جوزي سابني أرعى أخته سما سامح

لمحة نيوز

جوزي سابني أرعى أخته القعيدة وهو مسافر الساحل مع عيلته كلها لكن أول ما الباب اتقفل، قامت من على الكرسي وقالتلي
يا هالة إنتِ مش الزوجة إنتِ الضحية الجاية.
لو جرالها أي حاجة وإحنا في الساحل، يبقى الذنب ذنبك إنتِ قالتلي حماتي.
قالتها وهي واقفة عند باب الفيلا، لابسة نضارة شمس، وجنبها شنطة سفر غالية، وعلى وشها ابتسامة باردة عمرها ما وصلت لعينيها.
كريم حتى ما بصليش.
شال شنطته، وساب أخته في نص الصالة كأنها قطعة عفش قديمة مالهاش لازمة.
ندى كانت قاعدة على الكرسي المتحرك، إيديها ثابتة فوق رجليها، وباصّة للأرض، ومغطية نفسها ببطانية رمادي.
أنا افتكرتها خايفة.
لكن لا
كانت مستنية.
اسمي هالة.
عندي سبعة وعشرين سنة.
وفي يوم من الأيام كنت فاكرة إني هبقى مطربة، واقفة على المسرح والأنوار فوقي والناس بتنادي باسمي.
بس القاهرة بتعرف تكسر الأحلام بسرعة.
بشتغل في بنك في وسط البلد.
بسدد ديون.
وبغني بصوت واطي وأنا بغسل المواعين.
واتجوزت كريم لأن كل الناس كانت بتقول إن خلاص جه وقت الاستقرار.
كريم في الأول كان شكله طيب.
كان يجيبلي فطار من غير مناسبة.
ويسمعني وأنا بحكي عن الغنا.
ويقولي إنه هو كمان كان نفسه يبقى ممثل قبل ما أهله يجبروه يدخل شغل العيلة.
وأنا صدقته.
لأن لما الإنسان يبقى محتاج حب أي اهتمام صغير بيبانله كأنه الدنيا كلها.
بعد الجواز، كل حاجة اتغيرت.
الأول بقت اجتماعاته كتير.
بعدها بقيت أشم ريحة الخمرة في هدومه.
وبعدين بقى يقضي الويك إند عند أهله من غير ما يعزمني.
ولما كنت أسأله فيه إيه، كان دايمًا يقول نفس الجملة
إنتِ مكبرة الموضوع يا هالة.
حماتي، مدام سوسن، عمرها ما حبتني.
كانت عايشة في فيلا ضخمة في الشيخ زايد، بجنينة متشقلبة، وكاميرات في كل حتة، والهدوء الغريب اللي بيبقى مالي بيوت الناس اللي مخبية أسرار.
وكانت ندى، أخت كريم الصغيرة، عايشة معاهم.
على حسب كلامهم، ندى تعبت وهي صغيرة.
سخونية جامدة.
إهمال.
وتلف عصبي.
ما بقتش تتكلم.
ولا تمشي.
ولا تكتب.
بس تبص وبس.
ده اللي كانوا بيقولوه.
أنا اتعلمت لغة الإشارة عشان أعرف أتكلم معاها، رغم إن حماتي كانت بتتريق.
ما تضيعيش وقتك يا هالة ندى مبقتش فاهمة زي زمان.
بس ندى كانت فاهمة.
عينيها كانت فاهمة كل حاجة.
لما كريم كان بيتجاهلني على السفرة، كانت تضغط على إيدي.
لما حماتي كانت تذلني بسبب لبسي، كانت تبصلي كأنها بتقولي ما تصدقيهاش.
ولما كنت أغني في المطبخ، كانت تبتسم ابتسامة خفيفة.
في العيلة دي، الشخص الوحيد اللي كان شايفني بني آدمة كانت البنت اللي الكل بيعاملها كأنها حمل تقيل.
في يوم جمعة، كريم أخيرًا خدني عندهم.
كنت فرحانة.
جبت معايا علبة جاتوه وحلويات من محل مشهور في مصر الجديدة.
حماتي بصتلي وقالت ببرود
آه من نفس المحل تاني.
حمايا حتى ما رفعش عينه من الجرنال.
أما مي، أخت كريم التانية، فكانت قاعدة تختار مايوهات على الموبايل.
وفجأة كريم قال
إحنا مسافرين الساحل أسبوع. أنا وماما وبابا ومي.
استنيت يقول اسمي.
ما قالوش.
وأنا؟ سألت.
الصالة سكتت.
ومي ضحكت بسخرية.
يا هالة، دي سفرة عيلة.
حسيت بالكلمة زي الطعنة.
بس برضه قلت
أنا مراتك.
كريم عدل ساعته وقال
وعشان كده محتاجينك تقعدي مع ندى.
حماتي حطت الفنجان وقالت
الممرضة اعتذرت، ولازم حد مسئول يفضل معاها.
مسئول.
مش زوجة.
مش من العيلة.
مجرد حد للخدمة.
عندي شغل قلت.
كريم بصلي ببرود
خدي إجازة دي أختي.
وأختك دي مش أختك إنت كمان؟
ما تبتديش يا هالة.
الجملة اللي دايمًا بيخرسني بيها.
ما تبتديش.
كأن وجعي رخامة.
وكأن طلب الاحترام قلة أدب.
حماتي قربت مني وقالت
بصي يا هالة ندى محتاجة علاج وأكل مخصوص ومتابعة، ولو حصلها حاجة وإحنا في الساحل تبقي إنتِ السبب.
يا ماما قال كريم كأنه متضايق.
بس ما دافعش عني.
أبدًا.
تاني يوم وصلوا بالشنط.
ريحة البرفانات الغالية مالية المكان.
حماتي ادتني ملف فيه مواعيد العلاج والتعليمات مكتوبة بقلم أحمر
ما تسيبهاش لوحدها.
ما تدخليش المكتب.
ما ترديش على أرقام غريبة.
ما تطفيش الكاميرات.
رفعت عيني بسرعة.
كاميرات؟
ابتسمت وقالت
للأمان.
كريم قرب مني 
خليكي شاطرة.
كأني شغالة عندهم.
ندى كانت قاعدة جنب الشباك.
ساكتة.
شاحبة.
ومغطية رجليها بالبطانية الرمادي.
قبل ما يمشي، كريم وطى قدامها وقال
ما تعمليش مشاكل.
الجملة كانت غريبة.
مش كلام أخ بيطمن أخته.
كانت تهديد.
ندى ما اتحركتش.
بس قفلت عينيها.
باب الفيلا اتقفل.
وسمعت صوت العربية وهي بتبعد.
البيت كله سكت.
سكات تقيل.
كأن الحيطان نفسها مستنية حاجة تحصل.
قربت من ندى.
خلاص بقينا لوحدنا.
رفعت عينيها وبصتلي.
بعدين بصت للكاميرا.
وبعدين رجعت بصتلي.
ابتسمت بحزن.
ما تخافيش مش هأذيكي.
ندى حرّكت صوابعها بإشارة بطيئة.
كاميرا.
أيوة عارفة مامتك قالت عشان الأمان.
هزت راسها بعنف.
وأشارت للأباجورة والفازة والساعة.
اتجمد الدم في عروقي.
فيه كاميرات أكتر؟
هزت راسها.
وبعدين طلبت مني أسكت.
ثبتت إيديها على دراعات الكرسي.
وضغطت بقوة.
رجليها بدأت ترتعش تحت البطانية.
شهقت.
ندى
وببطء شديد
قامت.
قامت على رجليها.
البنت اللي الكل قال إنها ما بتمشيش كانت واقفة قدامي.
كانت بتترعش وبتتنفس بالعافية بس واقفة.
اتسمرت مكاني.
إيه ده؟
ندى حطت صباعها على شفايفها.
ومسكت إيدي وجرتني ناحية الحمام.
كانت بتمشي بصعوبة لكنها بتمشي.
دخلنا حمام الضيوف.
قفلت الباب.
وفتحت الحنفية عشان صوت الميه يغطي على كلامنا.
وبعدين بصتلي
واتكلمت.
صوتها كان مبحوح وضعيف، كأنه خارج بعد سنين من السكوت.
هالة اسمعيني كويس.
رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في الحوض.
إنتِ بتتكلمي؟
ضحكت ضحكة كلها وجع.
هما فاكرين إني نسيت إزاي.
حطيت إيدي على بقي.
مين؟
بصت ناحية الباب بخوف.
كلهم.
صوت الميه كان عالي.
والبيت ساكت بشكل مرعب.
وقلبي بيدق لدرجة حسيت إن الكاميرات سامعاه.
ليه كنتِ بتعملي نفسك مشلولة؟ همست.
مسكت إيدي بقوة.
أنا ماكنتش بمثل في الأول هما اللي عملوا فيا كده.
جسمي كله ساقع.
عيلتك؟
ما ردتش.
وده كان أسوأ من أي إجابة.
طلعت مفتاح صغير متلزق تحت هدومها.
وادتهولي.
لازم تمشي قبل ما يرجعوا.
مش هسيبك.
عينيها اتمَلوا دموع.
إنتِ مش فاهمة كريم ما اتجوزكيش عشان بيحبك.
حسيت الأرض بتميل بيا.
يعني إيه؟
حطت المفتاح في إيدي.
ادخلي مكتب بابا افتحي الدرج الأسود هتلاقي ملفك هناك.
ملفي أنا؟
بلعت ريقها.
ملف اللي قبلك كان هناك برضه.
نفسي اتقطع.
اللي قبلي مين؟
وشها اتهز بالخوف.
وفجأة
سمعنا صوت بيب جاي من الصالة.
نور أحمر في الكاميرا اشتغل.
وبعدها التليفون الأرضي رن.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
ندى وشها شحب فجأة.
هما عرفوا إني قومت من الكرسي.
التليفون فضل يرن.
وأنا ببص للمفتاح اللي في إيدي.
وفجأة ندى همست بالجملة اللي جمدت الدم في عروقي
يا هالة لو رديتي، هتسمعي صوت الست اللي كريم دفنها قبل ما يتجوزك.
التليفون فضل يرن.
مرة ورا مرة.
وأنا واقفة ماسكة المفتاح، وباصّة لندى اللي وشها بقى أبيض كأن الدم اختفى منه.
مديت إيدي ناحية السماعة بتردد.
ندى مسكت دراعي بسرعة وهمست
أوعي تردي باسمه الحقيقي.
يعني إيه؟
قولي البيت تحت الصيانة لو عرف إنك لوحدك هييجي.
قلبي كان هيقف.
مين؟
لكن قبل ما تجاوب، الرنة وقفت.
الصمت رجع تاني.
ثواني
وفجأة الموبايل اللي على الترابيزة نور.
رسالة.
رقم غريب.
فتحتها بإيد بتترعش.
لو عايزة تعرفي مين الست اللي قبلك انزلي الجراج حالًا. الكاميرات اتقفلت دقيقتين بس.
بصيت لندى.
هي كانت مرعوبة.
مين بعت الرسالة؟
ندى هزت راسها
معرفش بس لازم تروحي دلوقتي.
وأسيبك؟
لو فضلتي هنا إحنا الاتنين هنموت.
الكلمة نزلت عليّا كأنها تلج.
جريت ناحية باب
 

تم نسخ الرابط