رواية كاملة

لمحة نيوز


وتقول للجيران كل الكلام الباطل، وتقول إنني حرامية وإنني كنت أتآمر على ابنها.. وما كنتش مهتمة ولا حتى بفكر أرد عليها. الجيران كانوا عارفين كويس أنا مين، وعارفين كيف كنت أعاملهم وكيف كنت أخدم في البيت ده لمدة أربعطعشر سنة، والحق ما يخفش على حد مهما حاولوا يغيروا صورته.
وصلنا للشقة اللي استأجرتها قبل كده بفترة بسيطة، شقة صغيرة في حي مصر الجديدة، قريبة من العيادة اللي بشتغل فيها، كنت دفعت إيجارها لمدة سنة كاملة مقدماً من فلوسي الخاصة، وكنت قلت لجلال إنها شقة لصديقة لي بتعاني من مشاكل وما عرفتش أقول له الحقيقة عشان ما يزعلش ولا يحس إنني بدأت أجهز نفسي للابتعاد عنه.. وطلع إن القدر كان بيساعدني من غير ما أعرف.
العمال نزلوا العفش ورتبوه بسرعة، وكل حاجة كانت تيجي مكانها بالظبط زي ما كانت في البيت القديم، بس الفرق الكبير إن كل حاجة هنا ملكي، ما لحدش فيه حق ولا لحدش سلطة يطردني منها أو يهينني بسببه. لما خلص العمال ومشوا، قفلت الباب ورايا ووقفت وسط الصالة، ولسه ما حسيتش براحة كاملة، لسه الصورة اللي شفتها في تليفون البنت بتضرب في دماغي كالمطرقة، ولسه كلام الحاجة فوزية عن سفريات جلال اللي ما كانتش حقيقية بيرن في وداني زي الجرس المزعج.
مسكت التليفون بتاعي وبدأت أتأكد من كل حاجة، اتصلت بصديق لي شغال في نفس الشركة اللي شغال فيها جلال، رد عليا بلهفة وسألني إيه الأخبار يا وردة؟ من زمان ما سمعنا صوتك، وجلال كمان ما جاش للشغل من فترة، قالي إنه مريض بس ما صدقتش، إيه اللي حصل؟
قلت له بكل هدوء هو مش مريض يا كريم، ولا هو في مأمورية ولا أي حاجة من دي، هو أخذ إجازة بس ما قالش لحد رايح فين، وأنا عايزة أعرف الحقيقة، عشان خاطر صداقتنا القديمة قولي لي أي حاجة تعرفها.
سكت شوية بعدين قال لي بصوت منخفض أنا ما كنتش عايز أقولك عشان ما تزعلي بس بما إنك سألتيني.. جلال من فترة طويلة بدأ يتغير، بياخد فلوس كتير من الشركة وما بيرجعش تفسيرات، وكل ما نسأله بيقول حاجات غريبة، وسمعت من السكرتيرة بتاعته إنه كان مرتبط بست تانية، وإنها ساكنة في شقة في مدينة نصر، وإنها كانت حامل منه من فترة.. وما حدش كان عايز يقولك عشان ما يجرحكش.
كلامه نزل عليا زي الصاعقة بس ما تغيرش شئ في مشاعري، لأنني كنت متوقعة كل ده، وكأنني كنت عارفة بقلبي قبل ما أي حد يقولي، وكل ما كان بيظهر لي الحقيقة كنت بتأكد أكتر وأكتر إن قراري الصح اللي اتخذته ما كانش غلط أبداً. شكرته وقلت له ما يقلقش وإنني هتعامل مع الموضوع بطريقتي الخاصة، وقفلت معاه وأنا عارفة إن الطريق قدامي مش سهل بس أنا مستعدة له مهما كان الثمن.
في نفس الوقت، في الشقة القديمة في المنيل، كانت الحاجة فوزية واقفة وسط البيت الفاضي زي المجنونة، كل شوية تمسك تليفونها وتتصل بجلال وتلقاه مقفول، وتتصل برامي وما بيردش عليها، والجيران كل واحد بيمشي من قدام الباب وبينظر لها بنظرات غريبة، بعضهم بشفقة وبعضهم بفضول وكأنهم عارفين كل حاجة. كانت دماغها بتدور وتفكر في كل اللي حصل، كانت متوقعة إنني لما أسمع الكلام ده أبكي وأستجديها وأقول لها آسفة وأرجع أخدمها زي ما كنت بعمل طول السنين، وما كانتش تتوقع أبداً إنني أكون بهالقوة والصلابة، وإنني أخذ كل حقي وأمشي من غير ما أقول لهم كلمة واحدة زيادة.
جلست على الأرض بجانب سريز البيبي اللي مفكك ومترمي، وبدأت تفتكر كل حاجة، افتكرت كيف كانت بتاخد مني الفلوس بحجج كاذبة، وكيف كانت بتقول لي كلام جارح كل يوم، وكيف كانت بتدبر مع جلال ورامي كل خطة عشان تخليني أخرج من البيت من غير أي حق، وافتكرت إنها لسه ما دفعتش إيجار الشقة من شهور، وإن الفواتير كلها ما دفعتش غير بفلوسي، وإن كل حاجة في البيت كانت بفلوسي وجهدي، وكل ده كان واضح في الأوراق والوصولات اللي أخذتها معايا كلها.
وفجأة سمعت صوت المفتاح في الباب، ودخل جلال ورامي مع بعض، وشافوا البيت فاضي كله، والغرف خالية من كل حاجة، والحاجة فوزية قاعدة تبكي بصوت عالي وسط الصالة. رامي صرخ بعلو صوته إيه ده يا أما؟ في إيه؟ وين العفش كله؟ وين كل حاجة؟
قامت الحاجة فوزية بسرعة وهي بتمسح دموعها وقالت لهم وهي بتشاور باليد الحرامية أخذوه! وردة أخذت كل حاجة وسرقت البيت وهربت! قلتلكم من أول يوم إنها مش أمينة وإنها عايزة كل حاجة لروحها وما حدش صدقني!
جلال وقف متجمد في مكانه، ما قدرش يتكلم ولا يتحرك، شاف التربيزة اللي كانت في الصالة ومش موجودة، وشاف الثلاجة والغسالة والسرير وكل حاجة غابت، وشاف المفتاح مترمي على الأرض زي ما سبته أنا، وفجأة تذكر كل الكلام اللي كنت أقوله له، وكل مرة كنت أطلب منه يسجل الأوراق باسمي عشان أضمن حقي وكل مرة كان يقول لي ما تخافش يا وردة كل حاجة بينا وبين الله وما يحتاجش ورق، وتذكر الوصولات اللي كان بيمضيها لي وهو مغمض عينيه، وتذكر العقد اللي كتبته لي بكل رضا عشان ما أقلقش، وعرف في اللحظة دي إن كل حاجة انتهت، وإن حيلته كلها انكشفت، وإنني ما مشيتش إلا وأخذت كل دليل يثبت حقي ويثبت غلطهم كلهم.
رامي كان بيتكلم بغضب وصراخ هنروح للشرطة ونبلغ عنها، هنرجع كل حاجة سرقتها، وهنحبسها وهنخليها تندم على اليوم اللي اتولدت فيه!
بس جلال رفع يده وسكته وقال بصوت مهزوز ومكسور لا يا رامي.. ما هنعملش حاجة من دي.. هي مش سرقت حاجة.. هي أخذت حقها كلها.. وكل حاجة كانت بتدفع فيها فلوسها وجهدها.. والوصولات والعقود كلها معاها.. لو رحنا للشرطة هنفضح نفسنا وهنثبت غلطنا قدام الكل.
الحاجة فوزية بصت له بصدمة وقالت إيه بتقول يا جلال؟ إيه حقها؟ دي مش مراتك؟ دي ما لهمش حق في حاجة عندنا؟ إيه اللي صارلك؟
نظر لها جلال بنظرة مليئة بالحزن والغضب مع بعض وقال لها أنتي اللي عملتي فيا كده يا أما.. أنتي اللي دبرتي كل ده وعميتي عيني عن الحقيقة.. أربعطعشر سنة هي بتدفع كل مصاريف البيت والإيجار والفواتير وكل حاجة، وأنا كنت أاخد منها الفلوس وأعطيك إياها وأقولك من عندي، وأنتي كنتي تاخديها وتزيدي وتعامليها أسوأ معاملة ممكنة، وكنت عارفة كل ده وسكتة.. والآن جيتي تقولي لي دي ما لهاش حق؟ دي ليها حق في كل حاجة حصلت هنا، وليها حق ندم وحساب على كل كلمة قلتيها وكل إهانة شافتها مننا.
خرج من جيبه تليفونه وفتح الصورة اللي كانت معاه للست التانية، وظهر له نفس الصورة اللي شفتها أنا عند البنت في القهوة، وعرف إن كل الناس عرفت بالحقيقة غيره هو، وإن الصورة اتشرت في كل مكان، وإن الست اللي كان متعلق بها
 

تم نسخ الرابط