قبل ساعات من صدور القرار حكايات ميراا
ناقص، لكن في حاجة أهم.
رفع صورة قديمة ووضعها على الطاولة.
كانت الصورة لرجلين يقفان أمام أحد المخازن.
أشار إلى أحدهما وقال
ده ياسين.
ثم أشار إلى الرجل الآخر.
وده الشخص اللي كنا بندور عليه.
نظر ياسين إلى الصورة، واتسعت عيناه.
ده... فؤاد.
سأله المحقق
تعرفه؟
أجاب
كان شغال معانا في الشركة، واختفى بعد الحادث بأيام.
بدأت الشرطة البحث عن فؤاد.
وبعد أيام، عثروا عليه في محافظة أخرى، حيث كان يعيش باسم مختلف.
عندما دخل غرفة التحقيق، جلس في صمت طويل.
ثم قال
تعبت من الهروب.
سأله رئيس اللجنة
عندك استعداد تقول الحقيقة؟
أومأ برأسه.
أيوه... بعد السنين دي كلها.
تنفس بعمق، ثم قال
ياسين ماكانش موجود وقت وقوع الجريمة.
ساد الصمت.
أكمل
أنا شفته قبلها بساعة في مكان تاني، ولما عرفت إنه اتقبض عليه، خوفت أتكلم.
سأله المحقق
ليه خوفت؟
قال
وصلتلي تهديدات... وقالولي لو شهدت، هيأذوا أسرتي.
أعادت لجنة التحقيق مراجعة أقواله مع الأدلة الجديدة.
وتبين أن توقيت وجود ياسين في المكان الآخر يتوافق مع تسجيلات كاميرات لم تكن قد فُحصت في التحقيق الأول.
قال الخبير الفني
التسجيلات دي بتدعم أقوال الشاهد.
بعد عدة جلسات، أصدرت المحكمة قرارًا بإلغاء الحكم السابق، وإعادة محاكمة القضية بعد ظهور أدلة وشهادات جديدة.
خرج ياسين من قاعة المحكمة، وكانت ملك أول من ركض نحوه.
وقال
الهمسة اللي قلتيهالي يوم الزيارة... كانت بداية رجوع الأمل.
ابتسمت ملك وقالت
أنا كنت واثقة إن الحقيقة هتظهر.
رفع ياسين رأسه إلى السماء، وشكر الله.
فقد احتاج الأمر سنوات طويلة، لكن الحقيقة بدأت تجد طريقها أخيرًا، وأثبتت أن العدالة قد تتأخر... لكنها لا تتوقف عن البحث بعد ثلاثة أشهر من جلسات المرافعات وسماع الشهود، امتلأت قاعة المحكمة مرة أخرى.
لم تكن الجلسة كغيرها.
هذه المرة، كانت كل الأنظار تتجه إلى المنصة انتظارًا للحكم.
وقف القاضي، وبدأ يتلو القرار.
ساد الصمت.
حتى الصحفيون توقفوا عن الكتابة.
قال القاضي
بعد الاطلاع على الأدلة الجديدة، وسماع الشهود، ومراجعة التقارير الفنية، ثبت للمحكمة أن الحكم السابق بُني على أدلة غير مكتملة، وأن هناك وقائع جوهرية لم تُعرض أثناء المحاكمة الأولى.
ثم أكمل
تقضي المحكمة بإلغاء الحكم السابق، والقضاء ببراءة المتهم ياسين عبدالعزيز مما نُسب إليه.
لم يتمالك ياسين نفسه.
أغمض عينيه، وانهمرت دموعه للمرة الأولى منذ سنوات.
أما ملك، فركضت نحوه فور انتهاء الجلسة، وألقت بنفسها بين ذراعيه.
قالت وهي تبتسم
قلتلك إن ربنا هيظهر الحقيقة.
ابتسم ياسين وهو يمسح دموعه.
وأول واحدة صدقت ده... كنتِ إنتِ.
بعد خروجه من المحكمة، وقف عشرات الصحفيين أمامه.
سأله أحدهم
إيه أول حاجة هتعملها بعد كل السنين دي؟
ابتسم ياسين، ونظر إلى ابنته.
ثم قال
هرجع أعيش أب... قبل أي حاجة تانية.
وبعد عام...
افتتحت ملك معرضًا صغيرًا لرسومات الأطفال، كان حلمها منذ سنوات.
دخل ياسين المعرض ممسكًا بيدها.
وتوقف أمام أول لوحة.
كانت لطفلة تقف أمام باب كبير مغلق، بينما يخرج من أسفله خيط رفيع من النور.
وفي أسفل اللوحة كتبت ملك
الحقيقة ممكن تتأخر... لكنها تعرف طريقها دائمًا.
قرأ ياسين العبارة أكثر من مرة.
وقال بابتسامة هادئة
الكلمتين اللي همستِ بيهم في ودني يوم الزيارة... غيروا حياتي كلها.
ابتسمت ملك وقالت
لأ يا بابا...
اللي غيّر حياتنا هو إنك عمرك ما فقدت الأمل.
تمت الجزء الثاني من تأليف جديد
بعد أسبوع من خروجه، كان ياسين يحاول التأقلم مع الحياة خارج السجن.
كل شيء تغيّر.
الشوارع.
الناس.
حتى ابنته ملك، التي دخلها طفلة، أصبحت فتاة أكثر نضجًا من عمرها.
وفي صباح هادئ، بينما كان يشرب الشاي في شرفة المنزل الصغير الذي استأجره، توقفت سيارة سوداء أمام الباب.
نزل منها رجل في الستين من عمره، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
طرق الباب بهدوء.
فتح ياسين.
تبادل الرجل معه النظرات لثوانٍ، ثم قال
أنا مدين لك باعتذار متأخر جدًا.
قطب ياسين حاجبيه.
حضرتك مين؟
مد الرجل بطاقة تعريفه.
كان قاضيًا متقاعدًا.
قال بصوت خافت
أنا القاضي اللي أصدر الحكم الأول في قضيتك.
ساد الصمت.
قال ياسين
اتفضل.
دخل الرجل وجلس، ثم وضع الحقيبة على الطاولة.
فتحها ببطء.
وأخرج ملفًا أصفر باهت اللون.
قال
بعد ما طلعت براءتك، مقدرتش أنام. رجعت أراجع كل أوراق القضية من أول وجديد.
فتح الملف.
ثم أخرج ورقة واحدة.
الورقة دي ما كانتش موجودة في ملف المحكمة.
أخذها ياسين.
كانت تقريرًا رسميًا يحمل تاريخًا سابقًا للحكم بأيام.
وفيه عبارة واحدة لفتت انتباهه
توجد بصمات مجهولة على أداة الجريمة، ولم تُطابق مع بصمات المتهم.
رفع ياسين رأسه في دهشة.
يعني التقرير ده كان موجود قبل الحكم؟
هز القاضي رأسه بأسف.
أيوه... لكنه اختفى من الملف قبل الجلسة الأخيرة.
شعر ياسين بقشعريرة تسري في جسده.
قال بصوت منخفض
يعني براءتي كانت ممكن تظهر من سنين...
أطرق القاضي رأسه.
للأسف... نعم.
وفي تلك اللحظة، دخلت ملك تحمل كوبين من الشاي.
لاحظت التوتر في وجهيهما.
فسألت
في حاجة حصلت؟
نظر إليها ياسين، ثم إلى التقرير.
وقال
واضح يا ملك... إن اللي حصل زمان ماكانش مجرد خطأ.
كان في حد... مصرّ إن الحقيقة ما تظهرش أبدًا.
يتبع...الجزء الثالث تكملة خيالية
وضعت ملك كوبَي الشاي على الطاولة، ثم نظرت إلى والدها.
لم تكن تفهم كل ما يدور، لكنها رأت شيئًا لم تره منذ خروجه من السجن...
الغضب عاد إلى عينيه.
أخذ ياسين نفسًا عميقًا.
ثم أغلق الملف وقال
لا... المرة دي مش هسيب الماضي يتحكم في حياتي.
رفع القاضي المتقاعد رأسه وقال
معاك حق... لكن في حاجة لازم تعرفها.
فتح حقيبته مرة أخرى، وأخرج دفترًا صغيرًا.
ده كان معايا من يوم المحاكمة. كنت بكتب فيه ملاحظاتي الخاصة، ومحدش شافه غيري.
بدأ يقلب الصفحات حتى توقف عند صفحة محددة.
قال
في آخر جلسة... كان فيه شخص قاعد في آخر القاعة. كل ما شاهد يحاول يقول حاجة مختلفة، كنت ألاحظ إنه يبص له، فيسكت.
سأله ياسين
تعرف مين هو؟
هز القاضي رأسه.
وقتها لأ... لكن بعد سنين، شفت صورته في خبر قديم.
أخرج قصاصة جريدة.
نظر إليها ياسين.
تجمد مكانه.
كان الرجل يعمل في شركة أمن خاصة، وتوفي قبل سنوات في حادث سير.
قال القاضي
موته قفل خيط مهم... لكن مش آخر الخيوط.
في المساء، جلس ياسين مع محاميته ريم.
قرأَت الملف كاملًا، ثم قالت
عندنا طريق قانوني نطالب بيه بتعويض عن سنوات السجن.
ابتسم ياسين ابتسامة هادئة.
الفلوس مش أهم حاجة.
سألته
أمال إيه؟
نظر إلى صورة ملك المعلقة على الحائط.
عايز أعرف مين السبب الحقيقي... وليه عمل كده.
بعد أيام، تلقى ياسين اتصالًا من رئيس لجنة التحقيق.
قال له
أثناء مراجعة أرشيف القضية، لقينا صندوق مقفول باسمك.
صندوق؟
أيوه... والغريب إن محدش كان عارف بوجوده.
فتحوا الصندوق.
لم يكن بداخله سوى ساعة يد قديمة، ورسالة قصيرة.
قرأ رئيس اللجنة الرسالة بصوت مرتفع
إذا وصلت هذه الرسالة إلى ياسين، فاعلم أن الشخص الذي دبّر القضية لم يعد على قيد الحياة... لكن الأدلة التي تركها ما زالت موجودة، وستقودك إلى الحقيقة.
ثم نظر إلى ياسين وقال
واضح إن القصة لسه مخلصتش.
ابتسم ياسين للمرة الأولى منذ خروجه.
وقال
يمكن... لكن المرة دي أنا اللي هبدأ البحث، مش هقعد مستني الحقيقة تيجي لحد عندي.
وانتهى ذلك اليوم، بينما بدأ فصل جديد من حياته، لم يعد فيه متهمًا يدافع عن نفسه... بل رجلًا يبحث عن الحقيقة بنفسه الجزء الثالث تكملة خيالية
وضعت ملك كوبَي الشاي على الطاولة، ثم نظرت إلى والدها.
لم تكن تفهم كل ما يدور، لكنها رأت شيئًا لم تره منذ خروجه من السجن...
الغضب