رواية كاملة
الوجع.. أتذكر اللحظة اللي اتغيرت فيها حياتي للأفضل، اللحظة اللي عرفت فيها إن ما فيش حاجة تستاهل إنك تضحي بكرامتك عشانها، ولا حتى الحب.. لأن الحب الحقيقي ما بيجيش معاه إذلال ولا خوف ولا أذى، الحب ده أمان واحترام وتقدير، وإن ما كانش كده فهو مش حب أصلاً.
مرت الأيام، وكريم كان كل يوم بيصحى على مشكلة جديدة ما كانش بيحسب لها حساب.. أول ما صحى تاني يوم بعد ما سابته، لقى رسالة من الشركة اللي كان شغال فيها، تقول له إن تم فصله من العمل نهائيًا بسبب اختلاس مبالغ مالية واضحة، وإن التحقيقات بدأت ضده. لقى الدنيا بتدور براسه، لأن ده العمل اللي كان بيفاخر بيه قدام الكل، واللي كان بيقول إنه هو اللي بيجيب الفلوس وبيصرف عليا، وطلع طول الوقت بياخد من عمله زي ما كان بياخد مني، وكل ده كان عشان يغطي ديونه اللي ما حدش يعرف عنها حاجة.
دنيا جتله في نفس اليوم تعيط وتزعق أخي إيه اللي حصل؟ صاحب المركز كلمني وقال إن سمع كلام كتير عنك، وإن لو ما جبتش الفلوس خلال أيام هنلغي العقد ونطلب منك تعويض مضاعف!. كريم ضرب كف على كف وقال بصوت متهدل وأنا أجيبلك منين الفلوس يا بت؟ ما عنديش ولا جنيه.. كل اللي كان معايا راح في ديون قديمة، وحتى البيت ده إيجار ومش ملكي، وكل اللي قلتلك إنه ملكي كان كذب. دنيا وقفت مذهولة، مش مصدقة كلامه إيه؟ كل ده كلامك كذب؟ كل اللي كنت تقوله عن شغلك وعن فلوسك وإنك هتفتحلي مشاريع.. كل ده كان كلام فاضي؟.
كانت الصدمة عليها كبيرة جداً، لأنها طول عمرها كانت شايفة أخوها قدوة، وشايفة إنه الراجل اللي يقدر يعمل أي حاجة، وطلع طول الوقت بيعيش على الكلام والخداع، وعلى حسابي أنا اللي سكتت وتحملت تمان سنين. بدأت تفتكر كل موقف مر بيننا، كل مرة كان بيقول لي فلوسنا واحدة، وكل مرة كان بيضغط عليا عشان أديه فلوس، وكل مرة كانت هي بتقف جنبه وتزيد الضغط عليا.. وحست بالذنب بيأكل قلبها، وعرفت إنها كانت مجرد أداة في إيده، ما كانش يهمها غير مصلحتها، ودفعت تمن غلطها بغلاوة.
أنا في نفس الوقت، كنت مش قاعدة مستنية حاجة تحصل.. كنت كل يوم بروح الشركة اللي سابهولي أبويا، وكنت أتعلم كل حاجة من أول وجديد، كنت أجلس مع الموظفين القدامى اللي كانوا يعرفوا أبويا، وكل واحد كان بيحكي لي عن حكمته وأمانته، وكيف كان بيقول دايماً الفلوس أمانة، والكرامة أغلى من كل مال. كنت بحس إن أبويا معايا في كل خطوة، وكل ما كنت أتعلم حاجة جديدة، كنت أتأكد إنه كان محق لما ساب لي كل حاجة باسمي، وعرف إن الزمن ده مش بيجيبلك غير اللي كنت مستعدة له.
وصلتني أخبار كتير عن كريم، من ناس تعرفنا، بعضهم كان بيجي لي عشان يشفق عليه ويقول لي يا سلمى الراجل دمر وحالته تكسف الخاطر، وبعضهم كان بيجي لي عشان يقول لي شوفي عمل فيكي إيه واللي جاله قليل عليه. لكني كنت أرد بكل هدوء كل واحد بياخد نصيبه، وأنا مش عايزة أضره ولا أتمنى له شر، بس مش عايزة أعود لورا أبداً.. اللي حصل حصل، وكل واحد حر في اختياراته.
في يوم من الأيام، كنت راجعة من الشركة ولقيت واحد واقف بانتظاري قدام الشقة، لما قربت عرفت إيه.. هو أبو كريم، الراجل الطيب اللي كان دايماً يعاملني زي بنته، وكنت بحترمه جداً. نزلت من العربية ورحت له سلمت عليه، وقلبى وجعني لما شفت حالته، كان شكله كبر في أيام قليلة، ووجهه مليان حزن. قال لي بصوت متهدل يا بنتي سلمى.. سامحيني أنا اللي جيت أعتذر منك بدل ابني.. أنا ربيته وأنا فاكر إنه راجل بجد، وطلع ما عندهش رجولة ولا أمانة.. أنا عارف إن ما فيهش كلام يصلح الغلط، ولا فيه عذر للي فعله معاكي، بس جيت أسألك.. إيه اللي عايزاه يفعله عشان تقللي عنه شوية؟.
قلت له بكل رفق يا عمي أنا مش حاطة ذنبك في حاجة، وأنت ليك كل احترامي وتقديري.. وأنا مش عايزة منه أي حاجة، ولا طالبة منه غير ما أمرني به ربنا، أخذت حقي بالطرق الصحيحة، واللي حصل ده درس ليا وله.. ما فيش حاجة ترجع اللي فات، ولا فيش حاجة تصلح الجرح اللي صار.. وأتمنى منك تدعيله يصلح حاله ويتقي ربنا في اللي جاي، ويدعيلني أنا كمان ربنا يثبتني ويكمللي طريقي. الراجل عيط وقبل راسي، ومشى وهو بيقول ربنا يخليكي يا بنتي، أنت أحسن بكثير من أهل البيت ده.
بعد أيام، جاتني دنيا لوحدها، كانت خايفة ومكسوفة جداً، وقفت من بعيد ومش عارفة تتكلم أولًا، وبعدين قالت بصوت خافت سلمى.. ممكن أتكلم معاكي شوية؟. خليتها تدخل الشقة، قعدت وهي بتعيط وتقول أنا آسفة جداً.. آسفة على كل كلمة قلتها، وكل مرة وقفت فيها جنب أخي ضدك.. ما كنتش أعرف كل الحقيقة، ما كنتش أعرف إنه كذاب وغدار كده.. طول الوقت كان بيقول لي إنك بتعانديه وإنك مش عايزة الخير لينا، وصدقت كلامه.. لما عرفت كل حاجة، كرهت نفسي وكرهت كل اللي عملته معاكي.
سكتت شوية، وبعدين كملت أنا بعتذر منك ومش عايزة منك أي حاجة، بس حبيت تعرفي إن كريم حالته وحشة جداً.. كل الناس سابته، واللي كانوا يقربوا منه بقوا بيجوا يطالبوه بحقوقهم، وهو بيقعد طول النهار لوحده وما بياكلش ولا بينام، وكل ما يشوف أي حاجة لكي كان بيقول إنه خسر أغلى حاجة عنده.. وأنا عارفة إن ده مش بيرجع اللي فات، بس حبيت تعرفي. قلت لها بهدوء يا دنيا.. الاعتذار مقبول منك، وكل واحد غلط ويتعلم من غلطه.. أنا مش شايلة منك ولا من حد حاجة، بس الطريق اللي كنت ماشية فيه معاه خلص.. وأنتي لازم تبدئي حياتك من جديد، وتبعدي عن أي حاجة تضرك، وتتعلمي إن ما تثقوش في حد أبداً غير لما تتأكدي من أفعاله مش كلامه.
مر شهر كامل، وكل حاجة كانت واضحة للكل.. كريم حاول يجمع فلوس يسدد جزء من اللي عليه، فباع كل حاجة كان يملكها، ملابسه وساعاته وكل حاجة كان بيفاخر بيها، ولسه ما كفاش كل الديون، فاضطر يبيع كل حاجة تانية، وطلع يسكن في شقة صغيرة جداً بعيدة عن وسط البلد، بعيداً عن كل اللي كان يعرفه. كان كل يوم بيصحى وبيقعد يفكر في كل كلمة قالها لي، وكل مرة كان بيضغط عليا، وكل مرة كان يقلل مني، وكل مرة كان بيقول لي أنتي مش هتعيشي من غيري.. وبيضحك على نفسه من كلامه، لأنه طلع العكس تماماً، أنا اللي كنت سبب خير ليه طول الوقت، ولما سبتته ربنا فتح لي أبواب الخير كلها، وسكر في وشه كل باب.
أنا كنت كل يوم بزيد نجاح، الشركة بتكبر أكتر وأكتر، وشغلي الخاص
كمان كان بيزيد، وكنت بستخدم جزء من أرباحي في أعمال خير، زي ما كان أبويا بيعمل، كنت بحس إن ده أقل حاجة أردها لخير ربنا عليا، وكنت بحس بالسكينة والفرحة اللي ما كانتش تجيلي وأنا معاه. كنت كل ما أشوف نفسي في المرآة، ما أتذكرش الوجع ولا الحروق، بس أتذكر إني كنت قادرة أغير حياتي، وأقول لنفسي أنتي تستاهلي كل خير، ولا أحد يستاهل يقلل منك أبداً.
في مرة، كنت رايحة لشركة في منطقة شعبية عشان شغل، ولقيت كريم واقف جنب محل صغير بيبيع خضار، كان شكله تغير تماماً، ملابسه بسيطة جداً، ووجهه تعبان ومش عارف يرفع عينه في حد. لما شافني، تجمد مكانه، ووجهه صار أحمر من الخجل، ونزل عينه للأرض ومش عايز يكلمني ولا يكلمني. مشيت قدامه بهدوء، وقبل ما أبعد قلت له بصوت منخفض ما يسمعش غيره الندم مش كلام يا كريم.. الندم أفعال.. ربنا يهديك ويصلح حالك. ما ردش ولا حرك ساكن، بس شفت دمعة نزلت على خده، ومسحها بسرعة وكأنه مش عايز حد يشوفها.
مشيت وقلبي كان داعي له بالهداية، لأن الكره ما بيجيب غير التعب، والصفح ده أريح للنفس مهما كان الغلط كبير.. لكن الصفح ده مش معناه الرجوع، ولا معناه نسيان الدرس اللي تعلمته. عرفت في تلك اللحظة إن كل حاجة بتحصل في الدنيا ليها حكمة، وإن ربنا بيجازي كل واحد على قد نيته وعمله، وإن اللي بيعتبر الفلوس والمناصب كل حاجة في الدنيا، ربنا بيجعله يفهم إن ده كله زائل، وإن اللي بيبقى هو الأفعال والكرامة والقلوب الطيبة.
ومن يومها، ما شفتش كريم تاني، وما سمعتش عنه أي أخبار وحشة، يقولوا إنه استمر في شغله الصغير، وسدد كل ديونه بالتدريج، وابتدا يعيش حياة بسيطة نظيفة، وكل ما حد يذكرني عنده، بيسكت ويقول دي نعمة ربنا عليها، وأنا كنت السبب في إني خسرتها وما أستاهلش حتى أذكر اسمها. وأنا عشت حياتي مطمئنة، راضية عن ربنا وعن نفسي، عرفت إن القوة مش في إنك ترد الأذى بأذى، لكن القوة في إنك تطلع من الجرح أقوى وأجمل وأنجح من أول، وإنك تفضل محتفظة بطيبة قلبك مهما لقيت من قسوة الدنيا.