رواية كاملة
بدموعهم، بس المرة دي كانت دموع ارتياح إن ربنا أظهر الحق، وإن البراءة ظهرت قبل ما يتفرق شملنا وقبل ما نبقى مادة لكلام الناس.
بس السؤال اللي فضل ېحرق في قلبي وأنا قاعدة في الصالة بعد ما مشيوا... هل چرح القريب بيلتئم؟ هل الأخ اللي باع أخته في لحظة شك، ممكن يرجع أخ تاني؟ وإيه اللي مستنيني أنا وبناتي في الأيام الجاية بعد ما الباب ده اتقفل للأبد؟
الفصل الثالث والأخير
قفلت الباب وراهم وسندت ضهري عليه.. البيت رجع يسكت تاني، بس السكوت المرة دي مكنش تقيل وزي الجبل على صدري زي ليلة إمبارح.. كان سكوت هادي، زي الهدوء اللي بييجي بعد العاصفة لما تخلص وتهد كل حاجة في طريقها.
بصيت لمريم وشهد.. كانوا واقفين بينظروا لي بعيون مليانة دموع، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا كسرة، كانت دموع ارتياح.. مريم جرت عليا وحضنتني بكل قوتها، وشهد مسكت في جلابيتي واستخبت في أحضاني.
شفتي يا ماما؟ مريم كانت بتتكلم وهي بتشهق من العياط ربنا مابيرضاش بالظلم أبداً.. والله العظيم كنت حاسة إن ربنا مش هيسيبنا نتهان كده، كنت حاسة إن التسجيل ده هو اللي هينقذنا.
مسحت على شعرها وبست راسها وراس أختها، وقلبي بيدعي لها ربنا يباركلي فيكي يا مريم.. ربنا يجعلك دايماً سند ليا يابنتي. إنتي أنقذتي كرامة أمك اللي كانت هتتردم تحت التراب النهاردة.
قعدنا في الصالة، وحسيت بإرهاق وتعب مش طبيعي، كإني كنت في حرب وطالعة منها بچروح، بس طالعة مرفوعة الراس. مريم راحت عملت لي كوباية شاي دافية، وقعدت جنبي هي وأختها. كنا ساكتين، وكل واحدة فينا بتفكر في اللي جاي..
أنا مكنتش زعلانة على الدهب ولا على المسرحية اللي اتعملت، أنا كنت موجوعة على أخويا.. على أحمد اللي شلته على إيدي وهو لسه حتة لحمة حمرا لما أمي اټوفت، اللي كنت أخصم من قوت بناتي عشان أصرف عليه وأكمل له تعليمه.. أحمد اللي مكنش بيخطو خطوة في حياته غير لما ييجي يستشيرني وياخد رأيي.. إزاي في لحظة واحدة، هانت عليه أخته؟ إزاي الغيرة والحقد يخلوا راجل ينسى أصله وينسى اللي ربت؟
عدت الساعات بطيئة جداً.. النهار بدأ يروح والمغرب أذن. قمت صليت، ودعيت ربنا يربط على قلبي ويهدي سري ويحفظ لي بناتي، لأنهم هم الثروة الحقيقية اللي طلعت بيها من الدنيا دي.
على الساعة تمانية بالليل، التليفون رن.. بصيت في الشاشة، كان رقم الحاج متولي جوز أختنا الكبيرة.
ترددت ثواني قبل ما أرد، بس قلت الراجل راجل كبارة ومغلطش في حقنا، بل بالعكس ده وقف وشهد بالحق وكان حكيم.
رديت بصوت هادي السلام عليكم يا حاج متولي.
رد عليا وصوته باين فيه التعب والأسف وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أم مريم.. أختي الغالية، أنا متصل أطمن عليكي وعلى البنات الأول.
قلتله الحمد لله يا حاج.. بنحمد ربنا على كل حال، ربنا أظهر الحق ونصرنا.
تنهد الحاج متولي وقال الحمد لله يا أم مريم.. الحمد لله إن ربنا كشف المستور قبل ما السفر يتم وقبل ما تتدمر عائلات. أنا اتصلت بيكي عشان أقولك على اللي حصل بعد ما مشينا من عندك، لأن أحمد أخوكي حالته تصعب على الكافر.
حسيت بغصة في حقيقي، بس قسّيت قلبي وقلت
إيه اللي حصل يا حاج؟
حكى لي الحاج متولي وقال إن أول ما خرجوا من العمارة، أحمد مسك شيماء من إيدها پغضب وحپسها في العربية، وروّحوا على شقتهم. هناك، اتقلبت الدنيا.. أحمد طردها بره البيت بالهدوم اللي عليها، ورمى لها شنطتها، وطلقها بالثلاثة قدام أهلها اللي جابهم يشهدوا على خيبتها وغلها.
أحمد اټجنن يا أم مريم... الحاج متولي كمل كلامه شيماء فضلت تبكي وتترجاه وتتحايل عليه عشان خاطر بنتها، وأهلها حاولوا يدخلوا، بس هو مسك الفيديو ورّاه لأبوها وأخوها وشخصهم بالخزي والكسرة.. أبوها نزل رأسه في الأرض ومقدرش ينطق كلمة واحدة، وأخوها مسكها ضربها قدام أحمد من كتر العاړ اللي جابتهولهم. وأحمد حلف يمين طلاق مغلظ إنها مش راجعة له تاني طول العمر، وإنه هيسافر لوحده وياخد بنته يربيها هو بعيد عن السم ده.
سكت الحاج متولي شوية، وبعدين قال بصوت واطي والدلوقتي يا أم مريم.. أحمد قاعد عندي في البيت، عياطه جايب آخر الشارع.. الراجل مكسور كسرة ما يعلم بيها إلا ربنا. مش قادر يبص في وش حد، وكل شوية يقولي خلي فادية تسامحني يا حاج.. أنا جزمتها فوق راسي، أنا لو چثتي تتشال على الأكتاف مش هعرف أغسل العاړ اللي عملته في حقها.. هو عايز ييجي تحت رجليكي يترجاكي.
أول ما سمعت الكلام ده، الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس. مش عشان حنيت له بسرعة، لا.. ده ألم على العيلة اللي بتتفكك، على الأخ اللي ضيع نفسه بإيده.
رديت بثبات وصوت مكسور يا حاج متولي.. أحمد أخويا، ودمي، وعمري ما كرهته ولا هكرهه. بس الچرح اللي جرحهولي وجرحه لبناتي مش هينداوى في يوم وليلة. هو مش بس صدق مراته، هو شك في أمانتي وشرفي، وقفل السكة في وشي وساب مراته تهين بناتي وتطردنا.. أنا مش قادرة أستوعب وقفته في صالوني وهو بيتهمني بالسړقة قدام بناتي. الكسرة دي كبيرة أوي يا حاج.
الحاج متولي قال بتفهم حقك يا أم مريم.. ومحدش يقدر يلومك ولا يضغط عليكي. بس افتكري إن الاعتراف بالذنب فضيلة، وأحمد اتعلم درس عمره ما هينساه طول ما هو حي.. سيبيه يهدى كم يوم، وربنا يلين القلوب.
قفلت السكة مع الحاج متولي، وقعدت أفكر.. شيماء أخدت جزاها في الدنيا، وغلها اتقلب عليها وخرّب بيتها ومستقبلها.. بس هل الطلاق وخړاب البيت ده يفرحني؟ أبداً والله، أنا عمر ما كان في قلبي غل ولا شماتة، بس الظلم ظلمات، واللي يزرع شوك ما يجنوش غير جراح.
عدت أربعة أيام.. أيام كانت هادية في بيتي، بس مليانة مراجعات مع النفس.
في الأيام دي، بدأت أركز أكتر مع بناتي.. مريم كانت في ثانوية عامة ومحتاجة كل نقطة تركيز، وشهد كانت لسه في إعدادي ومحتاجة تحس بالأمان. قعدت معاهم وقلت
لهم اللي حصل ده يا بنات درس لينا كلنا.. الدنيا دي فيها الحلو وفيها المُر، وفيها الناس اللي قلبها مليان قسۏة وغل، وفيها اللي بيتقي ربنا. أهم حاجة إننا نطلع من التجربة دي وإحنا ماسكين في بعض، وإيد واحدة.
مريم بصت لي وقالت يا ماما.. إنتي زعلانة من خالو أحمد لحد دلوقتي؟
تنهدت وقلت
الزعل في القلب يا مريم.. بس أنا مسامحاه بيني وبين ربنا، لأن ربنا بيحب المسامحين.. بس المسامحة حاجة، وإن الحياة ترجع زي الأول حاجة تانية خالص. الثقة لما تتكسر زي الإزازة، لو لزقتيها بتفضل باينة فيها الشروخ.
في اليوم الخامس، على الساعة أربعة العصر، خبط الباب.. خبطات هادية جداً وتتردد، كإن اللي بره خاېف يخبط.
قمت فتحت الباب..
ولقيت أحمد واقف بره.
شكله كان متغير بشكل يخوف.. خس نص وزنه في كم يوم، عيونه كانت غاطسة ومحوقة بأسود، دقنه طالعة وشعره مش متظبط، وولابس هدوم دبلانة.. كان شكله
كإنه كبر عشر سنين في أربع أيام.
أول ما فتحت الباب، بص لي بكسرة، وشفته بترتعش.. ومحسيتش بنفسي غير وهو بينزل على ركبه على باب الشقة ومسك رجلي وبيعيط باڼهيار زي الأطفال!
سامحيني يا فادية! أرجوكي يا أختي سامحيني! والله العظيم أنا كنت أعمى! والله الغل والسم بتاعها كان عامي عيني! أنا فداء جزمتك يا أختي.. اضربيني، اهينيني، اعملي فيا اللي إنتي عايزاه بس ما تحرمينيش منك ومن رضاكي عليا!
الموقف كان صعب.. صعب أوي على أي أخت تشوف أخوها الصغير والسند بتاعها بالمنظر ده على باب شقتها.
البنات جريوا من جوه لما سمعوا صوته، مريم وشهد وقفوا ورايا ودموعهم نازلة على خالهم اللي كان بيبكي بكسرة ۏجع.
مسكته من دراعاته بكل قوتي وحاولت أرفعه قوم يا أحمد! قوم يا ابن أبوي وأمي! ما ينفعش راجل يوطي كده قدام حد! قوم أدخل جوه!
أحمد قام وهو بيترعش وششه مغرق دموع، دخل الصالة وقعد على الأرض مش راضي يقعد على الكنبة حتى!
قال بصوت مبحوح ومخڼوق أنا ماليش عين أقعد على كرسيكي يا فادية.. أنا جيت أقولك إن حجزي للسفر بكره بالليل.. أنا مسافر الخليج وشايل بنتي معايا، ومش هعرف أسافر ولا أعيش هناك وأنا حاسس إنك غاضبانة عليا أو إنك شايلة مني.. أنا طلقت شيماء، ونهيت كل حاجة كانت بتربطني بيها.. اكتشفت إنها كانت بتكرهك وتكره بناتك من زمان عشان إنتي عزوتي وناسي، وكانت عايزة تقطعني عنكم عشان أبقى لوحدي وتحت إيدها.
بصيت له وقلت بصوت هادي وفيه مرارة أنا مش زعلانة من شيماء يا أحمد.. شيماء غريبة، والغريب يعمل أي حاجة.. أنا زعلي كان منك إنت! إنت اللي من دمي، إنت اللي عرفني وفاهم طبعي.. إزاي هان عليك تتهمني بالسړقة؟ إزاي قدرت تسمعها وهي بتشتمني وتطرد بناتي وتهينهم قدام عينك وما
تفتحش بقك بكلمة؟ إزاي يا أحمد؟
أحمد حط إيده على وشجه وبكى بحړقة شيطان يا فادية.. شيطان ودخل بينا! هي فضلت توش في ودني من الصبح وتستغل إن المراية اتكسرت والدهب اختفى وتزن على دماغي لحد ما غطت على عقلي.. أنا غبي.. أنا أحقر بني آدم في الدنيا، وحقك على راسي ومستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان ترضي عني.
قربت منه، وقعدت قدامه على الأرض، ومسكت إيديه الاثنين..
وقلت له أحمد.. إنت أخويا الوحيد.. وأنا اللي مربياك، والأم مابتكرهش ابنها مهما عمل.. أنا سامحتك يا أحمد.. سامحتك بيني وبين ربنا عشان خاطر أمنا وأبونا اللي تحت التراب، وعشان خاطر ربنا ما يحاسبنكش على كسرة قلبي.
أحمد بص لي بذهول والدموع نازلة من عيونه بجد يا فادية؟ سامحتيني بجد؟
كملت كلامي وقلت أيوة سامحتك.. بس السفرية دي لازم تطلعها وإنت مراجع نفسك ومغير طريقتك في الحياة. لازم تتعلم إن أقرب الناس ليك هم عيلتك وسندك، وإنك ما تدمّرش بيتك وتصدق كلام الفتن من غير ما تتأكد.. بنتك الصغيرة محتاجة أب قوي وراجل يتقي ربنا فيها، وما يخليش حد يظلمها زي ما إنت سمحت لمراتك تظلم بناتي.
أحمد مسك إيدي وباسها عشرات المرات، ودموعه كانت بتنزل على إيدي زي المية الدافية.. قام وقف وحضن بناتي مريم وشهد، واعتذر لهم كذا مرة وهو بيبكي ويقولهم سامحوني يا بناتي.. خالكم كان أعمى، والله العظيم إنتوا أشرف وأحسن بنات في الدنيا.
مريم وشهد حضنوه وبكوا معاه، والكسرة اللي كانت في قلوبهم بدأت تتدفأ بحنية لم الشمل.
قعد أحمد معانا بقية اليوم.. اتكلمنا كتيير، وفتحت له قلبي وقلت له كل اللي كان قاهرني. طلع كل الۏجع اللي جوانا وتصفينا..
ثاني يوم بالليل، رحنا معاه كلنا المطار عشان نودعه هو وبنته الصغيره نور..
في المطار، قبل ما يدخل بوابات السفر، أحمد حفرني بقوة وقال يا فادية.. الشقة بتاعتي في القاهرة أنا كتبت نصها باسمك ونستها باسم بنتي، والمحامي هيسلمك الأوراق بكره.. دي مش ثمن مسامحتك، دي حماية ليكي وللبنات عشان لو حصل لي أي حاجة وتبقوا مطمنين.
كنت هرفض بس هو مسك إيدي وقال بتوسل عشان خاطري يا أختي.. متكسفنيش، خليني أسافر وأنا حاسس إني عملت حاجة صح واحدة في حياتي.
ودعناه والدموع في عيوننا، بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا ظلم.. كانت دموع وداع أمل في بكرة أعدل وأحسن.
سافر أحمد، ورجعت بيتي أنا وبناتي..
دخلت الصالة، وبصيت حواليا.. الشقة كانت هادية، والشمس بدأت تشرق من الشباك وتملى المكان بنور دافي.
مريم قعدت تذاكر بجد واجتهاد وهي مرتاحة البال، وشهد كانت بتلعب وبترسم وهي مبسوطة.. وأنا قعدت على مصلايتي، رفعت إيدي للسما وقلت
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. الحمد لله الذي نصرنا بالحق، وحفظ كرامتنا، ولمّ شملنا بعد الشتات.
تعلمت
من التجربة دي إن الخير اللي بنعمله للناس عمره ما بېموت ولا بيضيع.. حتى لو اتقابل في الأول بإهانة أو غدر، ربنا دايماً بيبص للقلوب وبيجيب الحق لأصحابه ولو بعد حين.. وأهم حاجة في الدنيا دي إن الإنسان يعيش مرفوع الراس، محتفظ بكرامته ونقاء قلبه، لأن الكرامة هي الحصن الوحيد اللي بيخلينا نقدر نبتسم ونكمل الحياة مهما كانت الصعاب.