة فاطمة، وموعد البيع غداً الساعة الحادي عشرة صباحاً.
استمع أحمد مهران بتركيز شديد، وعيناه تشتعلان غضباً وذكاءً قانونياً محنكاً. عندما انتهى عمر، ابتسم أحمد ببرود وثقة وقال
شريف ده ذكي على قدّه، فاكر إن التوكيل العام المطلق بيدي له الحق يبيع لنفسه أو لصحابه بالبساطة دي. لكنه جاهل بالقانون. أولاً، التوكيلات العامة التي تُحرر من دون التدقيق في بنود حق البيع للنفس وللغير بطريقة محددة، أو التوكيلات التي تأتي بناءً على تدليس واستغلال جهل الموكل، يمكن الطعن عليها فوراً. والأهم من ده كله... إحنا مش هنستنى بكرة يبيع ونقعد نلف في المحاكم سنين.
نظر عمر إليه بأمل كبير
يعني إيه؟ هنلحق أمي؟
هنلحقها وزي العادة، شريف هو اللي هيقع في شر أعماله. استل أحمد هاتفه المحمول وبدأ يجري عدة اتصالات سريعة بجهات رسمية وأصدقاء له داخل الشهر العقاري ومصلحة الشهر العقاري الرئيسية ومحكمة بنها الابتدائية.
الجزء الثالث كشف الخديعة في مركز الشحنات
في تمام الساعة السابعة مساءً، انتهت وردية هالة منصور الشاقة في مركز تجهيز الشحنات. خرجت وهي تجر قدميها جراً، عضلات جسمها متصلبة من الوقوف لمدّة اثنتي عشرة ساعة متواصلة وسط صناديق البضائع والتغليف. فتحت خزانة الملابس الخاصة بها، وأخرجت هاتفها المحمول الذي أُعيد إليها للتو.
بمجرد أن فطلت وضع الطيران وفتحته، تتابعت رسائل الواتساب والإشعارات. كان هناك اتصال مفقود ورسالة نصية قصيرة من رقم غريب، فتحتها بفضول وقرأتها لتصعقها الكلمات
يا مدام هالة.. فور قراءتك للرسالة دي، اطلعي حالا برا الشغل. ابنك عمر معايا في مكتب الأستاذ أحمد مهران المحامي. جوزك شريف بيبيع بيت والدتك بكره الصبح ب 3 مليون و ألف بموجب التوكيل اللي مضتيه وأنتِ مشغولة. تعالي فوراً على العنوان التالي...
 
سقطت الحقيبة من يد هالة على الأرض الخرسانية الباردة. شعرت أن الدنيا دارت بها، وأن الجدران تطبق على صدرها. تذكرت توقيعها الأخير، وتذكرت نظرات شريف المعسولة وهو يقول أنا جوزك مش واحد غريب.. دي إجراءات بسيطة.
ركضت هالة مثل المذعورة إلى الشارع، ولم تنتظر حتى وسيلة مواصلات مريحة، بل استقلت أول سيارة أجرة تصادفت أمامها، وأعطت السائق العنوان وهي تكاد تبكي من قسوة الصدمة والخوف على ابنها وعلى إرث أمها الراحلة الذي تركته أمانة في رقبتها.
الجزء الرابع لم الشمل والمواجهة الكبرى
بعد أقل من ساعة، كانت هالة تفتح باب مكتب الأستاذ أحمد مهران وهي تلهث، عيناها حمراوان من الدموع والإرهاق. وما إن رأت ابنها عمر جالساً يحتسي الشاي الدافئ، حتى انقضت عليه وضممته إلى صدرها بقوة وهي تجهش بالبكاء
عمر! يا حبيبي.. أنت كويس؟ إيه اللى جابك هنا؟ إيه اللي بتقوله الرسالة دي؟
قام عمر وبادل أمه العناق بقوة أكبر، وقال بصوت مرتعش
أنا كويس يا ماما.. الأستاذ أحمد هو اللي أنقذنا. شريف كان بياع البيت بكره الصبح.
رفعت هالة رأسها لتنظر إلى صاحب المكتب الذي وقف باحترام يحييها بابتسامة هادئة. ظلت تتمعن في ملامحه لثوانٍ، وكأن الزمن تراجع بها سنوات للوراء. هتفت بصوت خافت مرتجف
أحمد... أحمد مهران؟ مش معقول!
ابتسم أحمد بمرارة وعاطفة دافئة، وقال
أهلاً يا هالة.. العجلة دارت والزمن جمعنا تاني، بس للأسف في ظرف صعب. بس اطمني تماماً، طول ما أنا عايش، مفيش مخلوق هيقدر ياخد متر واحد من حقك أو حق عمر.
جلست هالة وهي مذهولة من المفاجأة واجتمع الحزن بالفرح والتوتر. شرح لها أحمد الخطة القانونية بدقة محنك خبير
شريف عامل حسابه إنك مش هتعرفي غير بعد البيع، وإنه هيهرب بالفلوس. لكن اللي ما يعرفوش إن التوكيل اللي معاكِ يا هالة، رغم إنك مضتيه بنوايا صافية، إلا إنه بيحتوي على ثغرات قانونية قاتلة، بالإضافة إلى أننا قدرنا نثبت بشهادة الشهود والورق إن والدتكِ المتوفية الحاجة فاطمة كانت في أيها الأخيرة تحت رعايتك، وإن شريف استغل صفته كزوج بطريقة غير مشروعة لترهيبك وابتزازك.
أخرج أحمد أوراقاً رسمية جديدة وعقوداً مضادة، وقال لهالة
بكرة الساعة عشرة الصبح وقبل معاد بيعتهم بساعة واحدة هنكون قدمنا إنذار رسمي بوقف التعامل بالتوكيل، وبلاغ عاجل للنيابة العامة بتهمة النصب وإساءة الأمانة، وهنصدر قرار منع من التصرف في العقار مؤقتاً.
نظرت هالة إليه بامتنان عميق، وشعرت لأول مرة منذ شهور بأن الجبل الذي كان على صدرها قد انزاح تماماً.
الجزء الخامس الصباح الحاسم في الشهر العقاري
في تمام الساعة العاشرة والنصف من صباح اليوم التالي، كانت الشمس تهلل بضوئها الساطع على مدينة بنها وعلى مكتب الشهر العقاري الرئيسي.
دخل
 

تم نسخ الرابط