جوزي ضربني حكايات ميرا
المقابلة للمبنى.
قالت نهى وهي تقدم لها زجاجة ماء
إنتِ متعبة؟
ابتسمت ندى ابتسامة خفيفة.
جسمي بيتعب... لكن لأول مرة من سنين، ضميري مرتاح.
سكتت لحظة، ثم أضافت
زمان كنت فاكرة إن السكوت هيحافظ على البيت.
طلع السكوت كان بيضيعني أنا.
ربتت نهى على يدها.
دلوقتي أهم حاجة إنك تكملي علاجك، وتسيبي كل حاجة تمشي في طريقها القانوني.
هزت ندى رأسها موافقة.
في المساء، عادت إلى شقتها.
وجدت ظرفًا صغيرًا أمام الباب.
لم يكن عليه اسم مرسل.
فتحت الظرف بحذر.
في داخله صورة قديمة.
كانت لها مع أحمد يوم افتتاح الشركة قبل سنوات.
وعلى ظهر الصورة، كُتبت جملة بخط اليد
فيه حد لسه مخبى الحقيقة... ولو اتكلم، كل حاجة هتتغير.
نظرت ندى إلى الجملة طويلًا.
لم تعرف من أرسلها.
ولا ماذا يقصد.
لكنها أدركت أن القضية لم تكشف كل أسرارها بعد ندى قلبت الصورة بين إيديها أكثر من مرة.
الخط لم يكن خط أحمد.
ولا خط رنا.
ولا أي شخص تعرفه.
نهى أخذت الظرف بحذر، ووضعت الصورة في ملف شفاف.
قالت
هنسلمها للنيابة. أي حاجة مرتبطة بالقضية لازم تدخل في التحقيق.
ندى هزت رأسها.
لم تعد تثق في الصدف.
بعد يومين...
رن هاتف نهى.
كان المتصل موظفًا من النيابة.
قال
في شخص طلب الإدلاء بأقواله، لكنه رافض يذكر اسمه إلا بعد ما يحصل على ضمانات قانونية.
سألته
شاهد؟
أيوه... وبيقول إنه كان شغال مع أحمد من أول يوم الشركة اتأسست.
في اليوم المحدد...
دخل الرجل غرفة التحقيق.
كان في الأربعينيات من عمره.
أدى اليمين.
ثم وضع فلاشة على الطاولة.
وقال
أنا كنت مدير تقنية المعلومات في الشركة.
المحقق سأله
وإيه اللي فيها؟
رد
نسخ احتياطية من البريد الإلكتروني الداخلي، اتعملت بشكل تلقائي قبل ما أسيب الشغل.
المحقق نظر إلى الخبير.
الخبير أخذ الفلاشة، وقال
هنفحصها بمعرفة القسم الفني، ولو ثبتت سلامتها، هتدخل ضمن الأدلة.
لم يعلق أحد قبل انتهاء الفحص.
بعد أسبوع...
عاد تقرير القسم الفني.
وأكد أن النسخ الاحتياطية لم يظهر عليها ما يدل على العبث بعد حفظها.
بدأت مراجعة الرسائل.
وبين مئات الرسائل الإدارية...
ظهرت مراسلات تتعلق بتحويلات مالية، وأخرى تخص إدارة الشركة.
بعضها احتاج إلى تفسير، وبعضها لم يكن له تأثير على القضية.
لكن رسالة واحدة لفتت انتباه المحقق.
كانت تتضمن تعليمات بإعداد عقد جديد لنقل جزء من الأسهم.
لم يكن العقد موقعًا.
ولم يثبت أنه نُفذ.
فسأل المحقق
هل خرج هذا المشروع إلى التنفيذ؟
أجاب الشاهد
على حد علمي... لا. اتوقف قبل التوقيع النهائي.
سُجلت الإجابة كما هي.
بعد انتهاء الجلسة، خرجت ندى من مبنى المحكمة.
وقفت للحظة تحت أشعة الشمس.
قالت نهى
شايفة؟
ندى التفتت إليها.
إيه؟
الحقيقة بتمشي ببطء... لكنها بتمشي.
ابتسمت ندى لأول مرة منذ شهور ابتسامة هادئة.
لم تكن تنتظر انتقامًا...
كانت تنتظر فقط أن تُسمع الحقيقة كاملة، وأن تُحسم الأمور بما يثبته القانون، لا بما يقوله الناس مرّت أسابيع أخرى.
بدأت آثار الكدمات تختفي من وجه ندى، لكن أثر السنوات لم يكن يزول بنفس السرعة.
كانت تحضر جلسات العلاج الطبيعي صباحًا، ثم تجلس مع نهى عصرًا لمراجعة أي مستند جديد يرد في القضية.
وفي إحدى الليالي...
رن هاتفها من رقم غير مسجل.
ترددت قليلًا، ثم أجابت.
جاءها صوت رجل مسن.
أستاذة ندى؟
أيوه.
أنا عم حسين... البواب القديم للشركة.
اتسعت عيناها.
عم حسين كان يعمل هناك منذ تأسيس الشركة، ثم ترك العمل قبل عامين.
قال الرجل بصوت متردد
أنا شوفت خبر القضية... وفي حاجة ضميري مخلّنيش ساكت.
ندى اعتدلت في جلستها.
اتفضل.
في ليلة قبل اللي حصل لك بيومين... الأستاذ أحمد كان في الشركة لحد وقت متأخر. خرج ومعاه شنطة مليانة ملفات، وقال لي لو حد سأل، أقوله إنها أوراق قديمة هتترمي.
سكت لحظة، ثم أكمل
بعدها بأسبوع رجع من غير الشنطة.
ندى نظرت إلى نهى.
نهى قالت بهدوء
هل تقدر تشهد بالكلام ده رسمي؟
رد الرجل
أيوه... لكن هقول اللي شوفته بس. أنا معرفش كان في الشنطة إيه.
ابتسمت نهى.
وده المطلوب. الشاهد يقول اللي شافه... مش اللي بيتوقعه.
في صباح اليوم التالي، سجل عم حسين أقواله رسميًا.
لم يدّعِ أنه يعرف محتوى الملفات.
ولم يبالغ في روايته.
اقتصر كلامه على ما رآه بنفسه.
وذلك جعل شهادته أكثر قوة.
بعد انتهاء الإجراءات، خرجت ندى من مبنى النيابة.
كانت السماء تمطر مطرًا خفيفًا.
وقفت تحت المظلة، تتأمل قطرات المطر.
قالت نهى
لو فاكرة إن أصعب يوم كان يوم العناية... فأعتقد لا.
ندى التفتت إليها.
ليه؟
لأن أصعب يوم هو اليوم اللي الإنسان يقرر فيه يواجه الحقيقة، مهما كانت نتيجتها.
ابتسمت ندى بهدوء.
ثم قالت
ويمكن... ده أول قرار صح أخدته من سنين.
وفي تلك اللحظة، وصل إشعار جديد إلى هاتف نهى.
قرأته بسرعة.
ثم نظرت إلى ندى قائلة
الخبير المالي أنهى التقرير النهائي... والمحكمة حددت الجلسة القادمة لإعلان نتائجه.
تنفست ندى ببطء.
كانت تعرف أن تلك الجلسة قد تكون بداية نهاية القضية...
النهاية
في صباح الجلسة الأخيرة...
امتلأت قاعة المحكمة بالمحامين، والشهود، والصحفيين.
جلست ندى في مكانها بهدوء.
لم تعد ترتجف.
لم تعد تنظر إلى الأرض.
كانت تنظر إلى الأمام فقط.
دخل القاضي، وبدأت الجلسة.
استعرض تقرير الخبير المالي، والتقارير الطبية، وأقوال الشهود، وما ثبت من مستندات بعد فحصها.
ثم قال
المحكمة تبني حكمها على ما ثبت لديها من أدلة قانونية، وليس على الانطباعات أو الشائعات.
ساد الصمت.
كانت ثواني ثقيلة على الجميع.
أحمد أغلق عينيه.
أما ندى...
فكانت تمسك خاتم زواجها القديم داخل حقيبتها، آخر شيء احتفظت به من تلك الحياة.
وبعد النطق بالحكم...
خرج الجميع من القاعة.
لم تجرِ ندى خلف أحد.
ولم تلتفت إلى أحمد، الذي كان محاطًا بمحاميه.
شعرت فقط أن الحمل الذي حملته على كتفيها لسنوات بدأ يخف.
بعد عدة أشهر...
باعت ندى حصتها في الشركة وفق الإجراءات القانونية، وبدأت عملًا جديدًا كمستشارة مالية مع شركة أخرى.
استأجرت شقة صغيرة تطل على النيل.
لم تكن فاخرة.
لكنها كانت هادئة.
ولأول مرة...
كانت تملك مفتاح بيت لا تخاف أن تفتحه.
أما أهلها...
فاحتاجت العلاقة وقتًا طويلًا حتى تهدأ.
لم تعد كما كانت.
كان هناك احترام وحدود واضحة.
سامحتهم حتى تتحرر من الغضب...
لكنها لم تعد تسمح لأحد أن يقرر عنها أو يتجاهل ألمها.
وفي أحد الأيام...
رن هاتفها.
كان رقمًا غير مسجل.
ردت.
جاءها صوت فتاة شابة تبكي.
قالت
حضرتك ندى؟
أيوه.
أنا جبت رقمك من الأستاذة نهى... أنا بتعرض لعنف من جوزي، وكل الناس بتقولي استحملي... ومش عارفة أعمل إيه.
أغمضت ندى عينيها.
تذكرت سرير العناية.
وتذكرت المكالمة التي لم تجد فيها أحدًا ينقذها.
ثم قالت بصوت هادئ
أول حاجة... إنتِ مش لوحدك. وهنتصرف خطوة بخطوة.
ابتسمت وهي تغلق الهاتف بعد أن أعطتها موعدًا للقاء بالمحامية.
في تلك اللحظة...
أدركت أن أقسى ما عاشته...
قد يصبح سببًا في إنقاذ شخص آخر.
وقفت أمام نافذة شقتها.
كانت الشمس تغيب ببطء.
همست لنفسها
زمان كنت فاكرة إن القوة معناها أستحمل...
لكن الحقيقة...
إن القوة هي أعرف إمتى أمشي...
وإمتى أقول كفاية.
تمت.
أو بداية فصل جديد بالكامل.