رواية كاملة

لمحة نيوز


الشركة بتاعتهم مش بتعمل استيراد وتصدير بضائع عادية، بيعملوا صفقات مش قانونية، وكل ما بيحصل مشكلة، بيضحكوا على ناس أبرياء ويدفعوهم يدفعوا التمن بدالهم. والجوازة منك يا نور.. مش عشان بيحبك، ده خطوة في خطتهم.
أبويا كان شغال مهندس في شركة المنشاوي القديمة، قبل عشر سنين.. كان اكتشف إنهم بيسرقوا مواد البناء ويستخدموا مواد رديئة في مشروع سكني كبير، وبدأ يجهز تقرير كامل بكل الأدلة والوثائق اللي تثبت كلامه. قبل ما يقدم التقرير بيومين، حصل له حادثة عربية غريبة، ومات.. والشرطة قالت إنها حادثة عادية، بس التقرير بتاعه اختفى تماماً من مكتبه. أنا كنت صغيرة وقتها، ومش عارفة أتصرف، بس كنت عارفة إن الحادثة مش طبيعية، وكنت محتفظة بنسخة ورقية من التقرير في مكان آمن، ما حدش يعرف بوجوده غيري.
دموعي كانت نزلت بغزارة، ونسيت أتنفس.. كنت دايماً بحس إن في حاجة غريبة في حادثة أبويا، وإن الأسباب مش واضحة، بس مكنتش أتخيل أبداً إنها تكون مرتبطة بكل ده، وإن الشخص اللي كنت واثقة فيه واتمنيت أقضي معاه باقي حياتي هو جزء من اللي قتل أبويا.
كملت كارما بصوت أضعف من الأول
رامي وعماد عرفوا إن التقرير لسه موجود، وعرفوا إن أنا اللي معاه.. ففكروا إن أقرب طريقة يوصلوا ليها وللتقرير، يكونوا من خلالك. عرفوا إنك بنت المهندس عبد الحليم، وبدأ رامي يتقرب منك بكل طريقة ممكنة، بيعرف كل أمانيك وأحلامك، بيقولك كل الكلام اللي عايزة تسمعيه، عشان تثقي فيه وتدخليه حياتنا، وبعدين يوصلوا لي. لما حاولت أحذرك، مقدرتش أقولك كل ده، لأنهم كانوا بيتابعوني.. كان عندهم عيون في كل مكان، وكنت خايفة إن لو قلتلك وسمعوا، يأذوكِ قبل ما أقدر أحميكِ. فكرت إني لو قلتلك ألغي الفرح، هتسمعي لي، بس كنتي متعلقة بيه جداً، وعرفت إنهم وصلوا لمرحلة متقدمة من خطتهم.
آخر كلام عايزة أقوله لكِ.. التقرير مخبي في الجدار وراء الخزانة القديمة بتاعة أبويا في المخزن القديم بتاع البيت، اللي بنحط فيه الأشياء القديمة وما بنستخدمهوش. خليكِ حذرة جداً، ولا تثقي في حد.. ولا حتى في أي حد من الأقارب أو الأصدقاء اللي بيقربوا منك الفترة دي، لأن ممكن يكونوا موظفين عندهم. رامي مش هيتوقف لحد ما يوصل للتقرير، ولحد ما يضمن إن مفيش حد يقدر يفضحهم. لو حصل لي أي حاجة، فده مش حادثة عادية.. ده هم اللي عملوها، عشان يخلصوا مني ويكون الطريق مفتوح قدامهم.
سكتت شوية، وبصت للكاميرا بآخر نظرة مليئة بالحب والخوف
سامحيني يا نور.. وحافظي على نفسك، وعلى حق أبويا.. وسلمي لي على ماما وأبويا لو قابلتهم.. أحبكِ جداً، وأسفة إني مقدرتش أكون معاكِ في الفرح، ولا في أي حاجة تانية.. وداعاً.
انتهى الفيديو، وظهرت الشاشة السوداء، وأنا كنت قاعدة في الكرسي، مش قادرة أتحرك، مش قادرة أصدق كل اللي سمعته وشفته. كل الحكايات، كل الكلام الحلو اللي كان بيقوله لي رامي، كل الوعود بالسعادة والبيت الكبير والعيلة.. كل ده كان كذب وغش، كان مجرد وسيلة ليوصل للي عايزه، وينتقم من عيلتي ويسرق حق أبويا اللي ضاع سنين طويلة.
فتحت عينيا فجأة لما سمعت صوت منى، صاحبة كارما، وهي واقفة جنبي وتمس كتفي بيدها
نور.. يا حبيبتي، أنا آسفة جداً.. كارما كانت بتقولي لي إنها خايفة من حاجة كبيرة، وإنها مش عارفة تتصرف، وطلبت مني لو حصل لها أي حاجة، أسلمك الموبايل ده والرسالة، وأقولك إنك تروحي للشيخ جمال، المحامي القديم بتاع أبويا، هو اللي عنده باقي التفاصيل، وهو اللي هيساعدك.
رفعت راسي بصعوبة، وسألتها بصوت مكسور
كانت عارفة إنهم هيعملوا فيها كده؟ كانت عارفة إنها ممكن تموت؟
عين منى دمعت، وقالت بصوت هادئ
كانت عارفة الخطر، بس كانت قالت لي إنها مش هتسمح لهم يضحكوا عليكي، ولا يضيعوا حق أبوكم.. كانت بتقول إن مهما حصل، لازم الحقيقة تطلع، ولازم اللي بيعملوا الشر ياخدوا جزاءهم.
خرجت من المكتب، والدنيا كانت ضايقة بي، مش عارفة أروح فين، ولا أعمل إيه. كل خطوة كنت بخطوها كنت بحس إن الأرض بتتحرك من تحت رجليا، وإن كل اللي كنت أعرفه وكنت واثقة فيه اتقلب فوق تحت. وصلت للبيت، ودخلت لغرفتي، وقفلت الباب ورايا، وبدأت أعيط بكل قلبي، عيطت على كارما اللي راحت وتركتني، عيطت على أبويا اللي مات مظلوم، عيطت على نفسي اللي خدعتني كلام الحب الكاذب، وسمعت كلام العدو بدل ما أسمع كلام أختي اللي كانت بتحاول تحميني بكل ما تملك.
بعد ما هديت شوية، فكرت في كلام كارما، وفي الشيخ جمال المحامي.. لازم أروح له، لازم أعرف كل التفاصيل، لازم أجيب التقرير اللي مخبي، ولازم أثبت الحقيقة مهما كان الثمن. مش هسمح لهم يضيعوا حق أبويا، ولا أسمح لهم يضحكوا على حد تاني، ولا أسمح للي قتلوا كارما وأبويا يرتاحوا وهم بيعيشوا في الراحة والمال الحرام.
في اليوم التالي، استنيت لحد ما رامي خرج من الشغل، وقلت لماما إني هروح أسأل عن ناس تعرفهم، ورحت لمكتب الشيخ جمال في وسط البلد. المكتب كان قديم وبسيط، والجدران مليئة بالكتب والملفات، والشيخ جمال كان راجل في السبعينات من عمره، شعره أبيض بالكامل، وعنده نظرة حكيمة ومليئة بالشفقة لما شافني.
لما قلت له إنني بنت المهندس
 

تم نسخ الرابط