جدى بطل ياكل اول ما عرف انى بدفع ايجار
كلمة بيتقالها كانت بتشيل حمل تقيل كان جوايا من سنين طويلة، كأني كنت شايل جبل على كتفي وفجأة اتشال من فوقي.
أبويا رفع راسه فجأة وقال بغضب مختلط بالخوف
وإيه اللي عايز تعمله دلوقتي؟ تاخد الشقة مني؟ تفرقنا كلنا؟
جدي رد بكل هدوء وثبات
أنا مش عايز أفرق حد، ولا عايز آخذ حاجة من حد إلا الحق. الشقة دي لما سجلتها باسمك كنت قايللك إنها أمانة، فأنا هطلب منك تغير الورق وتجعلها مكتوبة لثلاثتك ليكِ ولأحمد ولمنى، كل واحد ليه نصيبه متساوي، ولا فرق بين حد وحد. ومن النهارده مفيش حد بيدفع إيجار ولا مساعدة إجبارية، كل واحد بيعطي على قد ما يقدر وعلى راحته، ومش هنطلب من حد حاجة تضره.
كمل وقال
وأحمد هيعيش معايا أنا وستة في البيت بتاعنا لحد ما يبني حياته بنفسه، ولو عايز يرجع هنا في أي وقت هيلاقي أوضة واسعة ومكان كريم، ومش هيدفع ولا قرش واحد مقابل قعدته هنا. ومنى... أنا هساعدك تشتغلي وتعملي مشروعك الصغير من جديد، وهعلمك تعتمدي على نفسك عشان تربيعي ولادك وتبقي قدامهم قدوة، مش عشان تفضلي عالة على حد مهما كان قريب منك. ولو عايزة تفضلي هنا مع أبوكي وأمك فده حقك، بس من النهارده هتساعدي في مصاريف البيت على قد ما تقدر، ومش هتبقي كل حاجة عليهم وحدك ولا على أحمد.
ستي كانت عمالة تمسح دموعها وتبص لجدي بفخر، وقالت بصوتها الحنون
كل ده كلام صحيح يا عبد الرحيم، وكلنا لازم نسمع الكلام ده ونعمل بيه. كفاية ظلم بقي، وكفاية خوف، العيلة مش تفرق فلوس ومصاريف، العيلة حب وعدل ومساندة.
منى قامت من مكانها ومشيت نحوي خطوات بطيئة، وعيونها كلها دموع، وقالت بصوت مهزوز ومليء بالندم
أنا آسفة يا أحمد... أنا كنت غبية، وكنت شايفة الحاجة من جهة واحدة بس، وكنت بستخدم عيالي عشان أبرر كل حاجة، ومكنتش شايفة قد إيه أنا ظالماك. كنت فاكرة إنك بكرهني وبكره ولادي، ومكنتش عارفة إن اللي بكرهه هو الظلم مش أنا. سامحني يا أخي، أرجوك سامحني.
قربت منها ومسكت إيدها، وقلت بصوت كله دموع بس كله رحمة
أنا مسامحك من زمان يا منى، بس كنت محتاجك تشوفي الحقيقة زي ما أنا شايفها. وأنا مش بكرهك ولا بكره ولادك، العكس ده كل ما أملك من عيلة، بس كنت عايزك تعرفي إن كل واحد ليه كرامة، ولازم نعتمد على نفسنا عشان نكسب احترام الناس واحترام نفسنا.
أمي جت وقفت بينا وبكت وقالت
سامحني يا ابني... أنا كنت أمك ومش قمت بواجبي نحوك، وكنت ساكتة على ظلمك، ومش عارفة إزاي كنت أتجرأ أطلب منك كل ده وأنا عارفة مقدار تعبك. حقك عليا كل الحق، وإن شاء الله من النهارده هعوضك عن كل السنين اللي فاتت.
قلت لها وأنا بمسح دموعها
مش محتاج تعوضيني حاجة يا أمي، اللي عايزه بس إنك تكوني معايا، وإنك تشوفي الحقيقة، وإننا نبقى كلنا مع بعض بقلوب صافية من غير خداع ولا ظلم.
بقينا كده فترة طويلة كل واحد فينا بيقول كلام وبيعتذر، وكل واحد بيعرف أخطاءه، وجدي كان قاعد يتابعنا وابتسامة خفيفة على وشه، كأنه كان عارف إن اللحظة دي هتيجي في يوم من الأيام.
بعد ما هدأت الأمور شوية، جدي قال
يلا يا جماعة، كفاية بكاء وعتاب، النهارده عيد، والعيد فرحة ومحبة. خلينا نكمل أكلنا، وننسى كل اللي حصل، ونبدأ صفحة جديدة من النهارده، صفحة ما فيها غير الحق والعدل والمحبة.
رجعنا كل واحد لمكانه على السفرة، بس الجو كان اتغير تماماً، ما كانش فيه توتر ولا خوف ولا غضب، كان فيه راحة وقلوب طايرة من السعادة لأن الحقيقة طلعت وكل واحد أخذ حقه. الأكل اللي كنت مش شايفه طعمه من شوية بقى أطعم أكل أكلته في حياتي، لأن كل لقمة كنت بأكلها وأنا حاسس بكرامتي رجعت لي، وحاسس إن العيلة دي لسه فيها خير كتير.
من بكرة الصبح، جدي بدأ ينفذ كل كلامه. راح مع أبويا لمكتب المحامي عشان يغيروا الورق بتاع الشقة، واتأكد إن كل واحد ليه نصيبه متساوي، وما خلى أبويا يقدر يعترض ولا يقول كلمة. بعدين راح مع منى وساعدها تختار مشروع صغير مناسب ليها، واشترالها كل اللي محتاجاه، وعلمها كيف تبدأ وتشتغل بجد، ووقف جنبها لحد ما بدأت تحقق أرباح بسيطة لكنها كانت مبسوطة بيها جداً لأنها جاية من تعب جهدها مش من حد تاني.
أنا رحت عشت مع جدي وستي، والبيت بتاعهم كان صغير لكنه مليء بالحب والراحة، كل يوم كنت أروح الشغل وأرجع ألاقيهم مستنينني بأحلى الأكل وأحلى الكلام، ما كانش حد يطلب مني ولا قرش واحد، بالعكس كانوا دايماً يقولولي خلي فلوسك ليك يا ابني، لبكره ولحاجاتك الخاصة. كنت كل جمعة أروح أزور أمي وأبويا، وأجلس معاهم ومع منى ولادها، وكل مرة كنت بشوف التغير فيهم أكتر من اللي قبلها، أبويا بدأ يتواضع ويسمع الكلام، وبدا يحس بذنبه ويحاول يعوضني بكل طريقة ممكنة، وأمي كانت دايماً تعمللي كل اللي بحبه وتقولي كلام طيب يملأ قلبي فرح.
مرت السنين، وكل حاجة اتغيرت للأحسن تماماً. منى كبرت مشروعها وبقت سيدة أعمال محترمة، وبقت تعتمد على نفسها بالكامل، وبقت تدفع مصاريف البيت مع أبويا وأمي
بكل رضا، وبتقول دايماً ده أقل حاجة أقدر أعملها، وأحمد كان سبب في كل ده لما فتح عيني على الحقيقة. ولادها كبروا وبقوا بيحبوني جداً وبيجولي كل يوم عشان يلعبوا معايا، وبيقولولي أحسن خال في الدنيا.
أنا كمان بنيت حياتي، اشتريت شقة خاصة بيا بعد ما كسبت فلوسي بتاعتي، واتجوزت بنت طيبة وحبابة، وجبت ولاد، وكنت دايماً أخذهم لجدي وستي عشان يشوفوا معنى العيلة الحقيقية، وعشان يتعلموا منهم العدل والمحبة والكرامة. جدي عاش لحد ما شاف كل حاجة اتصلحت، وكل واحد وصل لمكانه الصحيح، ولما راح من الدنيا كان مات وهو مبسوط ومطمن، ومش وراه غير كلام طيب وذكرى جميلة في قلوب كل اللي عرفوه.
وبقيت كل سنة ليلة العيد أتذكر اللي حصل، وأشكر ربنا على جدي اللي كان سبب في إنقاذي وإنقاذ عيلتي كلها، وعرفت وقتها إن العدل مهما طال الزمن لازم يطلع، وإن السكوت على الظلم مش رحمة، وإن الكرامة أغلى من أي فلوس وأي حاجة في الدنيا. وعرفت كمان إن العيلة مش بالاسم بس، العيلة إنك تكون جنب بعض في السراء والضراء، وتعدل بين الكل، وتحب بعض بصدق من غير ما تفرق بين حد وحد.
وكل ما بشوف منى وأبويا وأمي وبشوفهم مبسوطين ومتصلحين ببعض، وبشوف ولادي ولاد منى بيلعبوا مع بعض ومش عارفين معنى الخلاف ولا الظلم، بحس إن كل اللي حصل كان خير في النهاية، وإن كل ألم بيمر بنا بيكون سبب في سعادة كبيرة جاية في الطريق، لو بس صبرنا وطلبنا الحق بصدق وعدل.