رواية كاملة
خايفة عليك يا ابنى، خايفة تتركني وتفضلها عليا.
محمد بص لها وقال بصرامة مش معنى إنني بحبها وأحترمها إنني نسيتك ولا قللت من قدرك. إنتي أمي وكل حاجة في حياتي، لكن هي شريكة حياتي، واللي بيحصلها بيحصلني، واللي بيضايقها بيضايقني. لو كنتي بتحبيني حقًا، كنتي حبيتيها وعاملتيها زي ما بتحبي أنا أتعامل مع بنات الناس. والآن، إحنا لازم نمشي، وكلمني مرة تانية لما تكوني هادية وتعرفي إن الغلط كان منك.
مسك محمد يدي بقوة، وطلعنا من البيت من غير ما نكلم حد، ومن غير ما نلتفت لورا. طول الطريق في العربية ما حدش فينا تكلم، بس يديه كانت ماسكة يدي وبيحس إنه بيقول لي كل الكلام اللي محتاجاه من غير صوت. لما وصلنا البيت، دخلنا وقعدنا جنب بعض، وبدأ يتكلم بهدوء، يقول لي إنه عارف إن ده مش سهل، وإن ده مش مبرر لما حصل، وإن من النهاردة هيغير كل حاجة، وهيعمل كل ما يقدر عشان أحس بالأمان والانتماء معاه ومع أهله.
عدت الأيام، ومحمد كان بيوصل كلامه بأفعاله. أول مرة كنا نروح لزيارتهم، كان أول ما يدخل يشوف الفاكهة قدامهم، بيجيب طبق تاني، بيغسله بنفسه ويحطه قدامي، ويقول بصوت مسموع للكل ده لمراتي، وأنا اللي لازم أخدمها وأهتم بيها زي ما هي بتخدمني وتهتم بيا.
الحماتي كانت متصدمة من تصرفاته، ومرة حاولت تعترض قالت يا ولدي هي تقدر تعمل لنفسها، إيدها ورجلها معاها. هو رد عليها بهدوء لكن بثبات وأنا أقدر أخدمها وأنا سعيد بده، وده واجبي ومصدر فخري. لو كل واحد يخدم نفسه، فما فايدة الأهل والزوج؟
مرات كتير كانت تحاول تختلق مشاكل صغيرة، أو تقول كلام بيلمح لي إنني غريبة، لكن محمد كان دايماً يقف جنبي، ويرد عليها بكل احترام لكن بحدود واضحة، ويوضح لها إنني شريكة حياته ولها كل الحقوق اللي ليها ولأي حد في البيت. وكل ما كانت تشوف إن كلامها مش بيجيب نتيجة، وإن ابنها واقف معايا ومش هيتغير، بدأت تقلل من التصرفات دي شوية شوية، لكنها ما كانتش بتعترف بغلطها بسهولة، لحد ما حصل الموقف اللي غير كل حاجة.
كان يوم جمعة، وجت الحماتي تزورنا في البيت، ومريضة شوية، عيونها حمراء وكحة خفيفة. أنا من غير ما أفكر، دخلت جهزت لها مشروب دافئ، وجبت لها دواء مناسب، وفرشت لها وسادة مريحة، وجلست جنبها أطمن عليها وأسألها عن حالها. لما شافتني كده، وهي بتعمل كل ده بكل قلب من غير أي مصلحة ولا مجاملة، نظرتها اتغيرت، وشفت في عيونها شيء من الندم والدهشة.
قالت لي بصوت ضعيف ليه بتعملي كده؟ أنا طول الفترة دي كنت أعاملك وحشة، وكنت عايزة أضعك في مكانك، ومع كل ده إنتي بتعامليني بكل طيبة؟
ابتسمت وقولت لها بكل صدق عشان إنتي أم الغالي، ومهما حصل بيننا، أنا بحترمك وبحبك عشان محمد. والغلط والصح بيحصل من الكل، وأنا مش عايزة نعيش في خصام وكراهية. كل اللي كنت عايزاه منك بس شوية احترام، وأحس إن لي مكان بينكم، ومش أكتر من كده.
دموعها نزلت بغزارة، مسكت يدي وقالت سامحيني يا بنتي سامحيني، أنا كنت عمياء، وكبريائي وخوفي من إني أتغير عليك خلياني أعمل كده. كنت فاكرة إنك هتاخدي ابني مني، واكتشفت إنك جيتي تضيفيلنا وتحبيبينا أكتر. حقك عليا، وكل كلمة قلتها وكل تصرف عملته كان غلط مني، وأتمنى من قلبك تسامحيني.
عناقتها وقتها، وحسيت إن كل الحواجز اللي كانت بيننا انكسرت. محمد كان واقف عند الباب وشاف المشهد، وابتسم بدمعة فرح في عينه، وعرف إن أخيرًا الحق ظهر والقلوب اتقابلت.
من اليوم ده، اتغيرت الحياة تمامًا. الحماتي كانت بتعاملني أحسن من الأول، بتغسل لي الفاكهة وتحطها قدامي، وتقشر لي المانجا بإيديها، وتقول للكل بفخر دي مش مرات ابني بس، دي بنتي اللي ربنا رزقني بيها. وكنت أنا كمان أرد لها الجميل، أهتم بيها وأقرب منها وأعمل لها كل ما بيسعدها، لحد ما صرنا حقًا أم وابنة، مش حماتة ومرات ابن.
أخت جوزي كمان لما شافت التغير ده، وتأكدت إنني مش عدو لهم ولا جاية أخذ مكان حد، بدأت تتقرب مني، وتعاملني بكل احترام، وصرنا أصحاب نقول لبعض كل حاجة. وعرفت إن اللي بين الأهل مش بالعناد والغرور، ولا بفرض السيطرة، لكن بالحب والاحترام المتبادل، والصبر والطيبة اللي بتكسر أي حاجز مهما كان عالي.
وعرفت كمان إن أجمل انتصار ممكن تحققه في الحياة، مش إنك ترد الأذى بأذى، ولا إنك تثبت إنك أحسن من غيرك، لكن إنك تفضل على طيبتك وأخلاقك مهما كانت الظروف، لحد ما الحق يظهر لو بعد حين، وقلوب الناس تهدأ وتعرف قيمتك. والتفاصيل الصغيرة اللي كانت بتوجعني، هي نفسها اللي أثبتت إن الصدق والأخلاق هم اللي بيبقوا في النهاية، وإن اللي بيزرع خير بيحصد خير، مهما طال الزمن.
وبقيت كل ما بشوف الفاكهة المقطوعة والمتغسلة قدامي، أتذكر بداية المشوار، وأشكر ربنا إنه وصلنا لهنا، وإن الحب والصبر قدروا يغيروا حاجات كنت فاكرها مستحيلة تتغير. وعرفت إن البيت ما بيتكون بحيطان ولا بأوراق رسمية، بيتكون بالقلوب اللي بتتقابل، والاحترام اللي بيعم على كل أهل البيت، وإن الغربة بتزول لما تلاقي من يخليك تحس إنك تنتمي، مهما كانت البداية صعبة.