رواية كاملة
المحتويات
يمكن توقع خطوتها التالية. أما هدوؤها فكان يعني أنها رتبت المعركة في رأسها قبل أن تبدأ. بعد الظهر بقليل، رن جرس الباب. لم تتحرك سارة. سمعت خطوات أمها في الصالة، فتح المزلاج، ثم صوت عمر منخفضاً السلام عليكم. لم ترد أمها فوراً. تركت الصمت يشتغل في وجوههم، ثم قالت وعليكم السلام. اتفضلوا. خرجت سارة من غرفتها وهي تمسك طرف طرحتها بيدين باردتين. رأتهم في الصالة كما تخيلتهم طوال الليل عمر واقف قرب الباب كأنه ضيف جاء إلى بيت لا يعرفه، أمه تحمل حقيبة سوداء على ذراعها وتفرد وجه الاحترام الرسمي، وداليا خلفهما بعينين لا تستقران على شيء. لكن داليا لم تنظر أولاً إلى علبة الذهب. نظرت إلى الكرسي حيث وضعت أم سارة الإسدال. كان ذلك كافياً. جلست أم عمر على حافة الكنبة، وقالت بصوت ناعم أكثر مما يحتمل الموقف إحنا جايين ننهي الموضوع بالمعروف يا أم سارة. النصيب غلاب، وكل بيت يعرف أصوله. ابتسمت أم سارة ابتسامة صغيرة. الأصول موجودة. الشبكة على الترابيزة، والهدايا في الشنطة، والقائمة عندي لو حابين نراجع بند بند. احمر وجه عمر. قال بسرعة مش محتاجين قائمة. رفعت داليا حاجبها. لا، نراجع. عشان بعدين محدش يقول حاجة ناقصة. نظر إليها عمر نظرة ضيقة. داليا، خلينا نخلص. قالت داليا من بين أسنانها ما إحنا بنخلص. كانت أم سارة واقفة في منتصف الصالة. لم تجلس. كانت تعرف أن الجالس ينتظر، أما الواقف فيحكم المسافة. أشارت إلى الطاولة. اتفضل يا عمر. دي شبكتكم. مد عمر يده نحو العلبة، ثم توقف. ربما لأن أصابع سارة كانت قريبة من حافتها، أو لأن الذهب، في تلك اللحظة، لم يعد مالاً فقط. كان شاهداً. فتح العلبة ببطء. الخاتم، الدبلة، السلسلة. كل شيء مرتب كأن علاقة كاملة يمكن إعادتها إلى مكانها الأصلي بلا خدش. قال بصوت مبحوح أنا آسف إن الموضوع وصل لكده. ضحكت أم سارة مرة واحدة. وصل لوحده؟ لم يرد. قالت سارة، وهي تفاجئ نفسها قبل الجميع أنت قريت رسالتي إمبارح. رفع عمر عينيه إليها. كان التعب واضحاً على وجهه، لكن التعب ليس اعتذاراً. ماعرفتش أرد أقول إيه. قالت وده كان الرد. دخلت داليا بينهما بسرعة إحنا مش جايين نفتح مواجع. خلصوا الحاجات. قالت أم سارة هنخلص. بس بالترتيب اللي اتفقنا عليه إمبارح. شدت داليا حقيبتها على صدرها. اتفاق إيه؟ أخذت أم سارة الإسدال من على الكرسي، ووضعته فوق الطاولة بجوار علبة الذهب. ده. تغير لون وجه داليا. حاولت أن تضحك. ده بتاعي. هاتيه وخلاص. هتاخديه، ما تقلقيش. قالت أم عمر يا جماعة، عيب نكبر الموضوع على قماشة. ردت أم سارة من غير أن تنظر إليها القماشة اللي البنت تصلي فيها مش قماشة. واللي يترعب من فتح بطانتها يبقى مش خايف على القماش. وقف عمر. بطانتها؟ في إيه؟ لم تجبه سارة. وضعت يدها على الطرف السفلي للإسدال، حيث أحست بالبروز ليلة أمس. كان لا يزال هناك. صغيراً، صلباً، كقلب حشرة ميتة تحت الجلد. أخذت المقص من يد أمها. صرخت داليا إوعي! وصل صوتها إلى السلم. في الخارج، سكتت حركة جارة كانت تمر. حتى أم عمر التفتت إلى ابنتها بصدمة لا تعرف كيف تخفيها. قال عمر داليا، إنتي بتصرخي ليه؟ عشان ده بتاعي! محدش يقطعه! قالت سارة بهدوء لم تتوقعه من نفسها لو بتاعك، يبقى المفروض تبقي عارفة اللي جواه. قربت المقص من الخياطة. اندفعت داليا نحوها، لكن أم سارة وقفت أمامها كحائط. لم تلمسها. فقط رفعت يدها في الهواء وقالت خطوة كمان، وهخلي السلم كله يشوفك. تجمدت داليا. قصت سارة خيطاً واحداً. كان الصوت خفيفاً جداً، لكنه شق الصالة كلها. خيط آخر. ثم فتحت طرف البطانة بإصبعها. سقط شيء على الطاولة. لم يكن كبيراً. ورقة داكنة مطوية بإحكام، مربوطة بخيط أحمر رفيع، ملفوفة داخل قطعة قماش صغيرة. لا أحد تنفس لثانيتين. قالت أم عمر إيه ده؟ لم يكن سؤالها بريئاً تماماً. كان فيه خوف امرأة رأت باباً قديماً ينفتح، وتمنت لو أنه لم يوجد. مد عمر يده، لكن داليا سبقته. خطفت الورقة وكادت تدسها في حقيبتها. هذه المرة لم تصرخ أم سارة. أمسكت معصمها فقط. قالت بهدوء لا. حاولت داليا الإفلات. سيبيني! مش قبل ما عمر يشوف. قال عمر داليا، اديها لي. دي حاجة خاصة. إديها لي. كان صوته مختلفاً. لم يكن قوياً تماماً، لكنه خرج منه بلا استئذان من أحد. داليا نظرت إلى أمها كمن يستنجد، فلم تجد إلا وجهاً شاحباً. تركت الورقة في يد عمر. فك الخيط ببطء. لم تكن الورقة تحمل وصفاً واضحاً، ولا شيئاً يمكن فهمه بسهولة. خطوط متداخلة، حروف متكسرة، وبقعة حمراء جافة في الزاوية. لكن الاسم كان واضحاً سارة بنت هناء. شعرت سارة أن الأرض ابتعدت عنها خطوة. لم يقل أحد اسم أمها أمام داليا بهذه الصيغة إلا مرة واحدة. في بيت عمر. يوم سألت أم عمر عن الاسم عشان الدعاء، وضحكت سارة وقتها من حرصها. قالت أم سارة، بصوت تغير كله اسمي مكتوب معاها. رفعت أم عمر يدها إلى صدرها. أنا ما أعرفش حاجة. لم يسألها أحد بعد. قال عمر وهو ينظر إلى الورقة إنتي عملتي إيه؟ هزت داليا رأسها بعنف. ولا حاجة. والله ولا حاجة. واحدة قالتلي أحطها بس عشان... عشان ما تبعدش عنك. نظرت سارة إليها طويلاً. عشان ما أبعدش عنه؟ ولا عشان ما أبقاش بخير من غيره؟ لم تجب داليا. كانت أم سارة قد أخذت الورقة من يد عمر بمنتهى الحذر، ووضعتها داخل كيس شفاف صغير كانت تعده للأوراق والإيصالات. قالت النهارده مش هنتخانق. النهارده هنسجل. أخرجت هاتفها، وبدأت تصور الورقة، والإسدال، والقطع المفتوح من البطانة. صرخت داليا إنتي بتصوريني؟ قالت أم سارة بصور الحاجة اللي طلعت من بيتك. قالت أم عمر يا أم سارة، فضيحة كده. ردت الأم الفضيحة مش في التصوير. الفضيحة في اللي اتدفن في قماش صلاة. كان عمر واقفاً كأنه تلقى ضربة ولم يعرف من أين جاءت. نظر إلى سارة، ثم إلى أخته، ثم إلى أمه. مين الست اللي اديتهالك؟ قالت داليا مش فاكرة اسمها. قالت سارة فوراً كذابة. كانت أول مرة تقولها بهذه الصراحة. خرجت الكلمة نظيفة، بلا صراخ. داليا فتحت فمها لترد، لكن هاتف سارة رن. رقم غريب. لم يلتفت أحد أولاً. كان الرنين شيئاً من عالم آخر. ثم نظر عمر إلى الشاشة، وقال مين ده؟ لم تعرف سارة لماذا شعرت أن عليها أن ترد. ربما لأن اليوم فتح كل الأبواب التي ظنتها مغلقة. ربما لأن الرقم جاء في اللحظة الوحيدة التي صار فيها الصمت أخطر من الكلام. ضغطت زر الرد وفتحت السماعة. جاء صوت امرأة شابة، مخنوقاً ومستعجلاً سارة؟ ما تسيبيهمش ياخدوا الورقة. تجمدت داليا في مكانها. قالت سارة إنتي مين؟ سكت الصوت ثانية، ثم قال أنا مريم. وده مش أول إسدال يا سارة. الحلقة 003 الرقم الغريب أول ما قالته مريم بعد اسمها كان اقفلي الباب. نظرت سارة إلى الباب المفتوح على السلم. كانت أم كريم واقفة في المنتصف، لا هي نازلة ولا طالعة، تحمل كيس خبز وتدعي أنها لا ترى شيئاً. خلفها، ظهرت عين طفل من شقة الجيران ثم اختفت. أم سارة فهمت قبل أن تتكلم. ذهبت إلى الباب وأغلقته بهدوء. لم تعتذر لأحد. قالت سارة في الهاتف اتكلمي. قالت مريم مش قدامهم. رفعت داليا صوتها دي واحدة كدابة. اقفلي في وشها. قال عمر، وعينه لم تترك أخته إنتي تعرفيها؟ لأ. جاء صوت مريم من الهاتف، أضعف لكنه واضح هي تعرفني. قوليلها مريم بتاعة خطوبة طنطا. سقطت الكلمة على داليا كما تسقط يد على جرح. لم تنهار، لكنها شحبت بطريقة جعلت إنكارها التالي بلا قيمة. مافيش حاجة اسمها كده. قالت مريم في. وفي بنت تانية اسمها رنا كانت هتدخل بيتكم بعدي، ولحقت نفسها. أم عمر جلست فجأة. لم تكن جلست من قبل إلا لتبدو متحكمة. هذه المرة جلست لأن ساقيها لم تعودا تساعدانها. قالت سارة إنتي جبتي رقمي منين؟ من نهى. صاحبتك. اتسعت عينا سارة. نهى تعرفك؟ هي اللي دورت عليا لما حست إن في حاجة غلط. كانت فاكرة الموضوع مجرد أخت غيورة. بس لما قلتي لها عن الإسدال إمبارح، بعتت لي. لم تعرف سارة هل تغضب من نهى أم تشكرها. لكن الوقت لم يكن للعتاب. قالت مريم اسمعيني كويس. الورقة دي مش دليل لوحدها. هي هيقولوا إنكوا حطيتوها عشان تفضحوهم. لازم تحتفظوا بالإسدال زي ما هو، ومتدوش الورقة لحد، ولا تخلوهم يخرجوا من غير ما تسجلوا إنهم كانوا عايزين ياخدوه. قال عمر إنتي بتتكلمي عن أهلي؟ ردت مريم أنا بتكلم عن اللي حصل لي. سارة اقتربت من الهاتف. حصل لك إيه؟ طال صمت مريم. حين تكلمت، لم يكن صوتها درامياً. كان صوت امرأة تعبت من شرح شيء لا يصدقه الناس إلا بعد أن يؤذيهم. كنت مخطوبة لقريب لهم من سنتين. مش عمر. ابن خالة داليا. نفس الطريقة. هدية دينية، كلام عن البركة، أسئلة عن اسم أمي، وبعدها مشاكل من غير سبب. ولما فسخت، اتقال عني إني مش كويسة، وإني قلبت عليهم عشان الذهب. أنا سكت. كلنا بنسكت عشان الناس. قالت داليا كفاية تمثيل. قالت مريم فجأة اسأليها عن الست سامية. لم تتحرك داليا، لكن عيني أم عمر تحركتا إليها بسرعة. التقطت أم سارة ذلك. مين سامية؟ قالت أم عمر واحدة ست كبيرة في المنطقة. بتقرأ قرآن للناس. قالت مريم لا بتقرأ ولا حاجة. بتلم أسرار البيوت. كل واحدة تروح لها تحكي، تفتكر إنها بتتعالج، تقوم الست سامية ماسكة عليها كلمة وصورة وصوت. وبعدها اللي يدفع أكتر ياخد اللي عايزه. شعر عمر كأن الجدران تتحرك حوله. كان يريد أن يكذب مريم، أن يجد خطأ صغيراً في كلامها فيتشبث به. لكنه رأى أمه تخفض عينها. رأى داليا تشد سحاب حقيبتها وتفتحه بلا سبب. رأى سارة تقف ثابتة لأول مرة منذ عرفها. قال لأمه إنتي تعرفي الست دي؟ قالت أمه كل الناس تعرفها. سألتك إنتي تعرفيها؟ لم تجب. كانت هذه أول إجابة حقيقية. قالت أم سارة طيب. محدش هيخرج قبل ما الكلام يتوضح. قالت أم عمر وهي تستعيد بعض قسوتها إنتي هتحبسينا؟ لا. الباب مفتوح. بس اللي هيخرج دلوقتي هيخرج وهو عارف إن الورقة والإسدال وصوت مريم وكل اللي اتقال موجودين. داليا اندفعت نحو الباب. أمسك عمر بذراعها. استني. نظرت إليه بغل. إنت مصدقهم؟ قال أنا مصدق الورقة اللي طلعت من قماشة إنتي جبتيها. ردت كنت بحميك. من سارة؟ من اللي كانت هتاخدك مننا! خرجت الجملة عارية. حتى داليا نفسها بدت خائفة منها بعد أن قالتها. أم عمر وضعت يدها على فمها. سارة لم تشعر بانتصار. شعرت فقط بقرف هادئ، عميق، من كل مرة جعلوها فيها تشك في نفسها. قالت أنا ما كنتش باخد حد. كنت داخلة بيتكم بالمعروف. قالت داليا باكية إنتي ما تعرفيش يعني إيه واحد زي عمر يسيب البيت. إنتي عندك أمك. أنا ما عنديش غيره. قال عمر أنا أخوكي، مش عكازك. هنا بدأت داليا تبكي فعلاً. لا بكاء التمثيل، ولا بكاء النجاة. بكاء شخص انكشف أمام الجملة الوحيدة التي كان يهرب منها. لكن سارة لم تلن. قالت مريم في الهاتف سارة، في بنت اسمها ياسمين. خطوبتها بعد أسبوع. الست سامية دخلت بيتهم بهدية شبه دي. لو سكتوا، هتتكرر. قالت أم سارة عنوانها. قالت مريم هابعته لنهى. وأنا هابعت لكم تسجيل. مش كامل، بس كفاية يثبت إن داليا راحت لسامية قبل الفسخ بثلاث أيام. رفعت داليا رأسها بسرعة. تسجيل إيه؟ جاء صوت مريم بارداً صوتك وإنتي بتقولي عايزاها تبعد بس من غير ما عمر يرجع لها. لم تعد داليا تبكي. قالت أم عمر فجأة اقفلي يا سارة. سارة نظرت إليها. ليه؟ قالت أم عمر عشان البيوت ما تتفضحش. قالت سارة البيوت اتفضحت لما صدقت إن سكوتي ملك لكم. أغلق عمر علبة الشبكة ببطء ووضعها على الطاولة. أنا مش هاخد حاجة النهارده. قالت أمه إنت اتجننت؟ لا. أنا أول مرة أفوق. نظر إلى سارة، لكن عينيه لم تطلبا عطفاً. أنا هجيب الحقيقة. قالت سارة هاتها لنفسك الأول. رن هاتف سارة برسالة. نهى أرسلت تسجيلاً صوتياً، وتحته عنوان امرأة اسمها سامية في شارع ضيق
متابعة القراءة