الخادمة كانت ماشية حكايات ميراا

لمحة نيوز


ماتت في حادث وهي مسافرة.
اتسعت عينا إيلين.
أمي عمرها ما قالت إنها ماتت في حادث... كانت دايمًا تقول إنها هربت علشان تنقذ بنتها.
توقف جلال فجأة.
بنتها؟
أيوه... كانت تقول إنها فضّلت تبعد عن كل الناس علشان محدش يوصل ليا.
نظر إليها طويلًا، وكأن أجزاء صورة قديمة بدأت تكتمل أمامه.
ثم سألها بصوت خافت
آخر مرة شفتي والدتك إمتى؟
أخفضت إيلين رأسها.
وأنا عندي سبع سنين.
وبعدها؟
سابتني عند دار الأيتام... وقالت إنها راجعة بعد يومين.
ابتسمت لي وهي بتبكي... ومارجعتش أبدًا.
أغلق جلال عينيه بقوة.
ثم همس
يعني... كانت لسه عايشة بعد السنين دي كلها.
وفي تلك اللحظة...
دق الباب بعنف.
دخل مدير الأمن وهو يلهث.
أستاذ جلال... لازم حضرتك تشوف تسجيلات الكاميرات حالًا.
نظر إليه جلال باستغراب.
ليه؟
رد الرجل وهو يناوله جهازًا لوحيًا.
الكاميرات سجّلت اللي كان بيسرق مقتنيات القصر فعلًا...
وللأسف...
الشخص ده من أفراد العيلة نفسها.
يتبع...تجمّد جلال في مكانه.
أخذ الجهاز اللوحي من يد مدير الأمن، بينما وقفت إيلين دون أن تنطق بكلمة.
ضغط مدير الأمن على التسجيل.
ظهر الممر المؤدي إلى مكتب سامية.
الوقت كان الثانية بعد منتصف الليل.
بعد ثوانٍ، ظهرت شخصية ترتدي معطفًا داكنًا وقبعة تخفي ملامحها.
اقترب الشخص من الخزانة، أخرج السوار الأثري، ثم اختفى خارج الكاميرا.
قال جلال بحدة
كبّر الصورة.
بدأ مدير الأمن يقرّب اللقطة ببطء.
ظهر في يد الشخص خاتم فضي مميز.
شهقت إيلين.
كانت تعرف ذلك الخاتم.
يرتديه شخص واحد فقط في القصر.
لكنها لم تتكلم.
توقف التسجيل عند لحظة رفع الشخص لوجهه.
ساد الصمت.
ثم قال مدير الأمن
للأسف... الكاميرا في اللحظة دي حصل فيها تشويش.
قبض جلال على الجهاز بقوة.
في كاميرات تانية؟
أيوه... كاميرا الجراج.
انتقلوا إلى التسجيل الثاني.
ظهر الشخص نفسه وهو يخرج من باب الخدمة، يحمل صندوقًا صغيرًا.
لكن قبل أن يركب السيارة، التفت نحو الكاميرا.
هذه المرة...
ظهر وجهه بوضوح.
اتسعت عينا جلال.
همس في صدمة
مستحيل...
كان مروان... ابن شقيقه، الذي اعتبره واحدًا من أبنائه، والمسؤول عن متابعة أعمال التجديد داخل القصر.
جلس جلال على الكرسي وكأن الأرض انسحبت من تحته.
قال بصوت مكسور
يبقى إيلين كانت بريئة من أول يوم...
خفضت إيلين رأسها، ولم تقل شيئًا.
لم تكن تنتظر اعتذارًا.
كل ما كانت تريده هو أن تغادر بكرامتها.
لكن قبل أن تتحرك نحو الباب، دخلت سامية إلى المكتب.
نظرت إلى الشاشة...
ثم إلى جلال...
ثم إلى إيلين.
واختفى اللون من وجهها.
قالت بصوت مرتجف
التسجيل ده... إنت جبته منين؟
نظر إليها جلال نظرة لم تنظر إليها بها عيناه طوال سنوات زواجهما.
وقال بهدوء مخيف
السؤال الحقيقي يا سامية...
إنتِ كنتِ تعرفي الحقيقة من إمتى؟
ساد الصمت...
ولأول مرة منذ تسع سنوات، شعرت إيلين أن الحقيقة بدأت تظهر، لكن ما لم تكن تعرفه بعد...
أن إجابة سامية لن تكشف فقط من ظلمها، بل ستكشف أيضًا السر الحقيقي وراء اختفاء والدتها قبل سنوات طويلة.
يتبع...تنفست سامية ببطء، ثم أغلقت باب المكتب خلفها.
لم تنكر.
ولم تغضب.
اكتفت بالنظر إلى جلال وقالت
أيوه... كنت أعرف.
انعقد حاجبا جلال.
تعرفي إن إيلين بريئة؟
هزت رأسها.
من أول يوم.
شعرت إيلين وكأن الأرض تميد تحت قدميها.
همست
يعني... حضرتك سيبتيني أعيش كل الإهانة دي وإنتِ عارفة؟
أغمضت سامية عينيها لثوانٍ.
أنا ماكنتش بخاف منك... كنت بخاف من اللي ممكن يحصل لو جلال عرف الحقيقة.
ضرب جلال المكتب بقبضته.
حقيقة إيه؟
التفتت سامية نحوه.
الحقيقة اللي كنت مخبيها عني طول جوازنا.
ساد الصمت.
قال جلال بحدة
أنا مخبيتش حاجة.
ابتسمت سامية ابتسامة حزينة.
لما اتجوزتك، عرفت بعد الجواز بفترة إن كان في بنت اسمها ليلى في حياتك... وإنها اختفت فجأة.
ثم أشارت إلى الصورة الموضوعة على المكتب.
ولما شفت العلامة اللي في إيد إيلين، عرفت إنها مش مجرد خادمة دخلت البيت بالصدفة.
نظر إليها جلال في ذهول.
وإزاي عرفتي؟
فتحت سامية حقيبتها ببطء.
وأخرجت ظرفًا قديمًا آخر.
كان أقدم من الظرف الذي يحتفظ به جلال.
وضعته أمامه.
لأن ليلى بعتت لي الرسالة دي قبل ما تختفي.
فتح جلال الظرف بسرعة.
كانت الرسالة قصيرة، لكن كلماتها كانت كافية لتجعله يتجمد.
لو بنتي ظهرت في حياتك يومًا... احمِها. في ناس هيفضلوا يدوروا عليها علشان حاجة ما ينفعش تقع في إيديهم.
رفع جلال رأسه ببطء.
بنتها؟
قالت سامية
ليلى ماكتبتش اسم الأب... ولا قالت مين اللي بيطاردها.
لكنها طلبت مني وعد.
لو البنت ظهرت... أحافظ عليها بأي طريقة.
شهقت إيلين.
وإهانتي كانت حماية؟
نزلت دمعة من عين سامية لأول مرة.
كنت عايزة تبعدي بنفسك عن القصر... لأن من فترة بدأت أحس إن حد بيراقب البيت ويسأل عنك.
وقبل أن يرد أحد...
رن هاتف مدير الأمن.
استمع لثوانٍ، ثم شحب وجهه.
قال بصوت متوتر
أستاذ جلال...
في إيه؟
مروان... اختفى.
إزاي؟
هرب قبل ما الشرطة توصل... لكن قبل ما يمشي، دخل المخزن القديم تحت القصر، وكسر الباب الحديد.
قطب جلال حاجبيه.
باب إيه؟
رد مدير الأمن
الباب اللي ماحدش فتحه من أكتر من عشرين سنة.
وفي اللحظة نفسها...
سمع الجميع صوت انفجار خافت اهتزت له جدران القصر.
وتبعته صفارات الإنذار في كل أنحاء المنزل.
نظر جلال إلى إيلين وقال
أياً كان السر اللي كانت أمك بتهرب بسببه...
واضح إنه رجع يدور عليك من جديد.
يتبع...اهتزت ثريات القصر مع دوي الانفجار.
وانطفأت الأنوار لثوانٍ، قبل أن تعمل المولدات الاحتياطية.
أسرع رجال الأمن نحو الممر المؤدي إلى المخزن القديم، بينما أمسك جلال بمصباح يدوي كان داخل مكتبه.
قال بحزم
محدش ينزل لوحده.
لكن إيلين كانت قد سبقتهم بخطوتين.
لا تعرف لماذا...
شعرت أن شيئًا ما في الأسفل يناديها.
نزلوا درجات السلم الحجري الضيق.
كان المكان مغطى بطبقة سميكة من الغبار، كأن أحدًا لم يدخله منذ سنوات.
وفي نهاية الممر...
وجدوا الباب الحديدي مخلوعًا.
دخل جلال أولًا.
سلط ضوء المصباح داخل الغرفة.
لم تكن مخزنًا كما ظن الجميع.
كانت غرفة قديمة، فيها مكتب خشبي، وخزائن حديدية، وصور معلقة على الجدران.
اقتربت إيلين من إحدى الصور.
مسحت عنها الغبار بكفها.
وتجمدت.
الصورة كانت لجلال وهو في شبابه...
وبجواره فتاة تبتسم.
ليلى.
لكن ما لفت انتباهها لم يكن الصورة.
كان الطفل الصغير الذي تقف ليلى حاملةً إياه بين ذراعيها.
همست إيلين
ده... أنا؟
اقترب جلال بسرعة.
نظر إلى الصورة طويلًا.
ثم قال بصوت مبحوح
لا...
الطفل ده ولد.
وقبل أن يستوعب أحد ما قاله...
سمعوا أنينًا خافتًا.
التفت الجميع نحو آخر الغرفة.
كان مروان ملقى على الأرض، مصابًا في كتفه بعد أن سقطت عليه قطعة من السقف بسبب الانفجار.
أمسك به رجال الأمن.
صرخ مروان
سيبوني... أنتم مش فاهمين حاجة!
اقترب منه جلال.
فاهمين إيه؟
ضحك مروان رغم ألمه.
كنتوا فاكرين إن السر هو إيلين؟
ثم أشار إلى الصورة.
السر الحقيقي... هو الطفل اللي في الصورة.
نظر الجميع إلى الصورة مرة أخرى.
قال مروان بصوت متقطع
الطفل ده... ما ماتش.
اختفى.
ولحد النهارده... في ناس مستعدة تدفع ملايين علشان تلاقيه.
ساد الصمت.
ثم أخرج مروان من جيبه مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، ووضعه على الأرض.
لو عايزين تعرفوا الحقيقة كلها...
افتحوا الخزنة اللي تحت المكتب.
بس لما تفتحوها...
حياتكم عمرها ما هترجع زي الأول.
يتبع...نظر جلال إلى المفتاح، ثم انحنى والتقطه ببطء.
تقدم نحو المكتب الخشبي القديم.
كان يبدو عاديًا، لكن عندما حرّكه قليلًا، ظهر باب حديدي صغير مخفي في الأرض.
تبادل الجميع النظرات.
أدخل جلال المفتاح.
استدار بصعوبة...
ثم سُمع صوت طَق.
ارتفع الباب المعدني ببطء، كاشفًا عن صندوق حديدي كبير.
فتح جلال الصندوق.
لم يكن مليئًا بالمال أو المجوهرات كما توقعوا.
بل كان يحتوي على ملفات، وأشرطة كاسيت قديمة، وألبوم صور، وصندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتح الصندوق
 

تم نسخ الرابط