رواية كاملة
ماتت، واللي قدامك دي واحدة تانية خالص.
ركبت العربية مع دينا، وسيبناهم واقفين وسط الشارع، تايهين ومش فاهمين إيه اللي حصل. دينا ضحكت وقالت يا بنت اللعيبة.. منظرهم كان يجنن!
لسه يا دينا، لسه.. ده مجرد بداية.
وصلنا البيت، قعدت ألملم شتات نفسي. كريم كلمني تاني، صوته كان متغير، كان فيه نبرة غضب مكتومة. نور، أنا في المطار. ساعتين وهكون عندك. إبراهيم اتصل بيا من شوية وهددني لو ما أقنعتكيش تتنازلي عن المحضر، هيعملوا فضيحة في شغلنا.
خليهم يعملوا يا كريم، قلت له بقوة. اللي بيعمل كده بيبقى عايز يغطي على خيبته. أنا مش هتنازل. المحضر ده هو اللي هيحمينا.
أنا معاكي يا نور. أنا مش هسمح لحد يمسنا.
قعدت أستنى كريم. البيت كان هادي، بس كان هدوء ما قبل العاصفة. كنت عارفة إن أمي مش هتسكت. نعمت ست طموحة في أذيتها، وهتستخدم كل كارت معاها. بدأت أفكر في نادية، يا ترى هي بتفكر في إيه؟ هي اللي كانت دايماً بتتحجج بالعيال، هي اللي كانت بتدير كل حاجة من ورا الستار.
حور صحيت وطلبت رضاعة. كنت بهزها، وفجأة الموبايل رن. رقم نادية.
فتحت الخط من غير ما أتكلم.
انتي فاكرة إنك انتصرتي يا نور؟ صوت نادية كان بارد ومستفز. انتي بتدخلي نفسك في حوارات هتنهي مستقبلك. كريم مستقبله في الجيش، وانتي عايزة تضيعيه بقضايا ومحاضر؟ ده إنتي أنانية وماتحبيهوش.
انتي اللي أنانية يا نادية، رديت بصوت واطي ومسيطر. انتي اللي بقالك سنين بتسرقي تعبي وبتسميه مساعدة. وأنا مش هسمحلك تلمسي مستقبلي ولا مستقبل كريم تاني. إنتي اللي نهيتي كل حاجة لما اخترتي تستغلي بنتي اللي لسه خارجة للدنيا.
إحنا أهلك يا نور! العيلة اللي ربتك!
لا، أنتم العيلة اللي علمتني إزاي أعتمد على نفسي، وأعلمكم إن كل غلطة ليها تمن.
قفلت الخط. مفيش دموع، مفيش وجع. كان فيه بس حقيقة واحدة أنا بقيت أقوى من ذكرياتهم.
كريم وصل البيت بعد ساعتين. كان شكله مجهد، بس أول ما شافني وحور، حسيت بالراحة. ضمني لحضنه، وشميت ريحة البذلة العسكرية بتاعته، الريحة اللي دايماً كانت بتطمني. أنا آسف، قال وهو بيلمس شعري. آسف إني سبتك تواجهي ده لوحدك.
مش وقته يا كريم، قلت له وأنا ببعد عنه شوية. دلوقتي إحنا لازم نركز في الخطوة الجاية. هما مش هيسكتوا.
عارف، قال وهو بيطلع موبايله. أنا كلمت المحامي بتاعنا، وهنجهز لقضية حماية. وهنغير أرقامنا تماماً. هما مش هيوصلوا لنا تاني.
قعدنا سوا، بنراجع الخطوات. حسينا إن البيت بقى قلعة. كريم أخد حور في حضنه، وأنا قعدت أكتب في النوت بوك. حسيت إن حياتي بدأت تأخذ شكل تاني.. شكل أنا اللي مختاراه.
بس فجأة، سمعت صوت حاجة
بتتحرك في الصالة. باب الشقة كان مقفول، بس كان فيه صوت خربشة في الكالون. حد بيحاول يفتح الباب بالمفتاح!
كريم قام بسرعة، مسك سلاحه الشخصي اللي كان شايله في الشنطة ووقف جنب الباب. بصيت له، وهزيت راسي. إبراهيم؟
كريم فتح الباب فجأة، ولقينا إبراهيم واقف وفي إيده مفتاح بيحاول يدخله في الكالون. كان باين إنه جاي في حالة هيجان.
كريم مسكه من رقبته ورماه جوه الصالة. إنت بتعمل إيه هنا؟
إبراهيم كان بيحاول يقوم، كان باين عليه إنه شربان حاجة أو تحت تأثير غضب جنوني. نور.. نادية قالت لي.. نادية قالت لي لو ما جبتش البنت.. هي هتبلغ عنك في النيابة إنك بتتاجري في الآثار.. هي عندها ورق!
اتصدمت. آثار؟ إنتي اتجننتي يا نادية؟
كريم مسك إبراهيم وطلع تليفونه، وبدأ يسجل كل كلمة بيقولها. عيد تاني يا إبراهيم، نادية قالت إيه؟
قالت.. قالت إنها سرقت أوراق من مكتبك يا نور.. ورق قديم.. وهتلفق لك قضية.. هي عايزة الفلوس.. عايزة الملايين اللي في حسابك.. قالت إنك مش من حقك تعيشي ملكة وهي بتعاني!
بصيت لكريم، وعرفت إن دي اللحظة اللي الحرب فيها اتغيرت. هما مش بس بيطالبوا بفلوس، هما بيحاولوا يدمروا حياتي كلها.
دينا لازم تيجي حالا، قلت لكريم. إحنا معانا إثبات تلفيق قضية دلوقتي.
إبراهيم بدأ ينهار. أنا مش عايز مشاكل.. أنا كنت مجرد أداة.. نادية هي اللي بتدير كل حاجة.. هي اللي بعتتني عشان أغير كالون الباب وأدخل أسرق الاب توب بتاعك!
كريم بص لي، وكانت عينه مليانة غضب. يا نور، إحنا لازم نخرج من هنا.. البيت ده ما بقاش أمان.
لا يا كريم، قلت له بقوة. إحنا مش هنخرج.. إحنا هنخلي القانون ييجي هنا.
بصيت لإبراهيم اللي كان قاعد على الأرض بيعيط، وحسيت بإشفاق عليه، بس الشفقة ما كانتش كافية. يا إبراهيم، إنت قدامك اختيارين يا إما تروح معانا النيابة وتعترف بكل اللي نادية قالته، وتكون شاهد إثبات.. يا إما هسيب كريم يسلمك للشرطة بتهمة محاولة اقتحام منزل ومعاك السلاح اللي كنت ناوي تستخدمه.
إبراهيم فكر لحظة، وبص للورق اللي كان كريم بيجهزه. هوافق.. أنا مش عايز أضيع مستقبلي عشان نادية.
حسيت إن دي نقطة التحول. نادية وأمي كانوا فاكرين إني ضعيفة، بس أنا دلوقتي معايا الورقة الرابحة.
بدأت أجهز نفسي، لبست، وأخدت حور في حضني. بصيت لكريم وقلت له إحنا رايحين ننهي الحكاية دي مرة واحدة.
في الطريق للنيابة، كانت القاهرة بتلمع بالأنوار، وكأني أول مرة أشوف جمالها. كنت حاسة إني بخرج من غابة كنت تايها فيها سنين، وداخلة على حياة جديدة.. حياة عنوانها الكرامة.
دخلنا النيابة للمرة التانية، بس المرة دي كان معايا إبراهيم شاهد، ومعايا تسجيلات كريم. وكيل النيابة سمع إبراهيم وهو بيعترف بكل مخططات نادية. وش وكيل النيابة كان بيتغير من الدهشة للغضب.
يا مدام نور، المحضر ده هيتحول لقضية تآمر وتلفيق تهم.. وهنصدر أمر استدعاء فوري لنادية ووالدتك.
خرجت من مكتب النيابة، وكان الصبح بدأ يطلع. الشمس كانت طالعة خفيفة، بتدفي شوارع القاهرة. كريم مسك إيدي، وباس راسي. إحنا عملناها يا نور.
لا يا كريم.. إحنا لسه بنبدأ.
بصيت للسما، وحسيت إني أخيراً أخدت حقي. بس وأنا ماشية، شفت تليفون دينا بيرن. ردت، ووشها اتغير تماماً. نور.. نادية وأمك هربوا.. سابوا البيت ومشيوا.
يعني هما عارفين إني بدأت أحارب؟ يعني المعركة الحقيقية لسه ما بدأت؟
ابتسمت، وقلت لدينا خليهم يهربوا.. أنا دلوقتي عارفة إني أقوى، وأنا اللي هطارد خيالاتهم، مش هما اللي هيطاردوني.
الفصل الأخير، اللي فيه الحساب بيخلص، والدايرة اللي بدأت ب نور خايفة ومنكسرة، بتتقفل ب نور اللي بقت صلبة ومتحررة.
عدت أسبوعين من بعد الليلة اللي إبراهيم اتقبض عليه فيها. البيت بقى أهدى بكتير، بس كان فيه دايماً إحساس الهدوء اللي بيسبق العاصفة. نادية ونعمت مازالوا هاربين، والقضية في النيابة بقت قضية رأي عام في المحيط بتاعنا، بعد ما اتسربت تفاصيل ابتزازهم ليا. أنا بقيت بخرج بشموخ، مش لابسة نظارات ولا بخبي وشي، لأن اللي ماشي في طريق الحق ما عندوش حاجة يداريها.
في يوم، دينا اتصلت بيا، وصوتها كان فيه نبرة غريبة.. نبرة انتصار مخلوط ب تعب. نور، أخيراً عرفنا مكانهم. نادية ونعمت مستخبيين في شقة قديمة في إسكندرية، تبع واحدة من قرايبنا البعاد اللي كانت بتساعدهم. الشرطة اتحركت دلوقتي، وأنا وكريم رايحين هناك عشان نكون موجودين وقت القبض عليهم.
حسيت بضربات قلبي بتزيد. اللحظة اللي كنت مستنياها بقالي سنين بقت على بعد ساعات. أنا جاية معاكم، قلتها بكل تصميم.
نور، مش لازم، كفاية اللي شوفتيه..
لأ، دي نهايتي أنا، وأنا اللي لازم أشوف الستارة بتنزل بنفسي.
وصلنا إسكندرية في وقت الغروب. الشقة كانت في منطقة شعبية قديمة، مبنى متهالك بيطل على بحر مهجور. الشرطة كانت محاصرة المكان، والمشهد كان كأنه فيلم سينمائي، بس الرعب اللي كان في عيني كان حقيقي تماماً. شفتهم وهما بيخرجوا نادية.. كانت لابسة عباية سوداء، وشعرها منكوش، والشرر بيطلع من عينيها. ونعمت كانت ماشية وراها، لابسة طرحة مغطية وشها، بس كانت باصة
للأرض، مكسورة، وشكلها أصغر بكتير من الصورة الوحشية اللي كنت راسماها في خيالي.
أول ما شافوني، نادية وقفت وبدأت تصرخ إنتي اللي عملتي فينا كده! إنتي اللي بعتي أهلك للحبس! يا خاينة يا قليلة
الأصل!
أنا ما اتحركتش. فضلت واقفة مكاني، حاطة إيدي في جيوب الجاكيت، وباصة لهم ببرود تام. أنا ما بعتش حد يا نادية.. أنتم اللي بعتوا نفسكم بالغل والطمع اللي جوه قلوبكم. أنتم اللي اخترتوا تكونوا مجرمين، وأنا اخترت أكون حرة.
نعمت رفعت عينها وبصت لي، ولأول مرة، شفت في عينيها حاجة غير السخرية.. شفت ندم. ندل مش على أفعالها، لكن ندم على إنها خسرت البنك بتاعها. يا نور.. ده إحنا أهلك.. ده الدم مبيصيرش مية.. قالتها بصوت واطي ومتقطع.
الدم بيبقى مية يا ماما لما بيتروى بالسم، رديت بوجع حقيقي، مش ضعف. أنا طول عمري كنت بدور على أم، مش على سجّانة. طول عمري كنت بتمناها تكون جنبي، مش فوق رقبتي. أنتم اللي قتلتوا كل حاجة حلوة كانت بتربطني بيكم، مش أنا.
الشرطة أخدتهم وركبوهم بوكس الشرطة، والصوت اللي كان دايماً بيخوفني، صوت نعمت العالي وصوت نادية المتربص، بدأ يقل ويقل لحد ما اختفى تماماً.
كريم حط إيده على كتفي، وحسيت براحة تامة. خلاص يا نور.. انتهت.
مشيت خطوة ناحية البحر، وقفت أتفرج على الأمواج وهي بتخبط في الصخور. حسيت بدموع بتنزل من غير ما أحس، دموع غسلت كل وجع السنين اللي فاتت. اتصلت ب بابا، اللي كان دايماً في النص، بيسمع ولا يتكلم. يا بابا.. أنا سامحتك، بس مش هينفع نرجع زي زمان. لازم تبدأ حياة جديدة، بعيد عنهم.
قفلت معاه، وبدأت أكتب في النوت بوك بتاعي اللي كان دايماً رفيقي. كتبت آخر فصل نور ونور.. حكاية ست قررت ما تبقاش ضحية، ولقيت في نفسها القوة إنها تبني حياة جديدة فوق رماد اللي حاولوا يهدوها.
رجعنا البيت، والبيت بقى ليه طعم تاني. حور كانت بدأت تكبر، بدأت تضحك، وبدأت تحس إنها في بيت مش ساحة معركة. كريم أخد إجازة طويلة، وقعدنا نفكر في مستقبلنا. قررنا نسافر بعيد، نغير جو، ونبدأ صفحة بيضا تماماً.
بعد شهر من القضية، الحكم صدر. نادية ونعمت خدوا أحكام سجن بتهم الابتزاز وتلفيق التهم. ما حسيتش بفرحة انتقام، حسيت براحة العدل. العدل اللي الواحد بيحتاجه عشان يكمل حياته من غير ما يفضل باصص لورا.
في يوم، وأنا بلم هدومنا عشان السفر، لقيت شنطة صغيرة فيها حاجاتي القديمة، لقيت فيها صورة ليا وأنا لسه صغيرة، كنت حاضنة نادية، وكانت أمي واقفة ورانا بتضحك. قعدت أتأمل الصورة.. كان فيه حب، كان فيه براءة، فين راحت كل الحاجات دي؟ ليه اتغيرنا؟
قمت، وقطعت الصورة نصين. نص فيه صورتي، ونص فيه صورتهم، ورميتهم في سلة الزبالة. مش عشان مش عايزة أفتكر، بس عشان الوجع اللي في الصورة كان لسه بيحرقني.
كريم جه من ورايا، حضني، وباس خدي. جاهزة للحياة الجديدة؟
جاهزة أكتر من أي وقت فات.
حور كانت بتلعب باللعب بتاعتها على السجادة، ضحكتها كانت بتملأ البيت دفا. بصيت لهم، بصيت للراجل اللي حماني، وللبنت اللي بتبني مستقبلي، ولنفسي.. نور اللي اتعلمت إن الضعف مش قدر، وإنه مجرد مرحلة لو قررنا نعديها، هنوصل لحتة تانية خالص.
خرجت من البيت القديم، قفلت الباب ورايا، رميت المفتاح في علبة الكالون، وسبت ورايا كل الخوف، كل التهديد، كل الابتزاز. ركبت العربية، وسقت في طريق مفتوح. كانت الشمس طالعة، والطريق كان واسع، واسع زي أحلامي اللي بدأت أحلمها من جديد.
ما بقتش بنت نعمت، وما بقتش البنك بتاع نادية. بقيت نور بس. نور اللي بتعرف تحب، بتعرف تحمي، وبتعرف تبدأ من أول وجديد مهما كان اللي عدى.
في المراية، شفت انعكاس وشي.. كان فيه تجاعيد بسيطة من التعب، بس كان فيه لمعة في عيني، لمعة القوة، لمعة الحرية.
بدأت أغني، غنيت أغنية قديمة كانت أمي بتحبها، بس غنيتها بصوتي أنا، غنيتها عشان أقول للماضي سلام، وعشان أقول للمستقبل أهلاً بيكي.
الحكاية ما كانتش عن الهروب، الحكاية كانت عن الرجوع.. الرجوع لنفسي.
النهاية.