رواية كاملة

لمحة نيوز


عبد الحليم، وإنني جيت بخصوص حادثته، وبخصوص ما قالته كارما، سكت شوية، وبعدين قال بصوت مليء بالحزن
كنت منتظرك من زمان يا بنتي.. كارما كانت جيت لي قبل كده، وقالت لي إنها عارفة إن الحادثة مش طبيعية، وإنها عندها دليل، بس كانت خايفة تظهره لحد ما تتأكد تماماً، ولحد ما تضمن إنك تكوني في أمان. أنا كنت أعرف أبوكي من سنين، كان راجل شريف ومخلص، ومات وهو بيحاول يوقف فساد كبير كان هيدمر حياة مئات العائلات.
فتح الدرج القديم بتاعه، وخرج منه ملف كبير، وقال لي
ده ما جمعته من أدلة عبر السنين، بس كانت ناقصة الأدلة الحاسمة اللي كانت عند أبوكي، اللي كان يثبت تورطهم بشكل كامل. لو عندكِ التقرير اللي قالته كارما، يبقى عندنا كل حاجة نحتاجها، ونقدر نرفع القضية ونثبت الحقيقة، وناخد حق أبوكي وحق كل من تضرر منهم.
رجعت للبيت، وذهبت للمخزن القديم، المكان اللي ما كنت بدخله إلا نادراً، المكان اللي كان مليء بذكريات أبويا القديمة. وجدت الخزانة القديمة، وبدأت أفتش وراها زي ما قالت كارما، وبالفعل وجدت صندوق صغير مخبي في فتحة صغيرة في الجدار، لونه بني غامق، ومغلق بقفل بسيط. فتحت الصندوق، ووجدت التقرير كاملاً، بالصور والبيانات والتواقيع، وكل ما يثبت إن شركة المنشاوي استخدمت مواد رديئة، وإن أبويا حاول ينبههم ويحذرهم، وإنهم رفضوا واستمروا، وإن حادثته كانت مدبرة بالكامل.
كان مع التقرير رسالة صغيرة مكتوبة بخط أبويا، كتبها قبل ما يقدم التقرير
لو قرأت هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع إنهاء هذه المهمة بنفسي.. أرجوكم لا تتركوا حقي يضيع، ولا تتركوا الفساد ينتشر.. الحق سيعلو يوماً مهما طال الزمن، والظلم لا يدوم أبداً.
مسكت الرسالة بيدي، وقبلتها، ودموعي سقطت عليها، وقلت في نفسي أعدك يا أبويا.. أعدك إن حقك هيرجع، وإن كارما هتكون راضية، وإن كل من شارك في ظلمكم هيدفع التمن غالياً.
من اليوم ده، بدأت رحلتي الطويلة والصعبة.. كنت أجمع الأدلة، وأتواصل مع الشيخ جمال، وأخفي كل حاجة عن رامي، وكنت أتظاهر بالحزن والضعف عشان ما يشك في أي حاجة، وكنت أراقب كل حركة منه، وكل كلامه، عشان أجمع عليه أدلة إضافية. كان بيحاول يقرب مني أكتر، ويسألني عن أي أوراق أو أشياء قديمة بتاعة أبويا، وكنت أرد عليه ببرود وقلق، وأقول له إنني مش عارفة مكانها، وإنني مش قادرة أتذكر حاجة من الفترة دي، وإن كل تفكيري في كارما وأبويا.
في نفس الوقت، كنت أكتشف حاجات تانية كتير.. عرفت إن رامي كان عنده علاقات ببعض الموظفين الفاسدين في الأجهزة، وإنهم كانوا بيساعدوه في إخفاء الحقائق، وإنهم كانوا بيتابعوا كل خطوة بنعملها، وإنهم حاولوا أكتر من مرة يدخلوا البيت عشان يفتشوا ويبحثوا عن التقرير، بس لم يجدوه لأنني كنت نقلته لمكان آمن تاني.
مرت شهور، وكنت مستعدة تماماً.. جمعت كل الأدلة، وشهدت ناس كانت شافت رامي وقت الحادثة، وعرفت بالتفاصيل كلها، وقررنا نرفع القضية رسمياً لمكتب النائب العام، ونعرض كل ما لدينا من أدلة ومستندات.
في اليوم اللي كنت هروح فيه لتقديم القضية، جالي رامي في البيت، وشكله كان غريب، وعينيه كانت مليئة بالغضب والشك، وقال لي بصوت عالي
أنتي بتخبي حاجة عني يا نور؟ الشيخ جمال اللي كنتي تروحيله هو المحامي بتاع أبوكي، صح؟ وأنتي عرفتي الحقيقة، صح؟
كنت واقفة قدامه بكل ثبات، ومش خفت، لأني كنت عارفة إن الحق معي، وقلت له بصرامة
أيوه، عرفت كل حاجة.. عرفت إنك قتلت أبويا، وإنك قتلت كارما، وإنك كنت بتقرب مني عشان تصل للتقرير، عشان تستر على جرائمك.
ضحك بصوت عالي ومخيف، وقال لي
ومين اللي يصدقك؟ أنتِ بنت وحيدة ومش معاكِ دليل، وكل الأدلة عندي أنا.. لو سمعتك تتكلمي كدة تاني، هتكوني زي أختك وزي أبوكي، فاهمة؟
قلت له بكل قوة
الكل سيسمعني.. وكل الأدلة معي، والشرطة في انتظارك بره البيت.. لقد انتهى زمن الظلم، ولن تقدر تهرب من العقاب أبداً.
نظر لي بصدمة، وحاول يهرب، لكن الشرطة كانت بالفعل أحاطت بالبيت، ودخلت واعتقلته فوراً، وبعد ساعات تم اعتقال عماد المنشاوي وباقي المتورطين في القضية، وكل من شارك في إخفاء الحقائق والتآمر على عائلتي.
مرت أشهر المحاكمات، وكنت أحضر كل جلسة، وأعرض الأدلة، وأتكلم بكل ثقة وصدق، وكل ما كنت أتكلم كنت بحس بوجود كارما جنبي، وابتسامة أبويا اللي بتشجعني. وفي النهاية، أصدر القاضي حكمه النهائي السجن مدى الحياة لعماد المنشاوي ورامي، وسنوات مختلفة للمتورطين التانيين، وإعادة كل الأموال المنهوبة، وتعويض عائلتي وكل من تضرر من مشاريعهم الفاسدة.
يوم الحكم، خرجت من المحكمة، وشفت الشمس بتشرق بقوة، والدنيا كانت واضحة ومشرقة زي ما كانتش من سنين طويلة. رفعت راسي للسماء، وقلت بصوت هادئ
انتهى يا كارما.. انتهى يا أبويا.. حقكم رجع، والظالمين أخذوا جزاءهم.. ارتاحوا الآن، الحقيقة ظهرت وانتصرت.
بعد فترة، قررت أغير حياتي تماماً.. اشتريت مكان صغير، وبدأت أعمل مشروع صغير بسيط، وكنت أخصص جزء من أرباحه لمساعدة العائلات اللي تعرضت للضرر من مشاريعهم، وللمساعدة في كشف الفساد في المشروعات العامة، عشان ما يتكرر اللي حصل مع عيلتي مع أي عيلة تانية.
كنت كل يوم أزور قبر كارما وأبويا، وأحكي لهم كل جديد، وأشكر كارما لأنها كانت شجاعة وفضلت الحقيقة على كل
حاجة، ولأنها حاولت تحميني بكل ما تملك، وحتى بثمن حياتها. عرفت إن الحب مش في الكلام الحلو والوعود الكاذبة، الحب الحقيقي هو اللي بيظهر وقت الشدة، هو اللي بيكون في نظرة الخوف على مصلحة الآخر، وفي التضحية مهما كان الثمن.
عرفت كمان إن مهما كان الظلم قوي، ومهما كان الظالمين يملكون المال والنفوذ، الحق سيعلو في النهاية، وإن السكوت على الظلم جريمة أكبر من الجريمة نفسها، وإن لازم كل واحد يقف قدام الحق مهما كان صعب الطريق.
والفرح اللي مات في يوم فرحي، عاد تاني، بس مش فرح الزواج.. كان فرح الحرية، فرح انتصار الحقيقة، فرح إنني قدرت أكون أهلاً بثقة أختي وأبويا، وإنني قدرت أرد لهم حقهم وكرامتهم اللي ضاعت سنين طويلة. وكنت عارفة إنهم معي دايماً، في كل خطوة، وإنني مش وحيدة أبداً.

كلمة أخيرة
هذه القصة تذكرنا بأن الخيانة الحقيقية ليست في الخطأ، بل في التآمر والغش، وأن أهلنا هم دائماً حصننا وملجأنا مهما بدت العلاقات باردة أو بعيدة، وأن الحقيقة مهما طال عليها الزمن ستظهر يوماً، وسيكون للظالم نهاية، وللمظلوم عودة وكرامة لا تُنسي ولا تُهان.

 

تم نسخ الرابط