قبل ساعات من صدور القرار حكايات ميراا
عاد إلى عينيه.
أخذ ياسين نفسًا عميقًا.
ثم أغلق الملف وقال
لا... المرة دي مش هسيب الماضي يتحكم في حياتي.
رفع القاضي المتقاعد رأسه وقال
معاك حق... لكن في حاجة لازم تعرفها.
فتح حقيبته مرة أخرى، وأخرج دفترًا صغيرًا.
ده كان معايا من يوم المحاكمة. كنت بكتب فيه ملاحظاتي الخاصة، ومحدش شافه غيري.
بدأ يقلب الصفحات حتى توقف عند صفحة محددة.
قال
في آخر جلسة... كان فيه شخص قاعد في آخر القاعة. كل ما شاهد يحاول يقول حاجة مختلفة، كنت ألاحظ إنه يبص له، فيسكت.
سأله ياسين
تعرف مين هو؟
هز القاضي رأسه.
وقتها لأ... لكن بعد سنين، شفت صورته في خبر قديم.
أخرج قصاصة جريدة.
نظر إليها ياسين.
تجمد مكانه.
كان الرجل يعمل في شركة أمن خاصة، وتوفي قبل سنوات في حادث سير.
قال القاضي
موته قفل خيط مهم... لكن مش آخر الخيوط.
في المساء، جلس ياسين مع محاميته ريم.
قرأَت الملف كاملًا، ثم قالت
عندنا طريق قانوني نطالب بيه بتعويض عن سنوات السجن.
ابتسم ياسين ابتسامة هادئة.
الفلوس مش أهم حاجة.
سألته
أمال إيه؟
نظر إلى صورة ملك المعلقة على الحائط.
عايز أعرف مين السبب الحقيقي... وليه عمل كده.
بعد أيام، تلقى ياسين اتصالًا من رئيس لجنة التحقيق.
قال له
أثناء مراجعة أرشيف القضية، لقينا صندوق مقفول باسمك.
صندوق؟
أيوه... والغريب إن محدش كان عارف بوجوده.
فتحوا الصندوق.
لم يكن بداخله سوى ساعة يد قديمة، ورسالة قصيرة.
قرأ رئيس اللجنة الرسالة بصوت مرتفع
إذا وصلت هذه الرسالة إلى ياسين، فاعلم أن الشخص الذي دبّر القضية لم يعد على قيد الحياة... لكن الأدلة التي تركها ما زالت موجودة، وستقودك إلى الحقيقة.
ثم نظر إلى ياسين وقال
واضح إن القصة لسه مخلصتش.
ابتسم ياسين للمرة الأولى منذ خروجه.
وقال
يمكن... لكن المرة دي أنا اللي هبدأ البحث، مش هقعد مستني الحقيقة تيجي لحد عندي.
وانتهى ذلك اليوم، بينما بدأ فصل جديد من حياته، لم يعد فيه متهمًا يدافع عن نفسه... بل رجلًا يبحث عن الحقيقة بنفسه الجزء الرابع
منذ ذلك اليوم، تغير شيء كبير في ياسين.
لم يعد الرجل الذي خرج من السجن يبحث فقط عن بداية جديدة، بل أصبح يريد أن يعرف لماذا سُرقت منه خمس سنوات من عمره.
كان لديه سؤال واحد يتكرر في رأسه
من كان يخاف من ظهور الحقيقة؟
في صباح اليوم التالي، ذهب ياسين مع المحامية ريم إلى أرشيف المحكمة.
كان المكان مليئًا بالملفات القديمة والغبار.
قالت ريم
لو فعلاً فيه حد أخفى مستندات، لازم يكون فيه أثر.
بدأوا بمراجعة سجل القضايا.
وبعد ساعات من البحث، لاحظت ريم شيئًا غريبًا.
قالت
استنى...
اقترب ياسين منها.
أشارت إلى سجل قديم.
كل شخص لمس ملف قضيتك مسجل هنا... لكن فيه اسم ناقص.
سألها
مين؟
أجابت
موظف الأرشيف اللي كان مسؤول عن الملف وقتها.
بحثوا عن اسمه.
كان
حسام رجب.
لكن المفاجأة...
أن سجلاته اختفت بعد انتهاء القضية مباشرة.
بدأ ياسين البحث عنه.
لم يكن الأمر سهلًا.
فبعد سنوات طويلة، تغيرت العناوين، وتبدلت الأرقام.
لكن ملك، التي كانت تهتم بالبحث على الإنترنت، وجدت شيئًا.
دخلت على والدها وهي تحمل جهازها اللوحي.
قالت
بابا... لقيت حاجة.
ابتسم.
إيه؟
أرته صفحة قديمة.
كانت صورة لرجل كبير في السن يعمل في مكتبة صغيرة بمدينة بعيدة.
قالت
الاسم مختلف... لكن الصورة شبهه.
نظر ياسين إلى الصورة طويلًا.
ثم قال
هو.
في اليوم التالي، سافر ياسين مع ريم إلى المدينة.
وجدوا الرجل يجلس داخل مكتبة صغيرة بين الكتب القديمة.
عندما رأى ياسين...
تغير وجهه.
لم يقل شيئًا.
فقط جلس ببطء.
قال ياسين
أنا مش جاي أؤذيك يا حسام.
خفض الرجل رأسه.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
جلس ياسين أمامه.
ليه اختفى التقرير؟
ارتعشت يدا حسام.
لأنني كنت جبانًا.
ساد الصمت.
ثم أكمل
في يوم المحاكمة، جاءني شخص وطلب مني أغير مكان بعض الأوراق من الملف.
سأله ياسين
مين؟
تردد الرجل.
ثم قال
لم يكن شخصًا عاديًا.
اقترب ياسين.
مين؟
رفع حسام عينيه.
وقال
كان شخصًا قريبًا منك جدًا...
تجمد ياسين.
قريب مني؟
أومأ حسام.
شخص كنت تثق فيه أكثر من أي شخص آخر.
عاد ياسين إلى منزله وهو يفكر.
منذ خروجه، ظن أن الخطر جاء من أعداء مجهولين.
لكن الحقيقة بدأت تأخذ شكلًا مختلفًا.
في تلك الليلة، بينما كانت ملك نائمة، جلس ياسين وحده أمام النافذة.
رن هاتفه.
رقم مجهول.
تردد لحظة ثم أجاب.
جاءه صوت منخفض
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة... ابعد عن البحث.
سأل ياسين
مين أنت؟
لم يرد الصوت.
فقط قال
أنت خرجت من السجن... لكن في ناس تانية لسه مستعدة تدخلك فيه.
ثم انقطع الاتصال.
نظر ياسين إلى الهاتف.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعر أن القضية لم تكن مجرد مؤامرة قديمة.
بل أن هناك شخصًا ما...
ما زال يحاول دفن الحقيقة حتى الآن الجزء الخامس
ظل ياسين ممسكًا بالهاتف لعدة دقائق بعد انتهاء المكالمة.
لم يكن خائفًا.
فقد عاش خمس سنوات في مكان كان كل يوم فيه اختبارًا للصبر والقوة.
لكن الشيء الذي أقلقه هو شيء آخر...
أن الشخص الذي اتصل به كان يعرف كل تحركاته.
يعرف أنه يبحث.
ويعرف أن ملك معه.
في صباح اليوم التالي، ذهبت ريم إلى مكتبها، بينما بقي ياسين في المنزل مع ملك.
لاحظت الطفلة أن والدها شارد.
جلست بجواره وقالت
بابا... أنت زعلان؟
ابتسم وحاول إخفاء قلقه.
لأ يا ملك.
هزت رأسها.
أنت لما بتقول لأ وانت زعلان... بتبص للأرض.
ضحك لأول مرة.
بقيتي تعرفيني أكتر مني.
قالت بهدوء
عشان أنا بنتك..
وفي تلك اللحظة، أدرك أن كل ما يفعله الآن ليس من أجله فقط...
بل من أجل أن تكبر ملك وهي تعرف أن والدها لم يكن الشخص الذي حاول الجميع تصويره.
بعد ساعات، وصلت ريم ومعها ملف جديد.
قالت
لقيت حاجة مهمة.
فتح ياسين الملف.
كان تقريرًا عن حركة مالية حدثت قبل القبض عليه بأيام.
قالت ريم
الشخص اللي اتهمك كان مستفيدًا من خروجك من الصورة.
سألها
مين؟
وضعت ورقة أمامه.
كان اسمًا قديمًا.
ماهر عبدالسلام.
تغير وجه ياسين.
ماهر؟
قالت ريم
تعرفه؟
أجاب بصوت منخفض
كان شريكي.
عاد ياسين بذاكرته إلى تلك الأيام.
ماهر كان الرجل الذي وثق به.
الشخص الذي كان يعرف كل أسراره.
والذي وقف بجانبه عندما بدأت المشاكل.
لكن بعد القبض على ياسين...
اختفى.
قالت ريم
المشكلة إن ماهر مات من ثلاث سنوات.
سكت ياسين.
ثم قال
مات؟
أومأت.
أيوه... لكن قبل وفاته بأسبوع، أرسل رسالة لمحاميه.
أخرجت نسخة منها.
فتحها ياسين.
كانت جملة واحدة
لو ياسين خرج يومًا... قولوا له إنني لم أخنه بإرادتي.
رفع ياسين عينيه.
يعني إيه؟
لم تجب ريم.
لأنها لم تكن تعرف.
في نفس الليلة...
وصل ظرف إلى منزل ياسين.
لا اسم.
لا عنوان.
فقط مكتوب عليه
إلى ياسين عبدالعزيز.
فتحه بحذر.
وجد بداخله صورة قديمة.
كانت له هو وماهر منذ سنوات.
لكن خلف الصورة كانت هناك كلمات
أنت تبحث عن الخائن الخطأ.
وتحتها عنوان واحد.
عنوان مبنى مهجور في وسط المدينة.
نظر ياسين إلى الصورة.
ثم قال
واضح إن الماضي لسه مخبي آخر أسراره.
وفي الصباح...
كان متجهًا إلى المكان الذي قد يكشف أخيرًا من كان يحرك كل شيء من خلف الستار الجزء السادس
وصل ياسين إلى العنوان المكتوب خلف الصورة قبل شروق الشمس بقليل.
كان المكان عبارة عن مبنى قديم مهجور، كانت جدرانه تحمل آثار سنوات طويلة من الإهمال.
وقفت ريم بجواره وهي تنظر حولها بحذر.
قالت
أنت متأكد إننا لازم ندخل؟
نظر ياسين إلى الباب الحديدي الصدئ.
خمس سنين وأنا بدخل أماكن وأنا مش عارف هخرج منها ولا لأ... المرة دي لازم أعرف الحقيقة.
فتح الباب ببطء.
صدر صوت صرير طويل، وكأن المكان نفسه كان يحاول منعهم من الدخول.
في الداخل، وجدوا غرفة صغيرة