رواية كاملة

لمحة نيوز


إنني سافرت واختفيت، وإنك لقيتي جثة تانية تشبهني عشان تقفل الملف.
أحمد سأل بدهشة
ولكن كيف نجيتي؟ وكيف عشتِ كل ده الوقت هنا؟
الرجال دول ما كانوش عايزين يقتلوني من الأساس. لما طارق مشي، قالوا لي إنهم ما بيقتلوش نساء، وإنهم خدوا فلوس عشان يخطفوني ويتركوني هنا أموت من الجوع والبرد، وإنهم لما يلاقوا الجثة التانية هيرجعوا يرموا ملابسي حوالينها عشان يتأكد الكل إنني أنا اللي ميتة. سابوني ومشوا، ومكثت هنا يومين كاملين ما كلتش ولا شربت شيء، وكنت مستنية الموت يجيني. لحد ما جالي مروان، كان بيدور على أكل ورا الصناديق، ولما شافني خاف، لكنه رجع لي بقايا أكل ومياه، وفضل يزورني كل يوم من ساعتها.
مروان رفع راسه بفخر وقال
كنت بحس إنك في حاجة لحد يساعدك. وكنت أسمعك بتتكلمي في نومك عن العقد وعن السلسلة، فحفظت كل حاجة، ولما شفتك يا باشا في الجنازة عرفت إن لازم أقولك الحقيقة مهما حصل.
أحمد التفت لطارق، والدموع كانت بتسيل على خده
كل ده صحيح؟ كل ده عملته عشان الفلوس؟ خمس سنين يا طارق... خمس سنين وأنا بحس بذنب إنني ما قدرتش أحميها، وأنا ببكي عليها كل ليلة، وأنت كنت عارفة إنها عايشة وكنت ساكت؟ وكنت عايز تدفنها تانية بقايا مش بتاعتها عشان تخلص من الخوف؟
طارق سكت، وانهار على قطعة حجر قريب منه، ودفن وشه بين يديه وبدأ يبكي زي الطفل الصغير
ما كنتش عايز كده يا أحمد... ما كنتش عايز أأذي أحد. لكن كنت خايف. خايف من الفشل، خايف من الناس تتكلم عليا، خايف من الناس اللي تعاملت معاهم... هم هددوني، قالوا لي لو ما كملتش معاهم هيدمروا سمعتنا ويسجنونا كلنا. وفكرت لو خلصت من الموضوع ده بسرعة، كل حاجة هترجع زي ما كانت. لكن كل يوم كان بيمر، كان الذنب بيكبر في قلبي، وكنت أتمنى لو أقدر أرجع بالزمن لورا وما عملت الغلطة دي.
في اللحظة دي، صوت سيارات وصل من بعيد، وضوء كشافات قوي سطع عليهم. أحمد وقف بسرعة، خايف يكونوا جايين من نفس الناس اللي ساعدوا طارق، لكن لما شاف الرجال اللي نزلوا، عرف إنهم المحقق اللي كان بيتابع قضية اختفاء أمه، ومعاه رجال من النيابة.
المحقق، اللي اسمه كمال، سأل بدهشة وهو بيشوف فاطمة
الست فاطمة؟ ده صحيح إنك عايشة؟ كنا وصلنا للمنطقة دي بناء على كلام شهادة جديدة جاتنا، وإننا لقينا تناقضات كتير في أقوال طارق المنشاوي.
فاطمة ردت بصوت واثق لأول مرة
أنا فاطمة المنشاوي، وعندي الدليل الكامل على كل حاجة.
ومسكت من جيبها الممزق ورقة صغيرة ملفوفة في كيس بلاستيك عشان ما تتلف، وسلمتها لأحمد
ده جزء من العقد الأصلي، والباقي مخبي في مكان آمن، ومروان يعرف فين.

الجزء الرابع العدالة والبداية الجديدة
بعد ما سلمت فاطمة الورق للمحقق، اتضح كل شيء بسرعة. اتضح إن طارق ما كانش وحده في القصة، بل كان متعاقد مع رجال أعمال كبار ونافذين كانوا عايزين يسيطروا على أراضي المنطقة اللي كانت ملك لعائلة المنشاوي عشان يقيموا عليها مشاريع خاصة، وكانوا عارفين إن فاطمة هي الوحيدة اللي بتعرف الحقيقة وبتقدر توقفهم عند حدهم.
الرجال اللي كانوا مع طارق في الجنازة تبين إنهم موظفين في الشركات اللي اشترت الأراضي بطريقة غير شرعية، ومش أقارب لينا ولا أصدقاء زي ما كان بيقول. اتضح كمان إن البقايا اللي لقوها في المنطقة المهجورة كانت لامرأة تانية اختفت من شهور، وإنهم خدوا ملابس فاطمة اللي كانوا سابوها حوليها عشان يخدعوا النيابة والعائلة.
طارق تم القبض عليه، وكمان المحامي اللي ساعده في التزوير، ورجال الأعمال اللي كانوا وراء القصة كلها. قبل ما يروح طارق مع رجال الأمن، وقف قدام أحمد وفاطمة وقال بندم حقيقي
أنا مستاهل كل حاجة تحصل لي. آسف يا أمي... آسف يا أحمد. لو عاد بي الزمن مرة تانية، ما كنتش اخترت طريق الغش والخوف.
فاطمة هزت راسها ببطء
الندم بيصحح الغلط بس لو اخترت الطريق الصح من دلوقتي. ساعد العدالة تاخد مجراها، وربنا يغفر لك.
خلال الأيام التالية، اتغير كل شيء. أحمد أخذ أمه لبيت جديد، بعيد عن الذكريات المؤلمة، واشترى لها كل ما تحتاجه، لكنها رفضت التبذير وقالت إن المهم إنها عاشت وشافت ابنها وإن الحقيقة طلعت للنور. قرروا مع بعض إنهم ما يبيعوا أي أرض تانية، وإنهم يستعيدوا كل الأراضي اللي اتسرقت، ويعيدوا بناء مشاريع أبويهم القديمة اللي كانت بتخدم الفلاحين والعمال، ويعوضوا كل من اتضرر من الغش اللي حصل.
ومروان؟ أحمد رفض يتركه يعيش في الشوارع تانية. أخده معاهم، سجله في مدرسة خاصة، واشترى له كل ما يحتاجه، وقرر يعامله زي ابنه، لانه السبب الوحيد اللي عرفهم بالحقيقة ورد لهم أمه. فاطمة كانت بتعامله زي ولدها، وكانت تقول له دايماً
أنت النور اللي دخل لنا في ظلام طويل. ربنا ما يضيع أجر من أحسن عملًا.
بعد شهرين، صدر الحكم النهائي في القضية كل المتهمين حصلوا على أحكامهم، والأراضي والأملاك رجعت لعائلة المنشاوي، والشركة استأنفت عملها بطريقة شرعية ونزيهة. وفي يوم جمعة، ذهب أحمد وفاطمة ومروان لمقابر الإمام الشافعي، لكن مش عشان جنازة، بل عشان يقفوا قدام قبر أبويهم ويشكروا ربنا
على كل شيء.
فاطمة كانت لابسة السلسلة الذهبية بالعصفور اللي فيها الخبطة الصغيرة، وبصت للقبر وقالت بصوت هادئ
يا محمود... الحقيقة طلعت. والأملاك رجعت للي تستحقها. وأحمد كبر وبقى راجل شريف زيك. ومروان أصبح من عائلتنا. ارتاح يا حبيبي، كل شيء خلاص بقي تمام.
أحمد مسك يد أمه بيده اليمين، ومسك يد مروان بيده الشمال، وبص للسماء الصافية اللي ما كانتش فيها أي غيوم زي ما كانت في يوم الجنازة الكاذبة. عرف إن الحياة مش بتقف عند الغلط، وإن العدالة مهما اتأخرت لابد تيجي، وإن أجمل النعم هي الحقيقة اللي تطلع للنور، والأهل اللي بيبقوا مع بعض مهما حصل.
كانت هناك خدوش في حياتهم، خدوش زي اللي كانت في سلسلة فاطمة، لكن زي ما كانت تقول من زمان بعض الخدوش بتخلي الحاجة أغلى. وهذه الخدوش جعلت عائلتهم تقدر قيمة بعض أكتر، وجعلتهم يعرفوا إن الصدق والشجاعة هما السبيل الوحيد للعيش بسلام واطمئنان.
وبعد مرور سنة، افتتحوا مشروعًا جديدًا اسمه عصفور الحرية، كان عبارة عن مدارس ومساكن لأطفال الشوارع، عشان يقدروا يعيشوا حياة كريمة زي ما عاش مروان. وفي حفل الافتتاح، وقف أحمد قدام الناس وقال
كل واحد منا عنده سر، وكل واحد منا ممكن يقع في غلطة، لكن لو شفنا الحقيقة واتمسكنا ببعض، هننجح في كل شيء. والفضل في كل ده لامرأة صبرت خمس سنين، ولولد شجاع ما خافش يقول الحقيقة مهما كان الثمن.
والناس كلها تصفق، وفاطمة ومروان كانوا واقفين جنبه، وكلهم عارفين إن الرحلة ما كانتش سهلة، لكنها كانت تستاهل كل خطوة، كل دمعة، وكل يوم صبروا فيه.

 

تم نسخ الرابط