رواية كاملة

لمحة نيوز


كانت مجرد واحدة بتلعب بيه عشان فلوسه، وما كانتش بتحبه ولا عايزاه حقاً، وإنها كانت عارفة بوجودي وبكل حاجة بس كانت بتستغله لحد ما تاخد كل ما تقدر تاخده.
في تلك الأيام اللي جت بعد كده، كانت الأحداث بتتسارع بسرعة كبيرة، جلال حاول يتصل بي كتير كتير، أرسل لي رسائل كتير يقول فيها إنه آسف وإنه غلط وإنه عايز يصلح كل حاجة ويرجعني، وإن الحاجة فوزية كانت السبب في كل حاجة، وإنني الوحيدة اللي كان بتحبها بصدق.. بس ما ردتش عليه ولا حتى قرأت رسائله، لأن الندم جاي بعد فوات الأوان ما ينفعش، والجرح اللي بيدخل القلب عمره ما يبرح مهما قالوا كلام حلو.
رامي وميار لما جوا يوم الجمعة زي ما كانوا مخططين، لقوا البيت فاضي وما فيهش حاجة، والإيجار مقطوع والمالك طالب منهم يخرجوا من الشقة لأن العقد ملغي باسمي، وكل ما حاولوا يتكلموا معاه كان يقول لهم الست وردة هي اللي استأجرت الشقة وهي اللي دفعت كل حاجة، ولها الحق توقف العقد في أي وقت، وأنا ما أقدرش أعمل أي حاجة من غير رضاها، وإن أردتم تسكنوا هنا تروحوا تتفاهموا معاها هي مش معايا.
كانت صدمة كبيرة لهم، ميار كانت تعبانة ومضطرة ومش عارفة تروح فين، ورامي كان حاسس بالذنب لأنه عرف أخيراً إنني كنت أكون أم له وأكثر من أم، وإنني ما عملتش معاه أي حاجة وحشة طول السنين، وإن كل اللي سمعه من أمه وأبوه كان كذب وافتراء، وبدأ يندم على كل كلمة قالها لي وكل نظرة شك كان ينظرها لي، وكل مرة كان يبتعد فيها عني وأنا كنت قريبة منه بكل قلبي.
أما الحاجة فوزية فكانت بتعيش في عذاب كل يوم، كانت تشوف الجيران ينظروا لها بنظرات الوم، وكل ما تطلع الشارع تسمع الكلام عنها وعن كيف كانت بتعاملني، وكيف كانت بتاخد فلوسي وتكذب عليا، وبدأت صحتها تتدهور بسرعة، كانت تنام وتصحى وتفتكر كل كلمة قالتها لي، وكل مرة كانت بتشوفني وأنا بادلة الاحترام والخير مع كل إساءة منها، وبدأت تحس بندم حقي ما كانش بتحسه قبل كده، وعرفت إنها خسرت كل حاجة عشان غرورها وحبها للمال والسيطرة، وإنها ما ربحتش غير الذل والندم والمرض.
بعد أسبوع تقريباً من ما خرجت من الشقة، جالي اتصال من المحامي اللي كنت تعامل معاه من زمان، قال لي إن جلال ورامي جوا له وعايزين يتكلموا معايا، وإنهم مستعدين يعترفوا بكل حقوقي ويعوضوني عن كل اللي شفتوه، وإنهم عايزين يطلبوا مني السماح شخصياً. وافقت أقابلهم في مكتب المحامي، مش عشان أسمحهم ولا عشان أرجع لهم، بس عشان أخلص كل الحسابات وأريح بالي من كل شئ.
يوم المقابلة دخلوا عليا الثلاثة جلال ورامي والحاجة فوزية، وكلهم كانوا منكسين الراس، ومش عارفين ينظروا لي في عيني، الحاجة فوزية كانت بتمشي بصعوبة ومساعدة رامي، ولما شافتني عيونها ملأت دموع وقالت بصوت ضعيف سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا وردة.. أنا كنت عمياء وما كنتش أشوف الحقيقة، كنت أعمى من الغرور والكراهية، وكنت أظن إنك جاية تاخدي مكاني وتاخدي فلوس ابني وما عرفتش إنك جاية تخدمينا وتعطينا كل حاجة من قلبك.. ما عنديش كلام أقوله غير إنني آسفة جداً جداً.
جلال كمان قال بصوت مكسور أنا كنت ضعيف يا وردة، ما قدرش أحميك من أمي، وصدقت الكلام الكاذب وسافرت وراء الوهم، وخسرت أغلى ما أملك في الدنيا.. كل اللي طلبه منك الآن هو السماح، وإن شاء الله تقدرين تسامحيني على كل اللي عملته فيكي.
رامي كان عيونه مليانة دموع وقال لي وهو بيحاول يسيطر على نفسه أنا آسف يا وردة.. آسف من كل قلبي.. كنت غبي ومغرور وصدقت كل الكلام اللي قالوه لي، ونسيت كل حاجة عملتيها ليا، كل وجبة عملتيها، كل هدية اشتريتيها، كل مرة كنتي تقفي جنبي وأنا محتاج.. أنا اعترف إنك كنتي أمي الحقيقية، وإنني خسرتك بغبائي وأتمنى منك تسامحيني.
جلست قدامهم بكل هدوء وقلت لهم بصوت ثابت ما فيهش أي غضب ولا أي حنين
أنا مش جاية هنا عشان أعاقبكم ولا عشان أزيد فيكم الهم، ولا عشان أفرح بدموعكم.. أنا جاية عشان أخلص كل حاجة ونقفل الصفحة دي للأبد.
أنا سألت نفسي كتير هل أنا عملت الصح لما مشيت من غير ما أواجهكم؟ والجواب كان دايماً نعم.. لأن المواجهة كانت هتزيد الجراح وما كانتش هتغير من حاجة، كنتم هتكذبوا أكتر وتدافعوا أكتر وما كنتمش هتشوفوا الحقيقة إلا لما تضطروا لها، وده اللي حصل بالظبط.
أنا ما طلبتش منكم حاجة في حياتي غير الحب والاحترام، وما طلبتش فلوس ولا منصب ولا أي حاجة من الدنيا، وكنت أقدم لكم كل ما أملك من قلب ومال وجهد بس عشان أعيش معاكم بسلام.. بس أنتم اخترتم الطريق التاني، اخترتم الكذب والخداع والإهانة، وما وقفتمش عند حد لحد ما طردتوني قدام الكل وكأنني غريبة جاية تاخد منكم حق مش لي.
والحمد لله ما خسرت حاجة لما مشيت، بالعكس أنا ربحت نفسي من جديد، ربحت كرامتي اللي كنت بضيعها كل يوم معاكم، ربحت راحتي اللي ما كانتش موجودة في بيتكم.. وأما عن السماح، فالله سبحانه وتعالى غفور رحيم، وأنا مش أحكم على حد، بس قلبي اتكسر كتير، والثقة ماتت للأبد، وما فيش طريقة ترجعها تاني مهما عملتم ومهما قلتم.
أنا مش هطلب منكم تعويض ولا فلوس، لأن الفلوس ما بتعوض الجراح ولا بترد السنين اللي مضت، وكل ما أخذته هو حقي فقط، وما أخذتش زيادة ولا نقصان، وكل الأوراق معايا لو أردتم تتأكدوا في أي وقت.
وكل ما أطلبه منكم هو شيء واحد بس ابتعدوا عني، ولا تحاولوا تتصلوا بي أبداً، وعيشوا حياتكم مع ندمكم وذكرياتكم، واعلموا إن كل إنسان بياخد جزاء عمله في الدنيا قبل الآخرة، والحق مهما طال الزمن لازم يظهر، والظلم عمره ما يدوم مهما حاول أصحابه يخفوه.
سكتوا كلهم وما قدروش يتكلموا، وعرفوا إن كلامي كان حق وصدق، وإنهم خسروا للأبد، وإن ما فيش كلام يقدر يغير اللي صار ولا يرجع الزمن لورا. وقفت وسلمت على المحامي وخرجت من المكتب، وشعرت براحة كبيرة ما حستش بيها من سنين طويلة، كأن حمل ثقيل جداً كان على كتفي وسقط في اللحظة دي للأبد.
مرت الأشهر والأيام، ورجعت لحياتي الطبيعية، كنت بشتغل في العيادة بكل نشاط وحب، وكنت أتقابل مع صديقاتي وأقضي وقت سعيد مع نفسي، وبدأت أهتم بنفسي زي ما كنت ما أهتمتش بيها من زمان، كنت أروح للنادي وأمشي في الحدائق وأقرأ الكتب وأعمل كل حاجة كنت بحبها وكنت أأجلها عشان خدمتهم. وعرفت إن الحياة ما بتقفش على حد، وإن الإنسان مهما كان قلبه طيب لازم يحافظ على كرامته وحقه، وما يسمحش لأحد مهما كان قريب منه يهينه أو يأخذ حقه بغير وجه حق.
وسمعت أخبارهم من وقت للتاني، عرفت إن جلال ترك عمله بسبب المشاكل اللي حصلت له
في الشركة بسبب الفلوس اللي أخذها، وإن الست اللي كان متعلق بها هربت بكل ما معاه من فلوس وما عرفش لها طريق، وإن الحاجة فوزية مرضت مرض شديد وظلت طريحة الفراش لفترة طويلة وما عادتش تقدر تطلع من البيت، وعرفت إن رامي وميار عانوا كتير في السكن والمعيشة، وإنهم كانوا بيندموا كل يوم على ما فعلوه، وإن رامي كان بيجي من وقت للتاني يقف بعيد عن بيتي أو عن العيادة يشوفني من بعيد ويمشي من غير ما يتكلم، وعرفت إنهم كانوا بيعيشوا كل يوم مع عذاب الضمير والندم اللي ما يريحهم أبداً.
واحدة من الأيام كنت ماشية في الحديقة القريبة من بيتي، لقيت رامي جاي ناحيتي وبيده صندوق صغير، وقف قدامي بكل احترام وقال لي يا وردة.. أنا ما جيتش أزعجك ولا أطلب منك حاجة، بس جيت أديكي ده، ده كان لأمي الحاجة فوزية، أوصتني قبل ما تموت إني أعطيه لك، وقالت لي ده أقل شيء ممكن نعوضك بيه عن كل اللي خدوه منك، وقالت لي إنها عرفت متأخراً إنك كنتي نعمة ربنا لينا وما قدرناش نحافظ عليكي، وإنها بتمنى إنك تسامحيها من قلبك.
أخذت الصندوق منه وفتحته، لقيت فيه مجوهرات كانت لوالدة جلال، وورقة مكتوبة بخط الحاجة فوزية تقول فيها يا بنتي وردة.. سامحيني.. أنا كنت أظن إن المال والبنون هم كل حاجة، وما عرفتش إن أطيب الناس وأكثرهم وفاءً كانوا جنبي وأنا ما شفتش، كل ده لكِ عشان تعرفي إنني عترفت بغلطي، وإنك كنتي أحسن منا كلنا.. عيشي سعيدة يا بنتي وربنا يوفقك في حياتك.
دمعة نزلت من عيني مش عشان حاجة حصلت، بس عشان الحقيقة اتضحت في الآخر، وإن الندم جالهم مهما كان متأخر، قلت لرامي أنا سامحتها يا رامي، والله يسامحنا كلنا، وادعيلها بالرحمة والمغفرة، واعرف إن الحياة قصيرة وما تستاهلش نضيعها في الكراهية والغلط، واحرص على بنتك لما تيجي الدنيا تربيها على الخير والحق والاحترام للناس، عشان ما تندم زي ما اندمنا.
سكت رامي وهز راسي بدموع في عينيه ومشى، وأنا ظللت واقفة شوية في الحديقة وبعدين مشيت طريقي، وشعرت إن كل حاجة انتهت، وإن القصة دي خلصت بكل ما فيها من ألم وندم وآمال، وبدأت صفحة جديدة في حياتي، صفحة مليئة بالسلام والقوة والرضا، وعرفت إن اللي بيعمل خير بيلاقي خير، واللي بيعمل ظلم مهما طال الزمن جزاؤه جاي لا محالة، وإن الكرامة أغلى من أي حاجة في الدنيا، وما ينفعش أي إنسان يبيعها بأي ثمن كان.
وأنا ماشية في طريقي كنت أتذكر السؤال اللي كان بيجي في بالي كتير هل عملت الصح لما مشيت؟ وكنت أجيب نفسي بكل يقين وثقة نعم عملت الصح.. لأنني حافظت على كرامتي، وأخذت حقي، وثبت للكل إن الحق مهما حبسوه ومهما كذبوا عليه لازم يظهر، وإن الست الضعيفة اللي كانوا بيظنوها خادمة عندهم كانت في الحقيقة أقوى منهم كلهم، وإن اللي بيستحي ياخد حقه بياخده الزمن مهما كان، وإن الحب الحقيقي ما بيجي إلا مع الاحترام والصدق، وبدونهم ما يساويش أي قيمة في الدنيا.
والصورة اللي كانت هتهدم معبده على دماغه؟ كانت سبب في كشف كل الحقيقة، وسببت في إيقاظه من غفلته، وإن كانت ألمتني في البداية إلا إنها كانت النور اللي خلاني أشوف الطريق الصحيح وأمشي فيه من غير ما أتردد ولا أندم، وآخر الحكاية إن كل واحد أخذ نصيبه، وأنا أخذت نصيبي من السلام والحرية والكرامة اللي ما يقدروا يشتروها بكل ما يملكون من دنيا زائلة.

 

تم نسخ الرابط