رواية كاملة

لمحة نيوز

زعيم المافيا كان فاكر إن ولاده المحتضرين محتاجين دكاترة لحد ما ست مكسورة دخلت وفتحت الشباك، وكل حاجة بدأت تتغير.
لما الدكتور قال ل آدم الحديدي إن ولاده فاضلهم أقل من أسبوعين في الدنيا
كانت دي أول مرة أخطر راجل في البلد ينسى إزاي يتنفس.
ما صرخش.
ما كسرش حاجة.
وما هددش الدكتور
مع إن ناس كتير اتأذت قبل كده بسبب أخبار أقل بكتير.
هو بس فضل واقف في الجناح الطبي اللي بناه جوه قصره
بيبص على السريرين الصغيرين اللي نايمين عليهم توأمه
وحس إن حاجة جواه اتكسرت.
ابنه ياسين كان نايم على جنبه
ومادد إيده الرفيعة ناحية السرير اللي جنبه.
حتى وهو نايم
كان بيدور على أخته.
أما ليلى
فكانت باصة للسقف بعينين نص مفتوحين.
تعبانة لدرجة إنها مش قادرة ترمش.
ولا تشتكي.
ولا حتى تبقى طفلة.
السرطان أخد شعرها
وشهيتها
وضحكتها
ودلوقتي
حسب كلام الدكتور
جاي ياخد الباقي.
الدكتور قال بهدوء
أنا آسف يا أستاذ آدم.
جربنا كل حاجة.
جسمهم مبقاش مستحمل.
دلوقتي لازم نفكر في راحتهم.
راحة؟
آدم لف وشه ببطء.
وقال بصوت هادي أخوف من أي صريخ
الكلمة دي
ما تتقالش تاني في الأوضة دي.
المكان كله سكت.
الدكتور بلع ريقه.
أنا فاهم
قاطعه آدم.
لأ.
إنت مش فاهم.
رجع بص لولاده.
سريرين صغيرين.
وجهازين مراقبة.
ونفسين ضعاف.
جاب لهم أكبر دكاترة.
من مصر
ومن بره.
وجاب أجهزة أغلى من اللي في مستشفيات كاملة.
حط حراسة على كل باب.
عشان ولاده ماينفعش يتعالجوا في مستشفى عادي.
كان يقدر يشتري أي حاجة.
يقدر يخوف أي حد.
لكن
ماقدرش يمنع المرض.
وماقدرش يأمر الموت يبعد عن بنته.
فجأة
ليلى فتحت عينيها.
وقالت بصوت ضعيف
بابا
آدم جري عليها.
وقعد جنبها.
أنا معاكي يا حبيبتي.
بصتله.
وسألته
أنا هموت
وأشوف ماما؟
الدنيا كلها وقفت.
الحراس.
الدكاترة.
الأجهزة.
كل حاجة اختفت.
فضل السؤال بس.
من طفلة عندها خمس سنين.
أمها ماتت من سنتين.
برصاصة كانت متوجهة لآدم
لكن جات فيها هي.
من يوم دفنها
آدم ما بكىش.
ولا مرة.
لكن دلوقتي
حط راسه على سرير بنته
وانهار.
وقال وهو بيحاول يمسك دموعه
لأ يا حبيبتي.
مش دلوقتي.
أوعدك.
بس هو نفسه
كان عارف إن الوعد ده
مش بإيده.
تاني يوم.
القصر كله بقى شبه بيت عزا.
الستاير مقفولة.
الناس بتتكلم بالهمس.
الحراسة واقفة
لكن مفيش حد قادر يحارب المرض.
محدش بيطبخ للأطفال.
لأنهم مبقوش بياكلوا.
محدش بيفتح الشبابيك.
ولا بيشغل موسيقى.
ولا حتى بيضحك.
كل الناس
كانت مستنية النهاية.
لحد ما وصلت داليا حسن.
شايلة شنطة قديمة.
ولابسة بالطو رمادي رخيص.
وعينيها
شايلة وجع أكبر من عمرها.
عندها سبعة وعشرين سنة.
لا معاها شهادة كبيرة.
ولا واسطة.
ولا فلوس.
ولا حتى حد تستند عليه.
كانت جاية تقدم على وظيفة رعاية للأطفال.
بعد ما أكتر من ممرضة سابت الشغل وهربت أول ما عرفت اسم صاحب البيت.
لكن داليا
ما هربتش.
عند أول بوابة
وقفها اتنين حراسة.
وفتشوا شنطتها.
لقوا
هدوم.
رواية.
وملف أوراق.
ولا حاجة تانية.
واحد منهم سألها
خايفة؟
بصتله وقالت
لأ.
ماكانتش شجاعة.
كانت الحقيقة.
بعد ما شافت ابن أختها بيموت قدامها
مبقاش فيه حاجة تخوفها.
دخلت القصر.
كان ضخم.
بارد.
وشكله أقرب لحصن.
ريحة المطهرات مالية المكان.
استقبلتها مديرة البيت.
مدام ناهد.
وقالت
إنتِ فاهمة إن الشغل هنا مش طبيعي؟
ردت داليا
أنا أصلًا ما بدورش على الطبيعي.
قالت الست
ولا ممرضة قدرت تكمل هنا.
ابتسمت داليا.
وأنا مش جاية كممرضة بس.
وهي ماشية
لمحت عند باب الجناح الطبي.
جزمتين صغيرين.
واحدة زرقا.
وواحدة بينك.
وجنبهم
دبدوب واقع على الأرض.
انحنت.
شالته.
ونفضت التراب عنه.
وضمته لصدرها.
مديرة البيت بصتلها باستغراب.
وقالت
البيت ده
بقى مستني الموت.
محدش هنا بقى بيحاول ينقذ حد.
بصت داليا ناحية باب أوضة الأطفال.
وقالت بهدوء
يمكن المشكلة
إنكم استسلمتوا.
بعد شوية
طلع راجل ضخم.
اسمه محمود.
الذراع اليمين لآدم.
فتح ملفها.
وبص فيه.
وقال
معندكيش شهادة كاملة.
ولا شغل ثابت.
ولا أهل.
ولا أي حاجة.
رفع عينه ليها.
وقال
إنتِ معندكيش حاجة.
ردت من غير ما ترمش
عندي اللي يكفي.
فضل يبصلها شوية.
ودخل عند آدم.
رجع بعدها بدقايق.
وقال ببرود
الباشا رفض.
اتفضلي امشي.
لكن داليا
ما اتحركتش.
رفع حاجبه.
وقال
إنتِ ما سمعتيش
داليا ما اتحركتش. بصت لمحمود بثبات غريب وقالت بصوت هادي واصل لعمق الممر قول للباشا بتاعك... إن الدكاترة اللي جابهم بفلوسه بيقيسوا النبض، بس مبيعرفوش يقيسوا الروح. وولاده مبيشبعوش من الأجهزة، دول جعانين حياة. لو مشيت دلوقتي، الأسبوعين اللي قال عليهم الدكتور هيبقوا يومين. سيبني أدخل، ومش هتعوزوا تطردوني... أنا همشي لوحدي لو عيل منهم عيط بسببي.
في اللحظة دي، الباب الكبير اتفتح.
خرج آدم الحديدي. عينيه كانت حمرا من قلة النوم، هيبته تخوف، لكن ملامحه كان عليها خذلان الراجل اللي ملك كل حاجة واكتشف إنه مملكش أي حاجة. بص لداليا نظرة اخترقت روحها، وقال بنبرة غليظة سيبيها تدخل يا محمود. مابقاش فيه حاجة نخسرها أصلًا.
الفصل الأول النور الأول
دخلت داليا الجناح الطبي. الأوضة كانت عبارة عن مستشفى مصغر، بس بارد ومكتوم. الستائر السودا مغطية الشباك الكبير، وريحة الأدوية تخنق.
أول حاجة عملتها داليا، ومن غير ما تستأذن، مشيت ناحية الشباك.
الدكتور صرخ فيها إنتِ بتعملي إيه؟ الأطفال مناعتهم صفر! أي هوا غبار ممكن يقتلهم!
داليا ماردتش عليه. مسكت الستاير التقيلة وبكل قوتها شدتها. النور دخل الأوضة فجأة زي السكين اللي قطع الضلمة. فتحت الشباك نص فتحة، فدخل هوا الفجر البارد، ومعاه ريحة شجر الياسمين اللي في الجنينة.
ياسين وليلى رمشوا بعنيهم بتثاقل. ليلى حركت راسها الصغير ناحية الشمس.
آدم اتعصب ومسك إيد داليا بعنف إنتِ اتجننتي؟ عايزة تموتيهم؟
بصت لإيده القوية اللي لفت حوالين معصمها، وبصت في عينيه وقالت بقالهم قد إيه مشافوش الشمس؟ بقالهم قد إيه بيدخل جسمهم هوا ميت من التكييفات؟ سيبهم يحسوا إنهم عايشين عشان يفتكروا يدافعوا عن نفسهم.
آدم ساب إيدها ببطء، سحرها وجرأتها أجبروه يسكت.
قربت داليا من السريرين. قعدت في النص بين ياسين وليلى. طلعت من شنطتها القديمة زجاجة صغيرة فيها زيت زيتون بريحة اللافندر. بدأت تدلك إيدين ياسين الرفيعة برفق وهي بتدندن بصوت دافي وواطي جدًا، أغنية قديمة عن الشمس والبحر.
ياسين، اللي كان رافض يفتح عينيه بقاله يومين، صوابعه الصغيرة بدأت تتحرك جوه إيد داليا. ليلى بصلتها وقالت بصوت يدوب مسموع طعم بوقي وحش.. ومر.
داليا ابتسمت عشان النور كان غايب يا قلب داليا. تحبي نعمل حفلة؟
الفصل الثاني الحرب بأسلحة مختلفة
آدم كان بيراقب من بعيد، مش فاهم الست دي بتعمل إيه. داليا رفضت تدي الأطفال الأكل المسلوق بتاع المستشفيات. نزلت المطبخ بنفسها، وعملت شوربة دافية بأعشاب طبيعية وليمون، وبدأت تأكلهم بالمعلقة الصغيرة... بالصبر، وبالملاطفة.
اليوم الثالث ياسين
 

تم نسخ الرابط