رواية كاملة

لمحة نيوز

ثمن الإسدال الحلقة 001 بكرا هياخدوا الشبكة لم تكن سارة تبكي عندما أضاء هاتفها باسم داليا. كانت الدموع قد نفدت قبل المغرب، وانتهت معها كل الجمل التي جهزتها لنفسها لو اتصل عمر واعتذر، أو لو اتصل وقال كلمة واحدة تشبه الرجولة. بقيت فقط علبة الشبكة فوق طرف السرير، مفتوحة كجرح صغير يلمع في الضوء الأصفر. الرنين لم يتوقف. نظرت إلى الاسم، ثم إلى الخاتم الذي صار فجأة أثقل من ذهب. لم ترد في المرة الأولى. ولا في الثانية. في الثالثة، ظهر صوت أمها من المطبخ مين اللي بيرن كده يا سارة؟ لم تجب. لأنها عرفت، قبل أن تفتح اشلخط، أن الليلة لن تمر بسلام. امتدت يدها إلى الهاتف. كان طرف إصبعها بارداً كأنها تلمس زجاج نافذة في عز الشتاء. ضغطت زر الرد، ووضعت الهاتف على أذنها من غير أن تقول شيئاً. جاءها صوت داليا خفيفاً، مرتباً، كأنها تتحدث من مكتب لا من بيت يستعد لفضيحة إيه يا سارة؟ بقالك ساعة بتبصي على التليفون؟ ابتلعت سارة ريقها. أنا سامعاكي. كويس. عشان مش عايزة الكلام يتعاد بكرة قدام الناس. كلمة الناس وحدها كانت تكفي لتجعل الغرفة تضيق. منذ الصباح، والناس حاضرون في كل زاوية من البيت، مع أن أحداً لم يأت. في نظرة البواب حين صعدت أمها من السوق ومعها أكياس كثيرة. في سؤال الجارة أم كريم عن سبب انطفاء نور الصالة بعد العصر. في رسالة خالتها التي بدأت بمعلش يا حبيبتي وانتهت بسؤال عن موعد رد الشبكة. حتى صمت عمر كان له جمهور، كأنه اختار أن يترك الجميع يتكلمون عنه بدلاً منه. كانت سارة قد كتبت له رسالة طويلة بعد الظهر، ثم حذفتها. كتبت كان ينفع تقولي بنفسك. حذفتها. كتبت أنا مش زعلانة من الفسخ قد ما أنا زعلانة من طريقتك. حذفتها أيضاً. وفي النهاية أرسلت نقطة واحدة بالخطأ، فظلّت تحدق في الشاشة تنتظر أن يراها. ظهرت علامتا القراءة باللون الأزرق، ثم لا شيء. لا شيء كان جواب عمر المفضل. حين تقدم لها، كان صمته يبدو هدوءاً. رجل لا يثرثر، لا يرفع صوته، لا يدخل في مهاترات العائلات. هكذا قالت خالتها. وهكذا أرادت سارة أن تصدق. لكن الصمت مع الوقت صار غرفة مغلقة. كلما طرقت بابها، خرجت داليا بدلاً منه. داليا التي اختارت لون مفارش العروس. داليا التي سألت عن مرتب سارة قبل أن تسأل عن راحتها. داليا التي كانت تناديها يا عروسة بصوت حلو أمام الناس، ثم تزن كل كلمة تقولها في الخفاء كأنها تجمع أدلة. في البداية، ضحكت سارة من ذلك مع صديقتها نهى. قالت لها أخته متعلقة بيه شوية. فردت نهى بواقعية مؤلمة شوية؟ دي لابسة في حياته أكتر من دبلة الخطوبة. ضحكتا يومها. والضحك أحياناً يكون الطريقة الوحيدة التي يكذب بها الإنسان على نفسه من غير أن يشعر. الآن، وهي تسمع صوت داليا في الهاتف، لم تعد النكتة تصلح. نظرت سارة إلى المرآة الصغيرة فوق التسريحة. رأت امرأة تشبهها ولا تشبهها وجه بلا مكياج، شعر مربوط بعجلة، أثر دبلة على البنصر، وعينان واسعتان كأنهما لم تناما منذ عمر. تمنت لو أن عمر يرن الآن من رقم آخر. تمنت لو يقول سيبيك منها، أنا هتكلم. لم يكن عليها أن تسامحه فوراً. لم يكن عليها حتى أن ترد. لكنها أرادت دليلاً صغيراً على أنه يعرف معنى أن يترك إنسانة وحدها أمام عائلته. الهاتف ظل يحمل صوت داليا فقط. شدت سارة الغطاء فوق ركبتيها، رغم أن الجو لم يكن بارداً. في الصالة، كان صوت التلفزيون منخفضاً على نشرة أخبار لا أحد يتابعها. وفي المطبخ، اصطدمت ملعقة بكوب زجاجي، ثم سكن كل شيء لحظة كأن البيت كله يميل بأذنه إلى المكالمة. قالت داليا بكرة هنعدي عليكم بعد الضهر. عمر وماما وأنا. الشبكة تكون جاهزة. جاهزة. خرجت الكلمة من سارة قصيرة، ناشفة، لا تشبهها. كان في داخلها شيء يطلب منها أن تضيف والشبكة لم تعد لي أصلاً. أو خذوها وانتهوا. أو لماذا لم يقل عمر هذا بنفسه؟ لكنها لم تقل. تعلمت في الشهور الأخيرة أن بعض الأسئلة لا تطلب جواباً، بل تمنح الطرف الآخر فرصة ليكذب بثقة أكثر. على طرف السرير، بجوار علبة الذهب، كانت توجد ورقة بيضاء بخط أمها. لم تكن قائمة بالمعنى الدقيق؛ كانت إعلان براءة. كتبت الأم أسماء الأشياء كلها علبة العطر، الطقم الفضي، الحقيبة الجلد، علبة الشوكولاتة التي لم تفتح، وحتى الطرحة التي اشتراها عمر في أول خروجة بعد قراءة الفاتحة. أمام كل بند وضعت علامة صغيرة. لم تفعل ذلك حباً في الحساب، بل حتى لا يخرج أحد من بيتها ويقول إنهم أخذوا شيئاً ليس لهم. كانت أمها قد قالت وهي تطبق الورقة إحنا نرد الحاجة عشان ننام مرتاحين. إنما اللي ييجي يحاسبنا على كسرة عيش دخلت بيته، يبقى بيحاسب ربنا مش إحنا. ردت سارة وقتها بصوت مخنوق بلاش خناق بكرة يا ماما. نظرت إليها الأم كما تنظر امرأة إلى ابنتها وهي تحاول حمل حجر أكبر من صدرها. أنا مش هتخانق. بس مش هسيب حد يكسر عينك في بيتك. أنا عايزة اليوم يعدي. اليوم يعدي، آه. بس إنتي ما تعديش معاه. لم تفهم سارة الجملة تماماً في لحظتها. الآن، وهي تسمع داليا ترتب موعد المجيء كأنها صاحبة البيت، فهمت بعض المعنى. هناك أيام لا تمر فقط. هناك أيام تأخذ شيئاً من الإنسان إذا تركها تفعل. صمتت داليا ثانية واحدة، ثم تنفست من أنفها كأنها تبتسم. بس في حاجات تانية محتاجين نقفلها. ارتفع قلب سارة في صدرها. لم تكن تخاف المال. لم تكن الشبكة نفسها تؤلمها، ولا الهدايا، ولا الحسابات الصغيرة التي كانت أمها قد رتبتها في كيس أبيض منذ العصر. ما أخافها هو طريقة داليا حين تقول حاجات تانية. كانت تضع في الجملة شيئاً غير مرئي، شيئاً يستقر تحت الجلد. زي إيه؟ زي الهدايا. كل حاجة موجودة. لا، مش كل حاجة. نهضت سارة من طرف السرير. مشت خطوتين داخل غرفتها الصغيرة، ثم عادت إلى مكانها، كمن يبحث عن باب في حائط يعرف أنه مسدود. على الكرسي قرب الدولاب تراكمت أشياء الخطوبة فستان الزيارة الأولى في كيس بلاستيك شفاف، علبة عطر لم تفتح، حجاب بلون وردي كانت داليا قد قالت يوماً إنه يليق على وجهها الهادي. وعلى الرف الأعلى، موضوع بعناية لا تليق بفوضى هذه الليلة، كان الإسدال الرمادي المطوي. لم تنظر إليه طويلاً. ومع ذلك أحست به. قالت داليا الإسدال اللي جبتهولك في رمضان. بكرة يتحط مع الحاجات. سارة رفعت عينها إليه. الإسدال؟ آه، الإسدال. ده هدية. ضحكت داليا ضحكة صغيرة بلا فرح. وهو لما الخطوبة تتفركش، الهدايا بتفضل هدايا؟ ما تبقيش عبيطة يا سارة. كانت الكلمة أخف من صفعة، لكنها وصلت أعمق. لم ترد سارة. حدقت في طرف السجادة، في الخيط المفكوك الذي كانت تؤجل قصه منذ أسابيع، وشعرت بغضب غريب لأنها تذكرت الآن شيئاً تافهاً يوم أعطتها داليا الإسدال، أصرت أن تلبسه أمامها. وقفت سارة يومها في الصالة نفسها، محرجة من إلحاحها، بينما داليا تدور حولها وتشد طرف الكم وتقول قماشته حلوة، خلي بالك منه. لم يكن الإلحاح وقتها سوى ثقل بسيط في القلب. الآن صار علامة. سارة؟ إنتي سكتي ليه؟ قالت سارة بهدوء متعب هحطه مع الحاجات. والعيديات. نعم؟ الفلوس اللي أخدتيها في العيد. من عمر ومن ماما. في المطبخ، سمعت سارة صوت كوب يوضع على الرخامة بقوة أكثر من اللازم. أمها سمعت. هذا مؤكد. ومع ذلك لم تدخل. كان بينهما اتفاق غير معلن منذ العصر سارة تتكلم أولاً. ليست لأنها الأقوى، بل لأنها صاحبة العلاقة. أمها ستظل قريبة، جاهزة عند الباب، لكنها لن تنتزع منها حقها في الرد إلا إذا رأت أن الرد صار سكيناً موجهاً إلى رقبتها. وسارة أرادت أن تصمد. ليس من أجل داليا، ولا من أجل عمر. من أجل نفسها فقط. كانت تخاف أن تكتشف، في نهاية هذا اليوم، أنها لم تكن موجودة في قصتها إلا كشيء ينتقل من يد إلى يد دبلة توضع في إصبعها، شبكة تعاد، هدية تطلب، سمعة تفاوض عليها عائلتان. لهذا قالت بصوت شبه ثابت العيدية مش دين. لما الناس تبقى ناس، آه. إنما لما كل حاجة تتقلب، يبقى كل حاجة تتحسب. مين قلبها يا داليا؟ سمعت نفساً حاداً. إنتي عارفة كويس. لا، مش عارفة. عمر قال لماما إن مفيش توافق. قبلها بيوم كان بيقولي نختار لون المطبخ. فلو عندك تفسير أحسن، قوليه. سكتت داليا طويلاً بما يكفي لتسمع سارة طقطقة ساعة الحائط في الصالة. كانت الساعة هدية من والدها قبل سفره الأخير إلى الكويت. بقيت معلقة فوق التلفزيون منذ سبع سنوات، كأنها تحرس بيتاً تعلم أن صاحبه لا يعود إلا زائراً. سارة لم تكن تحب الحديث عن غياب أبيها؛ كان الناس يستغلونه بسرعة. مفيش راجل في البيت، يقولونها أحياناً صراحة وأحياناً يتركونها معلقة في الهواء. ربما لهذا كانت أمها ترفع صوتها أكثر مما ينبغي. وربما لهذا اختارت سارة عمر. رجل من عائلة واضحة، وظيفة ثابتة، أم حاضرة، بيت لا يغيب عنه الرجال. لم تكن تبحث عن قصة حب كبيرة بقدر ما كانت تبحث عن باب مطمئن. ثم اكتشفت أن بعض الأبواب تؤدي إلى غرف أضيق. قالت داليا أخيراً التوافق مش بالعافية. ومش كل حاجة تتقال للبنت. يعني في حاجة اتقالت من ورايا؟ أنا ما قلتش كده. بس قصدك كده. قصدي إنك تبصي لقدامك. بكرة ترجعي اللي عليكي ونقفل الصفحة. كانت عبارة اللي عليكي ثقيلة. كأن ذنباً ثبت عليها ولم تعرف نصه. أغمضت سارة عينيها. كانت ترى نفسها بوضوح في عيد الفطر، جالسة إلى جوار عمر على كنبة بيتهم، تضحك بخجل حين مدت أم عمر يدها بورقة مطوية وقالت دي عشان وشك حلو علينا. لم تكن الورقة مبلغاً كبيراً. كانت مجاملة عائلية. شيئاً تقول به البيوت لبعضها أنتِ منا. ثم جاء هذا المساء ليقلب المعنى، كأن كل ابتسامة كانت إيصالاً مؤجلاً. حاضر. والعطر. موجود. والعباية السودا. موجودة. والساعة. موجودة يا داليا. سكتت داليا، لكن سارة سمعت في الصمت حركة أوراق. كأنها لا تتكلم من ذاكرة، بل من قائمة مكتوبة أمامها. كأن نهاية علاقة كاملة يمكن أن تُقرأ بنداً بنداً، مثل فاتورة كهرباء. قالت داليا وفي حاجات عمر كان بيجيبها وهو جاي. تجمدت سارة. حاجات زي إيه؟ يعني... فاكهة، حلويات، طلبات خفيفة. مش معقول كل ده يروح كده. لم تفهم سارة الجملة أول مرة. أو رفض عقلها أن يفهمها. ظلت ساكتة، تنتظر أن تضحك داليا وتقول إنها تمزح. لم يحدث. في المطبخ، توقفت حركة أمها تماماً. قالت سارة إنتي بتتكلمي بجد؟ أنا بتكلم في حق أخويا. مش عيب الواحد يعرف حقه. حقه في طبق فاكهة؟ في كل جنيه اتصرف. ما دام مفيش نصيب، يبقى كل طرف يرجع للي كان عليه. سارة نظرت إلى علبة الشبكة. كانت تتوقع وجعاً من نوع كبير انهيار صورة، فقدان رجل، خيبة أمام الناس. لكنها لم تكن مستعدة لهذا النوع الرخيص من القسوة؛ قسوة تقف على باب البيت بعد انتهاء الحكاية، لا لتقول وداعاً، بل لتفتش في القمامة عن بقايا كرامة. طيب. خرجت الكلمة منها هامسة. طيب؟ كررت داليا. يعني فاهمة ولا محتاجة أشرح؟ لم تجب سارة. كان صوتها قد ذهب إلى مكان بعيد. تذكرت آخر مرة زار فيها عمر بيتهم. جاء ومعه كيس مانجو، ووضعه على رخامة المطبخ وهو يضحك لأمها دي مش هدية، دي رشوة عشان تدعيلي. ضحكت أمها يومها، وغسلت له طبقاً منها، وأصرت أن يأكل قبل أن يغادر. هل سيحسبون ثمن الدعاء أيضاً؟ في تلك الزيارة نفسها، كان عمر قد جلس بعد العشاء في الشرفة الضيقة. الشارع تحتهم مزدحم كعادته بائع ذرة يدفع عربته، طفل يبكي لأنه يريد كيس بطاطس، ورجلان يتجادلان على ركنة سيارة. قال عمر يومها وهو ينظر إلى الشارع لا إليها أنا تعبت من كتر الكلام في البيت. لم تسأله أي كلام. كانت تعرف. الكلام الذي يبدأ باسمها وينتهي عند حدود سلطته. قالت له فقط طيب وإنت رأيك إيه؟ ابتسم ابتسامة باهتة. رأيي إننا نعدي الفترة دي. كان هذا جوابه عن كل شيء نعدي. لم يكن يقول إلى أين. لم يكن يسألها إن كانت تستطيع أن تعدي

تم نسخ الرابط