رواية كاملة

لمحة نيوز

حماتي كانت كل ما أولادها ياكلوا فاكهة تغسلها بنفسها، وتقطعها وتحطها قدامهم ولما أوصل تقوللي اغسلي اللي هتاكليه بنفسك.
أول مرة حصلت، قولت يمكن صدفة.
كنت لسه عروسة جديدة، ورحت أنا وجوزي نزورها بعد الشغل. أول ما دخلنا، لقيتها غسلت طبق كبير عنب وخوخ وتفاح، وقاعدة توزع على ولادها واحد واحد.
أول ما شافتني ابتسمت وقالت
الفاكهة في التلاجة لو هتاكلي اغسلي اللي يعجبك.
مكنتش مستنية إنها تغسلها ليا، فدخلت المطبخ وغسلت تفاحة وخرجت.
لكن الغريب إن المشهد اتكرر كل مرة.
ابنها الكبير يدخل من الشغل، تقوم تغسل له الفاكهة وتحطها في طبق شيك.
بنتها تيجي، تقشرلها المانجا بإيديها.
أحفادها ياكلوا، وهي واقفة عليهم.
أما أنا
كل مرة نفس الجملة
اغسلي اللي هتاكليه بنفسك.
في البداية كنت بقول لنفسي
يمكن عشان أنا ضيفة وبتكسف.
لكن بعد فترة اكتشفت إنها مش كسوف.
مرة كنت في المطبخ، ودخلت بنت أختها. حماتي قامت غسلتلها الفراولة وحطتها في طبق، وهي أصلًا مش من البيت.
وقتها بصيتلها وسألتها بهدوء
هو أنا بس اللي بغسل الفاكهة لنفسي؟
ضحكت وقالت
لا يا حبيبتي إنتِ شابة وإيدك ورجلك فيكي.
الكلمة عدت، لكن فضلت عالقة في دماغي.
بدأت ألاحظ إن الموضوع مش فاكهة وبس.
لو عملت شاي لأولادها، تصب لكل واحد الكوباية بإيديها.
لو أنا طلبت شاي، تقول
المطبخ قدامك.
لو اشترت حلويات، تنادي عليهم بالاسم.
أما أنا، لو عايزة آخد قطعة، أقوم أجيبها لنفسي.
وكانت دايمًا تكرر نفس الجملة قدام الناس
أنا بعتبر مرات ابني زي بنتي.
لكن الحقيقة كانت بتبان في التفاصيل الصغيرة.
التفاصيل اللي محدش بياخد باله منها.
وفي يوم، كنا معزومين عندها على الغدا.
بعد الأكل قامت جابت طبق فاكهة كبير، وغسلته وحطته قدام ولادها.
ولما بصيت عليه، قالتلي من غير حتى ما تبص في وشي
اللي هتاكليه اغسليه أصل الفاكهة دي لسه متغسلتش.
استغربت.
لأنها كانت حالًا مخلصة غسل نص الطبق.
لكن سكت.
جوزي كان قاعد جنبي، ولاحظ إني مقربتش من الطبق.
قاللي
مش هتاكلي؟
ابتسمت وقلت
لا، شبعانة.
الحقيقة إني مكنتش شبعانة.
كنت موجوعة.
مش من الفاكهة
من الإحساس إني طول الوقت غريبة، مهما حاولت أقرب.
عدت الشهور، وفي عيد ميلاد جوزي قررت أعمل عزومة كبيرة عندي.
من الصبح وأنا بجهز كل حاجة بإيدي.
ولما الكل وصل، استقبلتهم أحسن استقبال.
بعد الغدا، دخلت المطبخ وغسلت كل الفاكهة، وقطعتها، ورتبتها في أطباق شيك، وقدمتها لكل الموجودين بنفس الاهتمام
بما فيهم حماتي.
بصتلي باستغراب وقالت
تعبتي نفسك ليه؟
ابتسمت وقلت
عادي الضيف لازم يرتاح.
سكتت، لكن وشها اتغير.
وفي آخر اليوم، وأنا بجمع الأطباق، سمعتها وهي بتكلم أخت جوزي في الصالة، وكانت فاكراني في المطبخ بعيد ومش سامعة.
قالتلها بصوت واطي
شايفة؟ فاكرة إن شوية ذوق هيخلوني أنسى إنها عمرها ما هتبقى مننا أنا من أول يوم متعمدة أخليها تحس إنها ضيفة، عشان متفتكرش إن البيت بيتها.
وقبل ما أستوعب الصدمة
جوزي كان داخل المطبخ يدور على موبايله، ووقف مكانه
لأنه سمع الجملة كلها، من أول كلمة لآخر كلمة.
وقفت مكاني كأن الأرض انشقت وبلعتني، يدي كانت ماسكة طبق زجاج وقلبي كان بيدق لحد ما حسيت صوته في وداني. لمحت جوزي من زاوية عيني، واقف عند باب المطبخ، لونه تغير تمامًا، وعيونه كانت متسعة من الصدمة، مش عارف يتحرك ولا ينطق بحرف.
الحماتي كانت مستمرة في كلامها ما شافتش حد، قالت بنبرة قاسية مليانة غرور هي جت من بيت تاني، وعاداتها تانية، ومش هتقدر تغير شيء. لو خليتها تحس إنها مننا من الأول، هتتكبر وتفكر إنها صاحبة البيت والكل تحت أمرها. لازم تفضل حاسة إنها غريبة، عشان تفضل دايماً خاضعة وتعرف قدرها.
أخت جوزي ردت عليها بصوت واطي وموافق صح يا ماما، كتر خيرك اللي بتعامليها كده. أنا شايفة إنها بدأت تتعود وتتكلم براحتها، وده مش كويس. لازم تفضلي تضعيها في مكانها عشان متتعدش حدودها.
وقتها جوزي تحرك، خطوة واحدة بس، وصوت خطوته خلف صوت الكلام، فالاثنتين سكتوا فجأة ولفوا وشهم ناحيته. وش الحماتي لما شافت ابنها كان لون كالجير، ويديها ارتجفت، وأخت جوزي خفضت راسها ومش عارفة ترفع عينها.
هو بص لامه بنظرة ما شافتش منها في حياته، نظرة مليانة ألم وغضب ودهشة، وقال بصوت ناعم لكن كل كلمة منه كانت بتقطع كالسكين كل ده كنتي بتعمليه عمد؟ كل المرات اللي كنت بشوفها بتدخل المطبخ تغسل لنفسها، وكل المرات اللي كنت بشوفها صابرة ومبتسمة، كل ده كان بقرار منك؟ عشان إيه يا ماما؟ عشان هي اختارتني؟ عشان بحبها؟ ولا عشان هي ما عملتش لك حاجة وحشة في حياتها؟
الحماتي حاولت تبرر، قالت بصوت متردد يا ولدي أنا أنا كنت بعمل كده لمصلحتك، عشان عشان متتكبرش عليك، وتعرف إننا أهلها الكبار ومش هي اللي تتحكم في البيت ولا فيك.
مصلحتي؟ قالها بصوت أعلى شوية، ودمعة نزلت من عينه وهو بيقول مصلحتي إنك تكسري قلبي معاها؟ مصلحتي إنك تعامليها كأنها أقل من أي حد، مع إنها بنت ناس وأخلاقها فوق كل تقدير؟ مصلحتي إنك تدمريني وتدمريها قدام بعض؟ أنا طول الفترة دي كنت بقول لنفسي يمكن هي مش واخدة بالها، يمكن ده طبعها مع الكل، لكن اكتشفت إنك كنتي بتعامليها هي بس كده، وبتعاملي الغريب أحسن منها! بنت أختك جاية تزورك تغسلي لها الفراولة بإيدك، ومرات ابنك اللي بتحبني وتصون عرضي تقوليلها تغسل لنفسها؟ فين العدل في كده يا ماما؟ وفين الأخلاق اللي كنتي تعلمناها عليها من صغرنا؟
أنا كنت لسه واقفة مكاني، الطبق وقع من يدي بصوت خفيف، وجسمي كان بيرتجف من كتر ما كنت ماسكة دموعي. جوزي لف ناحيتي، شاف الحالة اللي أنا فيها، ومشى ناحيتي بسرعة، مسك يدي وضغط عليها بحنان وقال أنا آسف آسف من كل قلبي، أنا كنت لازم أكون واخد بالي من أول مرة، وأدافع عنك وأوقف ده من أول يوم. سامحيني لو أنا كنت سبب في إنك تحسي بالغربة معايا.
كلماته كانت زي الماء البارد على نار كانت بتحرقني من شهور. دموعي نزلت وقلت بصوت مكسور أنا مش عايزة منك حاجة يا محمد، أنا بس كنت عايزة أحس إن لي مكان، إنني مش غريبة بينكم. كنت بصبر وأقول يمكن مع الوقت تتغير، يمكن تحس بيا، لكن ما كنتش عارفة إن ده قرار ومخطط من الأول.
الحماتي كانت بتسمع ودموعها نزلت، لكنها كانت كبريائها بيمنعها تعتذر، قالت أنا ما قصدش أضرها، أنا بس
 

تم نسخ الرابط